المغرب: مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة «أونلاين»

دعوا إلى إنتاج نخب جديدة قادرة على انتشال العالم العربي من المأزق الحالي

المغرب: مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة «أونلاين»
TT

المغرب: مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة «أونلاين»

المغرب: مشاركون في منتدى أصيلة يرصدون العلاقة بين الدين والدولة «أونلاين»

أجمع المشاركون في افتتاح ندوة «النخب العربية والإسلامية، الدين والدولة» المنظمة ضمن فعاليات موسم «أصيلة» الثقافي الدولي الـ38 في مكتبة بندر بن سلطان بأصيلة، على ضرورة خلق نخب جديدة قادرة على النهوض بالعالم العربي والإسلامي وانتشاله من مسلسل القتل والدمار الذي يعيشه يوميا ويؤدي إلى انهياره.
واستهل محمد بن عيسى، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة ووزير خارجية المغرب الأسبق، كلمته في الندوة حول دور النخب العربية والإسلامية خلال الحراك العربي، وقال إن التحولات الجارية في المنطقة تستدعي مناقشته لتحليل الوضع الفوضوي واللاعقلاني في عدد من الدول العربية، والذي نتج عنه ما وصفه بـ«الكائنات المتوحشة» التي تحترف القتل الأعمى والتدمير الشامل باسم الدين والإيهام بالدولة.
واعتبر بن عيسى أن النخب وقفت عاجزة عن التأثير في الحشود الهائجة التي اقتحمت واحتلت الساحات والميادين، وباعتراف جل المحللين والدارسين، فإن أغلبية النخب ظلت منكفئة على ذواتها تشاهد ما يحدث أمامها في حالة من الدهشة والذهول، ولا تعرف السبيل لتجاوز اللحظة الحرجة للخروج من الدوامة.
نتيجة لذلك، تساءل بن عيسى حول وجود نخب عربية وإسلامية حقيقية مكتملة الصفات، وإذا كان يصح من الناحية العلمية الحديث عن نخب في مجتمعات لم تعش ثورات فكرية عميقة مثل التي حدثت في مجتمعات غربية، وهي كذلك لم تعرف تحولات اجتماعية واقتصادية وصراعًا بين الطبقات، ولا حروبا دينية وعرقية لكي تنبعث منها في النهاية نخب متنورة من رماد المعارك وصراع الأفكار والمذاهب.
وكخلاصة شدد بن عيسى على القول إن العالم العربي الإسلامي غير قادر على صنع عصر تنويره ولا أن يحافظ على نظمه السياسية ولا عن كيانه الوطني ووجوده البشري والجغرافي والحضاري.
وأكد بن عيسى على ضرورة فصل الدين وعزله عن الممارسات والتوجهات التي يباشرها الأفراد والجماعات في المجتمعات العربية والإسلامية، خصوصا أن دروس التاريخ أثبتت أن رجال الدين، خاصة المنغلقين منهم، حينما يتسلمون أمور الدولة لا تسلم العواقب، وهذا لا يعني إقصاء المكون الديني واستبداله بآخر آيديولوجي بذريعة الحاجة إلى علمانية هجينة، بل القصد منه حث النخب العربية والإسلامية من أجل التفكير وصياغة منظومة مبنية على مبادئ التعايش بين الطوائف والمعتقدات.
من جهته، تحدث محمود جبريل رئيس الحكومة الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عن مفهوم الدولة في السابق والمعروف بالدولة الوطنية، بمعنى تطابق الوطن والدولة، وهو المشروع الذي لم تتمكن الحكومات العربية برأيه، من تحقيقه على أرض الواقع كما لم تتمكن من تحقيق الأمن الوطني، حسب قوله، وعزا ذلك إلى أن الدول العربية هي مزيج من الإثنيات والطوائف والقبائل، وبالتالي فإن الانصهار الوطني في عمق قضية المواطنة لم يكن من الممكن أن ينجح، فكانت النتيجة طرد أغلب شباب المنطقة العربية ودفعت بهم إلى المزيد من التطرف في غياب مشروع نهضوي حضاري، وبعد سقوط الأنظمة ظهرت الأوطان الأصغر من خلال الطوائف والإثنيات.
