تسري في لبنان مقولة مفادها أن كل ماروني هو مرشح طبيعي لرئاسة الجمهورية، بما أن الدستور اللبناني حصر هذا المنصب بهذه الطائفة، لكن قائد «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع كان يقطع حبل الشك باليقين في كل محطة انتخابية بالتأكيد أنه غير مرشح.
فجعجع الذي يصنف تقليديا على أنه من صقور قوى «14 آذار»، يشكل بالنسبة لقوى «8 آذار» مرشحا صداميا، غير مقبول منها. لكن يبدو أن جعجع قد تخطى هذه «العقدة» الآن، بإعلانه لـ«الشرق الأوسط» أنه قرر الترشح رسميا للانتخابات، وأن الحزب سينظر غدا في هذا الترشيح ليتبناه ويطلق حملته الانتخابية.
وهذه الحملة، كما يقول المقربون من جعجع ستكون جدية، وقائمة على أساس خطاب ترشيح يحمل نظرة جعجع إلى كل القضايا التي يواجهها لبنان، مع الحلول التي يراها مناسبة.
وبعد أن كان يصف نفسه بأنه «مرشح طبيعي» ككل القادة الموارنة، سيصبح جعجع بدءا من يوم غد مرشحا رسميا، وهو ترشيح يؤكد أنه تم بالتنسيق مع حلفائه، خصوصا تيار «المستقبل» الذي يرأسه الرئيس الأسبق للحكومة سعد الحريري. وشدد على أن هذا الترشيح «جدي» وأنه ليس مناورة لقطع الطريق على ترشيح النائب ميشال عون، نافيا بشكل غير مباشر ما يقال عن تقارب بين عون والحريري.
يسكن جعجع في بلدة جبلية عالية، على غرار البلدات الأخرى التي سكنها طوال الأعوام السابقة. عند مدخل بلدة معراب، إشارتان متلاصقتان. الأولى تؤشر نحو منزل «سمير وستريدا جعجع» والثانية إلى مقر حزب القوات.
وفي مقره الذي يرتفع نحو ألف متر عن سطح البحر، ويطل مباشرة على خليج جونية، اختار جعجع ذكرى محاولة اغتياله قبل سنتين في 4 أبريل (نيسان) برصاصة أطلقت عليه من الجبل المجاور، لإعلان ترشيحه سعيا منه كما يقول التأكيد على أن وقف الاغتيال السياسي يكون عبر قيام الدولة.. وهو الترياق الذي يجد فيه جعجع الحلول لكل شيء، سواء لسلاح حزب الله أو لطمأنة الأقليات أو غيرهما من القضايا الشائكة التي تواجه لبنان... في نهاية المطاف يقول جعجع: «على الدولة أن تنهض لكي تنتصر» وفيما يأتي نص الحوار:
* لماذا الترشح؟
- لا طمعا بمركز ولا شيء. لو كنت كذلك لما دخلت السجن وأنا لا أعرف متى أخرج منه. من كان يتصور أن يحدث كل ما حدث في لبنان (اغتيال الرئيس الأسبق للحكومة رفيق الحريري وانتفاضة 14 آذار التي أدت لاحقا إلى إخراج جعجع من السجن).
في المكان الذي أصبحنا فيه، بتنا نحتاج تغييرا جذريا، لا مجرد ترقيعات كالتي تحصل الآن. فبهذه الترقيعات من الممكن أن نقوم بشيء كتنفيذ خطة طرابلس وغيرها، لكن هذا لن يؤثر بمسار الأمور في البلد الذي ينزف شيئا فشيئا. الأمور باتت بحاجة إلى إنقاذ وتغيير جذري، وإلا فسيكون أمام الشعب اللبناني عذابات كثيرة للأسف.
