جولة في خزانة ملابس الملكة إليزابيث الثانية

150 فستانًا تعرض للجمهور في الافتتاح الصيفي لقصر باكنغهام

أثناء الإعداد لمعرض «90 عامًا من الأناقة» في قصر باكنغهام
أثناء الإعداد لمعرض «90 عامًا من الأناقة» في قصر باكنغهام
TT

جولة في خزانة ملابس الملكة إليزابيث الثانية

أثناء الإعداد لمعرض «90 عامًا من الأناقة» في قصر باكنغهام
أثناء الإعداد لمعرض «90 عامًا من الأناقة» في قصر باكنغهام

قصر باكنغهام مقر الملكة إليزابيث الثانية يتمتع بصيت عالمي وله أيضا سحر خاص، فهو قطعة من الحكايات الخيالية سواء بحجراته وقاعاته والأعمال الفنية الشهيرة المتناثرة في أرجائه، ولكنه أيضا قصر على أرض الواقع، يرحب بالزوار كل عام ويفتح لهم أبهى غرفه ليطلوا منها على جانب من حياة الملكة وعائلتها وتتاح لهم الفرصة أيضا لمعاينة ما يراه الزوار الرسميون.
الافتتاح الصيفي للقصر الذي يقع كل عام يمثل حدثا مهما في جدول السائحين الأجانب والعرب للندن، يُعد له باهتمام وحرص شديدين، ويقدم كل عام إلى جانب الجولة في جوانب الغرف التاريخية، معرضا خاصا يتغير موضوعه كل عام وإن اتحد في موضوعه، وهو إلقاء الضوء على جانب من جوانب حياة ملكة البلاد.
وهذا العام احتفلت بريطانيا بعيد ميلاد ملكتها الـ90 ومثلت المناسبة الفرصة الذهبية لإقامة معرض يحتفل بمحطات حياتها المختلفة منذ طفولتها حتى الآن، وهكذا نظم معرض «90 عاما من الأناقة من خزانة ملابس الملكة»، الذي ضم مجموعة ضخمة لملابس ارتدتها الملكة منذ أن كانت طفلة رضيعة حتى الوقت الحالي. فعلى امتداد ثلاث قاعات ضخمة أقيمت مساحات عرض اعتلتها صور أرشيفية ضخمة لمراحل من حياة الملكة الرسمية وعلى مد البصر عرض 150 فستانا شهدت لقاءات الملكة مع رؤساء وملوك وشخصيات رسمية وأيضا مع فنانين.
الجولة تثير الإعجاب والدهشة في آن واحد، فكل قطعة معروضة تم تصميمها وتنفيذها بدقة متناهية، فما صمم للمناسبات الملكية مثل التتويج واجتماعات دول الكومنولث جمعت إلى جانب فخامة التصميم والقماش والتطريز، أيضا تضمين رموز البلاد فيها عبر التطريز، فهناك في فستان التتويج الوردة رمز إنجلترا ورموز ويلز وكندا. هذا الأسلوب أيضا وجدناه في الفساتين التي صممت لترتديها الملكة في زياراتها الدولية. وفي عرض بانورامي يبدأ من الزي المصنوع من الحرير الإنجليزي والدانتيل الذي ارتدته الطفلة إليزابيث في مراسم تعميدها في 29 مايو (أيار) عام 1926 إلى الزي الذي ارتدته مؤخرا في استعراض الحرس الملكي. الزي صنع بناء على طلب الملكة فيكتوريا لتعميد ابنتها وتم تصميمه ليماثل فستان زفافها. الطريف أن فستان التعميد قد ارتداه بعدها 62 طفلا ملكيا من ضمنهم الأمير تشارلز ولي العهد وحفيدها دوق كمبريدج الأمير ويليام. ونعرف أيضا أن هناك رداء مماثلا طلبت الملكة من مصممتها الخاصة أنغيلا كيلي خياطته ليرتديه أحفاد الملكة ومن ضمنهم الأمير الصغير جورج ابن الأمير ويليام ودوقة كمبريدج كيت.