وأوضح جبريل أنه تم التكالب على الدولة من طرفين اثنين، الأول طرف أقصي تنمويًا، فاندفع بسبب غياب المشروع التنموي إلى تبني «الماضي يحكم الحاضر» لفهم مغرق في ظلاميته، والثاني يتمثل في أن الدولة نفسها وحكامها وصانعي قراراتها لم يدركوا التغيرات الكونية التي بدأت تعصف بالعالم منذ منتصف الثمانينات والتي خلقت مجتمعا جديدا غير معروف، وهو ما قابلته الحكومات العربية بأنظمتها القديمة فكان الثمن سقوطها، لأنهم لم يدركوا أن الدولة يجب أن تحتضن أبناءها فتتكامل قضية الوطن وإحداث دولة المواطنة والدولة الوطنية.
وأضاف جبريل، موضحًا أن المجتمع الجديد أسس لمفاهيم جديدة وأصبح الفرد ممكنا تكنولوجيا ومعرفيا ولا تنفع معه الأنظمة القديمة التي تبنتها الحكومات العربية فكان الثمن باهظًا من خلال سقوطها.
وعن الدولة والدين، أبرز جبريل أن النقاش حول من يتبنون الدين ومن يرفضون الدين أو يفصلون الدولة عن الدين هو أمر غير حقيقي، لأن الصراع على الحكم منذ بداية الإسلام كان صراعا سياسيا بامتياز، فهو لم يكن حول نظام الحكم بل كان حول من يحكم، في حين لم تكن هناك مشاريع سياسية متصاعدة حتى نتحدث عن صراع بين الدولة العلمانية ودولة دينية.
وخلص جبريل إلى «ضرورة إعادة بناء وعي جديد وإعادة تأسيس للفهم لأن الشباب العربي يندفع أفرادا وجماعات إلى التطرف يوما بعد يوم، ولو تجاهلنا الأمر فإن المنطقة ستدفع ثمن ذلك باهظًا».
وحول «النخب العربية والإسلامية، الدين والدولة»، قال عبد العزيز بن عثمان التويجري المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو)، إن موضوع الندوة يتجاوب والمرحلة التي يعيشها العالم بأسره وليس فقط العالم العربي والإسلامي. وأوضح في مداخلته أن المواقف التي تتخذها النخب الفكرية والثقافية والسياسية حول العلاقة بين الدين والدولة تتم انطلاقا من تصورات معينة واجتهادات متنوعة لها مرجعياتها الفكرية، مما يؤدي إلى اختلافات في الرؤية والفهم تنعكس على الدلالات الواقعية للقضية المطروحة، ولذلك فإن معالجة التعدد في المفاهيم تصبح من الضرورات الفكرية.
وعن العلاقة بين الإسلام والسياسة، قال التويجري إن خبرة التاريخ وتجربة الممارسة تؤكدان أن التعدد في المفاهيم الرائجة يضيق من مساحة الفهم والتفهم، فإذا كانت المفاهيم تنبت من الثقافة السائدة وتستند إلى الخصوصيات الروحية والثقافية والقانونية، فإن التعامل مع المفهوم سواء كان الدين أو السياسة ينبغي أن يقوم على أساس الاستيعاب العميق لتلك المواضيع.
وأشار التويجري إلى أنه يجب التوضيح أن الإسلام لم يحدد نمطا معينا للدولة لا يتجدد ولا يتطور، بل وضع المبادئ وأرسى الأسس ورسم المعالم وحدد الإطار، ثم ترك للمسلمين انتهاج ما يرونه مناسبا لواقعهم ومستجدات حياتهم ومستجيبا لقضايا عصرهم في ظل مقاصد الشريعة.
ولأن الإسلام لم يأتِ بنموذج واحد للحكم ولا لشكل محدد للسياسة، يرى التويجري، أن إضفاء الصفة الإسلامية على أي نوع من الحكم أو على السياسة هو تجاوز لا أصل له. وعلى هذا الأساس، يقول التويجري إنه يجب النظر إلى الجماعات والأحزاب والحركات والتنظيمات السياسية التي ينسبها أصحابها إلى الإسلام والتي لا يجوز أن ينسب الإسلام إليها، وأن يحكم عليها بالشروط المعتمدة في المنهج الإسلامي القويم لمعرفة إذا ما كانت المقاصد هي خدمة المجتمع الإسلامي والنهوض به من كل النواحي وحفظ مصالح العامة والحقوق الإنسانية وحماية الهوية الروحية والثقافية والتشريعية والحضارية وإقامة العدل بالضوابط المحكمة وبالوسائل الحكيمة بغير ادعاء وشطط أو تشدد وتعسف أو تطرف وغلو.