* هل ما زلنا قادرين على إنقاذ شيء؟
- نحن قادرون على إنقاذ كل شيء. على قدر ما الدولة اللبنانية منذ 20 سنة إلى الآن صورت على أنها غير قادرة على فعل شيء، وأن الجيش عاجز الجيش عن فعل أي شيء. على سبيل المثال لا الحصر يتكلمون من وقت إلى آخر عن أن الجيش لا أحد يرضى بتسليحه وبالتالي كيف يكون قادرا على مواجهة إسرائيل. فلو تلقي نظرة على تسليح الجيش كما هو الآن فهو أكثر من تسليح حزب الله بخمسين مرة، وهم يطرحون أشياء غير صحيحة ولكن للأسف يسكتون الجيش من أن يتكلم. فالقوات الخاصة في الجيش «مغاوير البحر ومغاوير الجبل والقوة الضاربة» هم أكثر من القوى الخاصة التي يملكها حزب الله بمرتين أو ثلاث مرات. ويتكلمون عن سلاح الجيش! ترى ماذا يملك حزب الله من سلاح؟ فهو يتنقل في شاحنات صغيرة تستعمل في نقل الخضار، وبعض صواريخ الكاتيوشا التي يمكن أن يأتي بها أيا كان، والجيش يملك مدفعية أهم بكثير، وهو قادر على أن يأتي بصواريخ الكاتيوشا. وبالنسبة للصواريخ الأخرى مثل «فجر» وما إلى ذلك فالجيش قادر على أن يمتلكها إن شاء. من 20 سنة إلى اليوم تم ضرب صورة الدولة أمام الناس إلى حد أن اللبنانيين يسألون إن كان بالإمكان أن ننقذ شيئا. مثلا أزمة طرابلس المندلعة منذ 3 سنوات فيها نحو 400 قتيل وحول 10 آلاف جريح وتعطيل في المدينة، ولكن عندما نأتي لنبحث وضع طرابلس يقولون: إن هناك معادلات دولية وتدخلات إقليمية، أنا أتذكر عندما تطرح خطة أمنية جدية تقول بعض المصادر الأمنية بأن ذلك سيكلف خسائر بالآلاف وستدمر المدينة. والآن بمجرد قرار سياسي من قبل الحكومة نفذت الخطة الأمنية في طرابلس، ولم يكن هناك أي قتيل والجيش وقوى الأمن يستكملان انتشارهما في المدينة. الأمور احتاجت إلى قرار سياسي واحد.
* لكن الغطاء السياسي هو الذي أدى إلى ذلك لا القرار...
- صحيح، إذن لماذا لم يكن هذا الأمر يحصل من قبل؟ لأنه لم يكن هناك قرار سياسي. الأمر نفسه يمكن أن نطبقه على السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في لبنان، فالأمر يحتاج إلى مجرد قرار. غياب القرار السياسي الفعلي ورجالات الدولة الفعليين أدى إلى ما وصلنا إليه. عندما تكون هناك دولة مصممة سيكون أمام المعارض لقرارها هامش أقل للاعتراض بطبيعة الحال.
* ألا نكون نبسط الأمور بالقول: إن الأزمة هي بكل أبعادها محلية..الحكومة لم تؤلف من دون توافق خارجي، حصل فتألفت الحكومة، ثم نفذت الخطة الأمنية في طرابلس..
- أنا لست مع هذا التحليل. الحكومة لم تؤلف نتيجة توافق إقليمي. فالعلاقات بين السعودية وإيران ما تزال على حالها، والدليل الموقف السعودي من مشاركة إيران في مؤتمر جنيف2.
* ما الذي حصل إذن؟
- كل ما حصل هو أن حزب الله حشر كثيرا في سوريا، ورأى أن السنة في لبنان يذهبون أكثر فأكثر نحو التيارات الأصولية المتعصبة. وزن الأمور ورأى أنه لا يمكن أن يكون له مخرج من الوضع الحالي، إلا بالاستعانة مجددا بالإسلام السني المعتدل، فذهب إلى (رئيس الحكومة الأسبق سعد) الحريري، وترك مطلبه بالثلث المعطل (ثلث أعضاء الحكومة).
خطة طرابلس لم تكن لتتم لولا توقف حزب الله عن العرقلة. فالحزب هو من كان يمنع تطبيقها، ولما رأى أن بقاء آل عيد (رئيس الحزب العربي الديمقراطي علي عيد ونجله رفعت) لم يعد يفيد.