خلال فترة حكمها حرصت الملكة على تشجيع المصممين البريطانيين وظلت وفية لهم، وكان المصمم سير نورمان هارتنيل من أهمهم، وكانت تصميماته للملكة تتألق في المناسبات الرسمية والزيارات الدولية. تأثر هارتنيل في تصميماته بأسلوب المصمم الفرنسي كريستيان ديور الذي كان يطري قوام المرأة ويبرز أنوثته بتحديد الخصر واتساع التنورة، ومثال لذلك الأسلوب نرى فستانا أسود من المخمل والحرير ارتدته الملكة في عام 1948.
الأردية التي صممت خصيصا للرحلات الخارجية والزيارات الدولية روعي فيها مناسبتها لمناخ البلاد المستضيفة، وأيضا أن تكون ألوانها وتطريزاتها تحمل إيماءة تحية للدولة المستضيفة. بالطبع هناك أيضا مراعاة التقاليد الخاصة بالملبس في بعض البلدان مثل الفستان الأسود و«غلالة» سوداء مصاحبة ارتدتها الملكة لدى زيارتها للفاتيكان، وأيضا طقم طويل من اللون الأزرق مع قبعة خاصة ملائمة ارتدتها في زيارتها المملكة العربية السعودية.
* الأردية العسكرية
في جانب خاص عرضت مجموعة من الأردية العسكرية التي صممت خصيصا للملكة التي كانت أول فرد من العائلة الملكة يلتحق بالخدمة العسكرية في عام 1945 وكانت ترتدي الزي العسكري الموحد. ولكن باعتبارها ولية العهد كان لديها عدد من الأردية العسكرية الرسمية للمناسبات، وقد صممت لتلائم امرأة، ونعرف أن الملكة طلبت من طالبات كلية التصميم أن يقدمن تصورات لأردية عسكرية ورسمية لها واختارت تصميمات طالبة منهن قدمت للملكة فرصة لتأنيث البدل العسكرية الصارمة عبر إضافة العباءة الفضفاضة والـ«تنورة» المتوسطة الطول.
* مهمة سرية مع جيمس بوند
خلال عام 2012 احتفلت بريطانيا باليوبيل الماسي لحكم الملكة وأيضا بإقامة الألعاب الأولمبية، وفاجأت الملكة حضور حفل الافتتاح بمشاركتها في مقطع سينمائي قصير مع العميل السري 007 (جيمس بوند) وقام بدوره الممثل دانيال كريغ. المعرض يقدم الفستان وزينة الرأس التي صممتهما المصممة أنغيلا كيلي. وتعلق كيلي بأن خياطة الفستان كانت تتم في سرية تامة فلم يكن أحد يعرف بأن الملكة إليزابيث ستظهر للعالم في صورة مختلفة تماما، وأضافت بأنها قامت بصناعة فستانين متطابقين وسط تساؤلات وحيرة الطاقم المساعد لها، وذلك لأن الفقرة تطلبت أن يكون هناك دمية تهبط من الهليكوبتر مع جيمس بوند على أرض الملعب في اللحظة ذاتها التي تدخل فيها الملكة المقصورة الملكية أمام الجمهور.
* قبعات.. قبعات
في غرفة منفصلة ومن خلال خزانة بعرض الحائط عرضت قبعات متنوعة الأشكال والتصميمات والألوان كانت من مكملات أناقة الملكة. بعض تلك القبعات كان كلاسيكي التصميم وبعضها جنح لتصميمات جريئة. وخلال حياتها تعاملت الملكة مع أحد عشرا مصمما ومصممة للقبعات، وضمت خزانة العرض قطعا من دولاب الملكة من أربعينات القرن الماضي وحتى عام 2000.
* الغرف الرئيسية في القصر
الجولة في القصر تضم إلى جانب المعرض الخاص جولة على الغرف الرئيسية في القصر التي لا تفتح أبوابها إلا لزوار الملكة الذين يحلون ضيوفا عليها وتقيم لهم المآدب أو الحفلات الموسيقية، فالقاعات نموذج لمعمار وتراث فني بديع، تزخر جوانبها بالقطع الفنية النادرة ويحمل كل منها تاريخا عريقا يمتد لقرون.