ولكن التويجري أكد أنه يتعين أن نقول:إ«ذا كان احتكار الدين للسياسة في المجتمعات المسلمة بالمعنى السلبي المتداول لا يجوز وفقًا للمنهج الإسلامي في الحكم، فإن إقصاء السياسة للدين والتعصب أمر مرفوض، لأن في ذلك عدوانًا على الدين وانتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان».
وخلص التويجري إلى القول إنه لا يجب أن يحصل التوافق بين الديني والدنيوي في معادلة تحفظ حقوق جميع المواطنين على اختلاف انتماءاتهم وتقيم العدل في المجتمع وتصون هويته وخصوصيته الحضارية وتراعي مصالحه في غير انغلاق ولا انفلات.
أما صالح القلاب، الكاتب والمحلل السياسي، ووزير الإعلام الأردني سابقا، فاستهل مداخلته حول تنظيم داعش، وقال إنه يسمي نفسه «الدولة الإسلامية»، ووجوده ليس صدفة، ولم يأتِ عشوائيا، فهو يقدم طرحا بأنه نموذج عن الإسلام وعن الدولة، وهذا الأمر تراكمي، موضحًا أنه «قبل مائة سنة كانت أغلب الدول العربية جزءا من الدولة العثمانية، فهي لم تكن دولة قومية أو دولة وطنية كما أنها ليست إسلامية، وعندما نتحدث عن الدولة، فإننا نتحدث بالتالي عن الدولة المدنية أو الدينية، ولذلك رفعنا سابقا محاولات الدولة القومية في سنوات ما بعد الخمسينات وتم رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع».
أما الحديث عن الدولة الدينية فهو يحيل إلى الإسلام السياسي، الذي وصفه القلاب بـ«كارثة الكوارث»، مشيرًا إلى أن أول معالم إحداث دولة في الإسلام لم يتم فيها تكوين دولة دينية، ونحن الآن لا نتحدث عن مشكلة دينية تتعلق بالدولة فقط، لأن الصراع في المنطقة العربية تحول إلى صراع طائفي.
وبشأن ما يجري في العراق وسوريا واليمن ومناطق أخرى، يرى القلاب أنه تجاوز الصراع الموجود سابقا وأصبح صراعا ذا طابع طائفي، مشيرًا إلى محاولات التقسيم في هذه الدول وغيرها على أسس طائفية في ظل فشل كثير من الحكومات والأنظمة في تكوين دولة قومية على الطريق القويم.
من جانبه، تطرق محمد الخليفة وزير الصناعة التقليدية المغربي سابقا إلى مفهوم النخب العربية والإسلامية في الظرفية الراهنة، واعتبر أنها هي القادرة فكريا وعقيدة واجتهادا وآيديولوجية وباستقلال تام أن تلجم الواقع المفروض على الأمة وتتصدى لكل المؤامرات التي يتعرض لها العالم العربي والإسلامي، ويجب أن تكون قادرة على إعلان الثورة المضادة ضد واقعنا المتأزم والمؤلم والعصي عن الفهم حتى يمكن أن ننطلق من جديد، ولا ننساق وراء التحليلات الآيديولوجية والدينية السياسية، خصوصًا أن الكثير من دول العالم العربي تدمر والكل مهدد، ونحن بحاجة ماسة إلى فكر جديد ونخب واعية لتشكل ثورة حقيقية وناجحة يسبقها تأطير فكري سليم.
وتساءل الخليفة حول ما إذا حان الوقت لبروز نخب جديدة في العالم العربي والإسلامي واعية بدورها الطلائعي في المجتمع ومستوعبة لمتطلبات العصر ومسلحة بالعلم والمعرفة الضروريين لإنتاج فكر جديد ومتجدد، ومتشبعة بالحضارة الإسلامية والعربية وثقافتها وعارفة بتطور تاريخها وإسهاماتها البارزة في بناء الحضارة الإنسانية، ومنفتحة بوعي على ثقافة الآخر وحضارته.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.