* لماذا يعرقل حزب الله؟
- حزب الله لا يريد للدولة أن تحسم في أي مكان. فبقدر ما تكون الأوضاع متفجرة فالوضع أفضل بالنسبة إليه. لقد لاحظ الحزب أنه بسبب وجود هؤلاء في منطقة جبل محسن، تتكاثر المجموعات المتشددة وانحسار التيارات الإسلامية المعتدلة، ولهذا السبب قبل بالخطة الأمنية.
* هل تخيفك هذه التيارات بقدر ما تخيف حزب الله؟
- طبعا تخيفني التيارات الجهادية، فهي لا قلب لها ولا عقل. لكن بتقديري أن محاربتها تتم بقيام دولة فعلية على كل لبنان. علما بأن السبب الرئيس لوجودها هو وجود تيارات أخرى متطرفة من الجهة المقابلة. مثلا، خطاب الشيخ أحمد الأسير كله كان قائما على أن حزب الله يستعمر السنة في لبنان. كلنا متفقون على توصيف التيارات الجهادية، لكننا مختلفون على كيفية معالجتها. لا يمكن إبقاء السلاح في يد طرف لبناني ومنعه عن الآخر. الكلام عن المقاومة لم يعد مقنعا.
* ما العلاج؟
- أن تكون الدولة وحدها موجودة على الأرض.
* هم يقولون: إن السلاح هو لحماية لبنان..
- ليسوا هم من يقررون ذلك. إما أن تكون في لبنان دولة فعلية تأخذ القرارات أو لا تكون. لا يستطيعون أن يتخذوا قراراتهم بالنيابة عنا، ولا يستطيع حزب الله أن يفترض هو أن هذا السلاح هو لحماية لبنان. هناك مقياس واضح في كل العالم، وهو وجود الدولة التي يتوجب عليها حماية أبنائها. في فيتنام عندما انسحب الأميركيون هل بقيت «المقاومة»؟ لا أحد يستطيع أن يكلف نفسه بنفسه.
* هم يفترضون أنهم يقومون بذلك لتقاعس الدولة عن واجباتها..
- فليطرحوا الموضوع. هل هناك حكومة في لبنان ليسوا (حزب الله) ممثلين فيها. فليطرحوا الموضوع داخل الحكومة.
* هناك من يقول: إن هذا السلاح إقليمي وليس محليا..
- كلا..
* .. وإن حله ليس محليا..
- أيضا لا
* ماذا إذن؟
- ما أعرفه هو أن هناك سلاحا موجودا لدى أحزاب لبنانية، أما من أين أتوا به فهذه مسألة أخرى. ما يهمنا هو أنه لا يجوز أن يكون هناك سلاح لدى فئات لبنانية لديها تنظيمات عسكرية وأمنية. وإلا فإن لبنان سيتفتت ويتقسم.
* أين الزر الذي يطلق هذا السلاح؟
- زره القانون اللبناني. لا يجب أن نساعد الآخرين على الاعتراف بأي شيء آخر. أكيد أن زره في طهران، لكن لا يجب أن نتوقف عند هذا، وإلا فعلينا عندها أن نتوجه إلى طهران طالبين منها التوقف عن إرسال السلاح إلى لبنان، وأن تقطع الدولة اللبنانية علاقتها مع إيران من هذا المنطلق. ولهذا لا يجب على المسؤولين في لبنان أن يشرعوا هذا السلاح ويعطوه التبرير بأنه للدفاع عن لبنان. فإذا كان كذلك، ما هو مبرر وجود الدولة اللبنانية.
* أنت من المرشحين الدائمين للرئاسة؟
- هذه أول مرة.
* لكن اسمك يطرح في كل انتخابات؟
- وكنت أعمد إلى سحبه فورا بالإعلان عن أني لست مرشحا.
* ما الذي يختلف هذه المرة.. هل ستترشح رسميا؟
- نعم، لقد قررت، وما يزال هناك قرار للحزب لتبني هذا الترشيح، وهذا سيحصل يوم (غد) الجمعة.
* مع برنامج عمل!
- نعم سيطرح في مرحلة لاحقة، بعد نحو أسبوعين.
