تقرير بريطاني: اقتصادنا يبحر كسفينة عمياء نحو جبل جليدي

«التشاؤم» يستبق اجتماع «المركزي» اليوم.. وتحذيرات من أزمة مالية أسوأ من 2008

معهد «آدم سميث»: المملكة المتحدة تتوجه ‏إلى أزمة مالية أسوأ من أزمة عام 2008، والبنوك البريطانية ليست في حالة ‏مناسبة لمواجهة الأزمة المقبلة
معهد «آدم سميث»: المملكة المتحدة تتوجه ‏إلى أزمة مالية أسوأ من أزمة عام 2008، والبنوك البريطانية ليست في حالة ‏مناسبة لمواجهة الأزمة المقبلة
TT

تقرير بريطاني: اقتصادنا يبحر كسفينة عمياء نحو جبل جليدي

معهد «آدم سميث»: المملكة المتحدة تتوجه ‏إلى أزمة مالية أسوأ من أزمة عام 2008، والبنوك البريطانية ليست في حالة ‏مناسبة لمواجهة الأزمة المقبلة
معهد «آدم سميث»: المملكة المتحدة تتوجه ‏إلى أزمة مالية أسوأ من أزمة عام 2008، والبنوك البريطانية ليست في حالة ‏مناسبة لمواجهة الأزمة المقبلة