الغرف فتحت أبوابها بالأمس للزوار من الجمهور، فجالوا على السجاد الوثير، وتنقلوا بأعينهم داخل القصر المنيف، ومنذ الخطوات الأولى وعبر قاعة الاستقبال الرئيسية يحييك العاملون في القصر بابتسامة ودودة، ويشير بعضهم بفخر لبعض الجوانب التي قد تخفى على الزائر، وفي نهاية الزيارة وقف عدد منهم على الطريق المؤدي لخارج القصر، وفي لفتة لطيفة من كل فرد منهم كان يسألني: «كيف كانت زيارتك؟» أو «ما الغرف المفضلة لك؟»، يتحدثون بألفة وصداقة جميلة، ويحكون لي انطباعاتهم عن المعرض الذي سنح لبعض منهم رؤيته، تظل ابتسامات العاملين مصاحبة لي حتى خروجي من القصر، ما يجعل الزيارة كلها مميزة.
ويزيد من متعة الجولة جهاز الدليل الصوتي الذي يمنح للزوار، فهو ينقلهم إلى جو القصر الملكي عبر موسيقى كلاسيكية تحمل الزائر إلى أجواء مختلفة تبعده عن صخب شوارع لندن وتدخله إلى قلب الملكية البريطانية.
القصر الملكي هو أحد القصور الملكية القليلة في العالم الذي يمكن اعتباره المكتب الرئيسي لرأس الملكية، فالملكة إليزابيث تمارس عملها من هذا المكان. وهي أيضا تقضي فيها أوقاتا مع عائلتها، وفي حدائقه تقيم المآدب وتستقبل ضيوفها. وربما يكون من الصعب على الزائر تخيل تلك المآدب أو ما يجري فيها، لكنه سيكتفي بالمرور في تلك القاعات الفخمة، ويطل من النوافذ على أرجاء حديقة القصر المترامية أو يرى غرفة العرش وقاعة الاستقبال الرئيسية.
وفي قاعة طويلة بسقف زجاجي يتسلل منه الضوء وتلقي أشعة الشمس بخيوطها على جوانبه، توجد مجموعة ضخمة من الأعمال الفنية لكبار الفنانين العالميين، مثل فيرميير وكاناليتو وروبنز وفان دايك ورمبرانت، كلها ضمن مجموعة الملكة الخاصة من الأعمال الفنية.
* فستان الزفاف والتتويج
نراهما دائما في الصور الأرشيفية، ولكنهما يعرضان الآن في قصر باكنغهام ويقدمان للزوار متعة بصرية وفرصة للتمعن في التطريز الدقيق والخياطة الراقية التي ميزت فستان الزفاف وفستان التتويج. الفستانان صممهما المصمم سير نورمان هارتنيل، الذي نقل عنه أنه قال عندما علم بأنه اختير لتصميم فستان الزفاف إنه سيكون «أجمل فستان صنعته في حياتي». وحتى مع اختلاف الأذواق الآن عن تلك الفترة، يبدو الفستان الذي عرض إلى جانبه الطرحة الطويلة المطرزة، جميلا راقيا وكأنه صنع لأميرة من أميرات القصص الخيالية. الفستان مصنوع من السلك العاجي اللون وزين بحبات الكريستال و10 آلاف لؤلؤة. ذيل الفستان يمتد لأكثر من أربعة أمتار، ويحمل إيماءة لأشهر لوحات عصر النهضة، وهي «الربيع» لبوتيتشيلي في إشارة إلى البعث بعد الموت وإشارة لتخطي بريطانيا تأثير الحرب العالمية الأولى وعودة الحياة لها. والمعروف أن الأميرة الصغيرة وقتها دفعت ثمن فستانها باستخدام كوبونات القماش التي كانت تصرف خلال فترة الحرب.
فستان التتويج أيضا يعرض أمامنا، وهو من تصميم هارتنيل أيضا وارتدته الملكة الشابة في حفل تتويجها الذي أقيم في ويستمنستر آبي عام 1953.
الفستان مصنوع من الساتان الأبيض المطرز برموز دول الكومنولث وأجزاء المملكة المتحدة باستخدام حبات الكريستال واللؤلؤ والترتر، وتتحد خيوط الذهب والفضة لتحول الفستان الذي يحمل تاريخا طويلا وراءه إلى عمل فني في حد ذاته.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».