* ما الذي تريده من ترشيحك؟
- يجب أن نحدث تغييرا جذريا في كيفية معالجة المشاكل في البلاد. أريد أن أكمل، بشكل أوضح، ما بدأ به الرئيس سليمان، لكن للأسف في آخر سبعة أشهر من حكمه. الرئيس سليمان تأخر إلى آخر سبعة أشهر، وأنا أريد أن أبدأ فورا إذا وفقني الله.
* هل أنت مقتنع بأن لديك الفرصة الحقيقية لتكون رئيسا للبلاد؟
- هذه انتخابات.. والتوفيق من عند الله. لكن علي القيام بواجباتي، بأن أترشح وأطرح البرنامج الذي ترشحت على أساسه، وأدعو النواب لانتخابي على أساسه.
* أنت تجد الوقت مناسبا لترشيحك اليوم؟
- أنا أجد الوقت ملائما الآن، لأن المعادلة القائمة صعبة وقاتمة. ولهذا تحتاج إلى معالجات جذرية. أنا لا أهوى المناصب، لكني الآن أرى أن الوضع لم يعد يحتمل، والنزف مستمر. وإذا بقي الوضع على حاله، سيستمر النزف. فماذا بعد؟ هل يجب أن ننتظر ست سنوات أخرى (مدة ولاية الرئيس) على أمل ما.
* على ماذا استندت في قرارك الترشح للرئاسة؟
- في قسم منه كان بناء على معطيات، أما القسم الآخر فهو بنية لمحاولة الخروج من الوضع القائم.
* قبل أن نسأل عن الخصوم.. هل تشاورت مع حلفائك قبل اتخاذ القرار؟
- أنا في تشاور مستمر مع حلفائي. هم يتمنون وصولي إلى رئاسة الجمهورية. جل الأمر بالنسبة إليهم يتعلق بحسابات المعركة. أنا أقول لهم بأننا لا يمكن أن نجري الحسابات جيدا، قبل خوض هذه المعركة، وعلى هذا الأساس يتم العمل حاليا. وأكرر أن حلفائي يتمنون وصولي بخلاف ما يحاول البعض تسويقه. وذلك لسبب بسيط هو أنهم أول من سيرتاح إذا وصلت.
* نحن نتكلم تحديدا عن تيار المستقبل. هل هم ماضون في هذا الترشيح؟
- هم سيعلنون موقفهم خلال الأسبوعين المقبلين. لكن تيار المستقبل هو دائما في أجواء ما يحصل.
* ماذا عن الخصوم. هل يسير حزب الله بسمير جعجع رئيسا؟
- لم لا. ربما حزب الله يريد الخلاص من كل هذه الوضعية، فما هو أفضل من هذا الإخراج. بالسياسة لا أستبعد شيئا. طبعا، موقفهم مختلف تماما، لكن بتقديري من الأفضل لهم أن يتعاطوا مع شخص جدي يعرفون بالضبط كيف يفكر، بدلا من أن يتعاطوا مع أناس لا يعرفونهم.
حين يكون الإنسان في ورطة، وجديا لا يستطيع الخروج منها، يتمنى بشكل لا شعوري أن يخرجه منها شخص آخر. برأيي، البيئة الحاضنة الأساسية لحزب الله، ليست في أفضل حالاتها في الوقت الحاضر. كان ينقصها السيارات المفخخة، ويعيش سكانها على قلق، ويتعرضون لتفتيش إذا أرادوا الدخول إلى منازلهم. بالتالي، حتى بيئة حزب الله لا أتصور أنها مرتاحة للوضع، لكن لا أتصور أنها قادرة على تغيير الواقع. فإذا ساعدهم أي شخص على تغيير الواقع، لماذا يعارضون؟ نحن ننادي بقيام دولة تلقى استقرارا وأمانا يكونان لمصلحة الجميع. إذا قامت دولة فعلية، ضبطت حدود لبنان كما يجب وأبعد عن المشاكل الإقليمية والتحديات الدولية، ويكون على غرار فترة الستينات واحة بعيدة عن الصراعات الموجودة باستثناء الصراع العربي- الإسرائيلي، ألا يكون ذلك لمصلحة الجميع ولبيئة حزب الله الحاضنة بالدرجة الأولى؟ برنامج العمل الذي نفكر فيه هو لمصلحة الجميع، ويلغي وضعا شاذا قائما بلبنان، كان بدأ في الحرب الأهلية ولا يزال متواصلا تحت شعارات مختلفة لأن عهد الوصاية السورية احتاجه للعبته الإقليمية والدولية. لكن لا لزوم لأن يستمر الوضع الشاذ لمصلحة الجميع. شباب البيئة الحاضنة لحزب الله، ألا يجب أن يكونوا في الجامعات بدلا من القتال؟ ألا يجب أن يكونوا الآن في طور بناء اقتصاد جدي، بدلا من تقاضي رواتبهم من إيران؟
* هل هناك تواصل مع الخصوم لتسوية الترشيح؟
- لا، لا تواصل لأن الطروحات علنية، ولا تتم في الغرف المغلقة. الموضوع مطروح أمامهم بكل جدية.