قبل ساعات من اجتماع مهم لبنك إنجلترا (المركزي البريطاني) اليوم (الخميس)، من المتوقع بشكل كبير أن يجرى خلاله إقرار خفض أسعار الفائدة، وترجيحات بحزمة إجراءات أخرى من شأنها الحفاظ على الاقتصاد البريطاني عقب ما واجهه الأخير من تبعات ترتبت على نتائج الاستفتاء بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، تسود نظرة متشائمة على تقارير اقتصادية بحثية، ومؤشرات مهمة، تتناول الاقتصاد البريطاني.
وبالأمس، حذر تقرير بحثي أصدره معهد «آدم سميث» من أن المملكة المتحدة تتوجه ‏إلى أزمة مالية أسوأ من أزمة عام 2008، مشيرا إلى أن البنوك البريطانية ليست في حالة ‏مناسبة لمواجهة الأزمة المقبلة.‏ وأوضح التقرير، أن اختبارات الضغط لبنك إنجلترا تعمل «مثل نظام الرادار ‏على السفينة الذي لا يمكنه اكتشاف جبل جليدي».‏
وأشار المعهد البحثي المالي إلى وجود «فحوص» تقيس قدرة البنوك البريطانية على التعامل مع ‏صدمة اقتصادية رئيسية أخرى، متهما بنك إنجلترا بأنه لم يتنبه مرة أخرى بوجود أزمة ‏اقتصادية أخرى ستواجه البلاد.‏
وأبرزت الدراسة 13 عيبا في اختبار الضغط، مؤكدة أن كل مصرف في بريطانيا حاليا يفشل ‏في اختبارات الضغط من جانب مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي.‏ كما حذر التقرير من أن المملكة المتحدة «تبحر عمياء تجاه أزمة مالية عالمية ثانية».‏
وقال كاتب التقرير البروفسور كيفن دود، أستاذ التمويل والاقتصاد في جامعة دورهام: «إن ‏الغرض من هذا البرنامج الذي يقيس الضغط يجب أن يكون تسليط الضوء على هشاشة نظامنا ‏المصرفي، والحاجة إلى إعادة بنائه».‏
وتتفق الرؤية العامة لتقرير معهد «آدم سميث» مع توقعات أخرى مهمة، تؤكد أن الاقتصاد البريطاني سينكمش في الربع الثالث من هذا العام، وأنه توجد فرصة بنسبة 50 في المائة لأن يعاني ركودا فنيا قبل نهاية العام المقبل بسبب الاستفتاء.
واستبق المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في بريطانيا اجتماع المركزي البريطاني، قائلا في تقريره أمس إن «الآفاق الاقتصادية تبدو قاتمة»، وأن قدرة بنك إنجلترا على الرد «محدودة».
ويتوقع المعهد في قراءته أن ينكمش الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.2 في المائة في الأشهر الثلاثة حتى نهاية سبتمبر (أيلول)، وأن يتباطأ النمو في عام 2016 بكامله إلى 1.7 في المائة، هبوطا من نسبة 2.0 في المائة التي توقعها في مايو (أيار) الماضي، وهي نسبة مطابقة لتلك التي توقعها صندوق النقد الدولي خلال الشهر الماضي.
كما يتوقع المعهد نموا قدره واحد في المائة فقط في عام 2017، الذي سيكون المعدل الأضعف من نوعه منذ الركود في عام 2009؛ وذلك انخفاضا من تقدير سابق قدره 2.7 في المائة. ومن المرجح أن يتجاوز التضخم 3 في المائة بسبب هبوط الجنيه الإسترليني بنسبة 10 في المائة منذ إجراء الاستفتاء.
وقال المعهد، إنه يتوقع أن يخفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، إلى 0.25 في المائة في اجتماعه اليوم، وبمقدار 0.15 نقطة مئوية أخرى، ليصل إلى 0.10 في المائة في اجتماعه التالي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وأضاف التقرير، أنه «بالنظر إلى نطاق التباطؤ، فإنه من المرجح أن يستأنف بنك إنجلترا أيضا برنامجه لمشتريات السندات، المتوقف منذ أواخر 2012، رغم أنه من غير الواضح ما إذا كان ذلك سيحدث (اليوم) الخميس أم في نوفمبر».
وتتزامن تلك التقارير «المتشائمة» حول «مستقبل الاقتصاد» في بريطانيا، مع نتائج مؤشرات ومسوحات اقتصادية مخيبة للآمال، إضافة إلى تراجعات كبيرة في مختلف القطاعات خلال الفترة التي تلت الاستفتاء؛ ما يصب في خانة الرؤية السلبية.
وبالأمس أيضا، قالت شركة «ماركت للبيانات المالية»: إن «النسخة الكاملة من مؤشرها الشهري لمديري المشتريات لشهر يوليو (تموز)، التي نشرت الأربعاء، أظهرت تراجعا حادا في نشاط الشركات، مقارنة مع مستواه في يونيو (حزيران).. وهو ما يتوافق مع ما أظهرته القراءة الأولية لمؤشر مديري المشتريات التي نشرت قبل أسبوعين». موضحة أن الاقتصاد البريطاني ينكمش بأسرع وتيرة له منذ الأزمة المالية في 2008 – 2009، بما يجعل خفض بنك إنجلترا المركزي لسعر الفائدة اليوم «أمرا مفروغا منه».
وقال كريس ويليامسون، كبير الخبراء الاقتصاديين في ماركت: إن «هذه الأرقام تشير إلى انكماش الاقتصاد البريطاني بنسبة 0.4 في المائة في ثلاثة أشهر حتى سبتمبر، وهو معدل لم تشهده البلاد منذ مطلع 2009، حين خفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة آخر مرة».
وكان خبراء اقتصاد استطلعت «رويترز» آراءهم في الشهر الماضي قدروا أن احتمالات ركود الاقتصاد البريطاني تصل إلى 60 في المائة في أعقاب الاستفتاء. ويتوقع جميع خبراء الاقتصاد تقريبا أن يخفض بنك إنجلترا أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية على الأقل إلى 0.25 في المائة، لكنهم انقسموا بشأن ما إذا كان البنك سيستأنف برنامج التيسير الكمي الخاص بمشتريات السندات الحكومية.
وظل مؤشر مديري المشتريات لشهر يوليو في قطاع الخدمات دون تغيير عن القراءة الأولية التي أعلنت يوم 22 يوليو، البالغة 47.4 نقطة، انخفاضا من 52.3 نقطة في يونيو، ليسجل المؤشر أدنى مستوى له منذ مارس (آذار) 2009.
وجاء مؤشر مديري المشتريات لجميع القطاعات أقل قليلا من القراءة الأولية البالغة 47.3 نقطة، وهو أدنى مستوى له منذ أبريل (نيسان) 2009 بسبب ضعف نتائج مؤشر مديري المشتريات لقطاع البناء أول من أمس (الثلاثاء). والتراجع عن مستوى 51.9 نقطة في يونيو هو الأكبر منذ بدء إجراء المسح في عام 1998.
وأظهرت مسوح أعمال أخرى تراجعا كبيرا أيضا في الثقة، والجنيه الإسترليني وإن لم يكن بهذه الوتيرة، وانخفضت ثقة المستهلكين بشكل حاد منذ الاستفتاء، لكن مؤشرات إنفاق المستهلكين لم تظهر تضررا كبيرا.
كما أظهر مسح نشر أمس، أن الأسعار في متاجر التجزئة البريطانية تراجعت بأبطأ معدل منذ أغسطس (آب) من العام الماضي، وهو ما يضاف إلى علامات أولية، على أن ضغوط الأسعار ربما تتزايد منذ الاستفتاء. وقال اتحاد شركات التجزئة البريطانية: إن «أسعار التجزئة انخفضت 1.6 في المائة على أساس سنوي في يوليو، بعد هبوط بلغ 2.0 في يونيو».
وعلى صعيد ذي صلة، أعلن بنك «إتش. إس. بي. سي» أمس، أن صافي أرباحه للنصف الأول من العام تراجع 29 في المائة، لينزل عن التوقعات بسبب تأثر إيرادات أكبر بنوك أوروبا بتباطؤ النمو الاقتصادي في أسواقه الرئيسية، موضحا أن ذلك يعود إلى «الظروف الصعبة» التي تواجهها الأسواق العالمية، والغموض الذي أعقب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقال البنك في بيان: إن «الأرباح، قبل خصم الضرائب في الأشهر الستة الأولى التي انتهت في يونيو، تراجعت إلى 9.7 مليار دولار أميركي، مقارنة مع أرباح الفترة نفسها قبل عام البالغة 13.6 مليار دولار». ويقل هذا بقليل عن متوسط تقديرات جمعتها تومسون رويترز بأن يحقق البنك أرباحا قيمتها عشرة مليارات دولار.
وقال المدير التنفيذي للبنك، ستوارت غولفير: إن البنك يعتزم إعادة شراء أسهم بقيمة 2.5 مليار دولار خلال النصف الثاني من العام عقب بيع فرع البنك في البرازيل في الأول من يوليو الماضي؛ مما سوف «يعود بالفائدة على جميع حاملي الأسهم ويوضح قوة ومرونة الموازنة».



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.