* بماذا تطمئن حزب الله كرئيس للجمهورية؟
- أطمئنه بما أفكر به كبرنامج لرئاسة الجمهورية، ستستفيد منه البيئة الحاضنة لحزب الله قبل أي مجموعة أخرى، لأنهم في النهاية هم من يعاني من الوضع القائم، سواء على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أم على المستوى الأمني. جمهور الحزب سيكون أكثر المستفيدين من خلال وجود دولة قوية ووضع طبيعي وآمن واستقرار، ما يسمح للاقتصاد اللبناني أن يستعيد عافيته ويزيد فرص الدولة ويتيح للدولة بتنفيذ مشاريع إنمائية واقتصادية وغيرها. أين الفائدة الحقيقية لبيئة حزب الله، في الوقت الراهن في ظل الحروب المتتالية وقرع طبول الحرب المستمر، أم في الوضع الذي أصفه؟
* هل يمكن الحسم أن ترشيحك جدي وليس مناورة لإبعاد النائب ميشال عون؟
- على الإطلاق لا. لا علاقة لترشيحي بترشيح عون. هو مرتبط ببرنامج عمل إيجابي وفعلي لمحاولة إخراج الوضع مما هو عليه. ترشيحي يسير بشكل جدي.
* هل يحتاج الترشيح إلى دعم إقليمي ودولي كي تُكتب له حظوظ النجاح؟
- بتقديري، يأتي ترشيحي في السياق السياسي على الساحتين العربية والدولية. بمعنى آخر، كل السياسة الدولية والعربية تركز منذ سنوات على قيام دولة فعلية في لبنان، منذ قرار (مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة) 1559 إلى القرار 1701 وبينهما. ترشيحي يأتي في هذا السياق، لكن ليس أكثر من ذلك. برنامجي طبيعيا هو في هذا السياق.
* برنامجك على الأرجح واضح، كيف سيكون لبنان الذي يرأسه سمير جعجع؟
- سيكون هناك دولة فعلية. في حياتي اليومية، أساسا، لا يقبل عملي المزاح. على سبيل المثال، لنفترض أنني رئيس للجمهورية، وحصلت عملية خطف في لبنان، عندها أوقف الجمهورية اللبنانية بأكملها لملاحقة الخاطفين. حين يتوقف المسؤولون في الدولة عند أكبر وأصغر الأحداث، برأيي، لن يتجرأ بعدها أحد على الإخلال بالأمن أو الشروع بارتكابات، بحوادث. وقس على هذا المثال كيف سيكون الأداء.
وسأخبرك عن بشير الجميل حين انتخب رئيسا للجمهورية، في فترة حكمه الـ22. وقبل تسلمه الحكم، كان الموظفون يلتحقون بعملهم في الساعة الثامنة صباحا ولا يخرجون من الدوائر الرسمية قبل انتهاء الدوام الرسمي. مجرد ما يكون هناك رئيس جدي، الناس ستسير على هذا النظام. وأستشهد ببيت الشعر:
إذا كان رب البيت بالدف ضاربا
فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
الأمور في لبنان لا تسير وفق قاعدة «سارحة والرب راعيها»، مثلما كانوا يتعاطون مع قضية سجن رومية الذي تتكرر أحداثه، أو مشكلة طرابلس التي بقيت المحاور فيها مشتعلة طوال ثلاث سنوات، قبل أن يتخذ القرار في النهاية قبل أيام، علما بأنه كان يجب على المسؤولين أن يتخذوا هذا القرار عند أول اشتباك. الدولة إذا توقفت عن أن تكون فاعلة في أي من المجالات، تُضرب هيبتها وسلطتها، وتصبح عاجزة عن تحقيق الإنجازات في سائر المجالات.
ما أعد به أنني سأضفي طابعا من الجدية، لأن السلطة تعني الهيبة والقرار. منذ عشرين عاما، عودتنا الوصاية على التوافق. إذا كان هناك سارق يسرق، هل ننتظر التوافق كي نوقفه عن السرقة؟ أبدا. هناك قوانين يجب أن تُنفذ، وبرأيي القوة الشرعية لا تزال الأقوى في لبنان وخارجه، إلا إذا كان هناك أحد لا يجيد استخدام القوة الشرعية. قوة الشرعية بحد ذاتها هي الأقوى. قوة عسكري لبناني واحد على الحدود، توازي قوة حزب الله بأكملها على الحدود، بما يمثله.
القوى الشرعية هي الأقوى إذا طبّقت كما يجب. عسكري شرعي واحد على الحدود اللبنانية يوازي قوّة حزب الله بكاملها على الحدود. مثلا «الرئيس الذي يتوافق عليه كل الناس يعني ليس رئيسا لأحد ومن يرضي الجميع يعني أنّه لا يرضي أحدا ولا يملك برنامجا». كيف يمكن أن يتوافق على رئيس واحد كل من فريقي 8 و14 آذار؟ المشاريع السياسية للطرفين متناقضة.
* انطلاقا مما تقوله يعني لسنا ذاهبين إلى رئيس توافقي؟
- بالمعنى التقليدي للكلمة إنما بالمعنى الفعلي سيكون أكثر رئيس توافقي لأنه سيوفق بين كل اللبنانيين إنما بمنطق الدستور والقانون لأنه لا يمكن التوافق إلا بهذه الطريقة.
* هل تعتقد أن حزب الله ومن وراءهم وصلوا إلى قناعة مفادها ضرورة القبول بالدولة؟
- من وراء الحزب لم يصلوا إلى هذه المرحلة لأنهم مستفيدون من وجوده، لكن علينا أن ننقذ الحزب والبيئة الحاضنة له من وضعه الحالي كي يتحول إلى حزب سياسي.
* كيف تطمئن البيئة الحاضنة للحزب هذه الأقلية التي تعبّر عن خوفها من تغيرات عدّة بما فيها التكفيريون؟
- إذا لم تطمئنهم الدولة اللبنانية لا شيء يطمئنهم. الضمانة الوحيدة للشيعة كما كل الطوائف، هي الدولة ودستورها وقوانينها. حزب الله العسكري والأمني هو دولة فيما اللبنانيون والآخرون هم دولة، وإبقاؤهم هكذا سيجعلهم مستهدفين.
* هل تشعر أنّ عندنا أزمة كيان وانتماء إلى الوطن؟
- المسيحيون ليس لديهم هذه الأزمة لأنه لا يوجد خيار بديل لديهم، والسنة خرجوا من هذه الأزمة، كما أنّ الشيعة ليس لديهم أساسا هذه المشكلة إنما وجود الحزب وعلاقته مع إيران أظهرهم بهذا الشكل. الشيعة كانوا على مر التاريخ موجودين في صلب الكيان والنسيج اللبناني ولا يزالون كذلك، إلا أن علاقات الحزب وأعماله كمشاركته في الحرب بسوريا لا نعرف لها أي تفسير. أعلنا دعمنا للمعارضة، المعارضة في موقف إنساني، لكن قتاله إلى جانب النظام يدل أنّ انتماءه إلى مكان آخر.
* هل يستطيع لبنان تحمل المزيد برأيك؟
- للأسف لبنان يتحمل كثيرا، وإذا قارنا وضعنا مع الأردن نرى أنّ الأخير لم يتأثّر بأكثر من وجود المخيم على حدوده رغم وجود التيارات الإسلامية لديه. من فتح الباب اللبناني على الأزمة هو تدخل الحزب في سوريا. على الجيش القيام بدوره على الحدود لجهة الحزب وغيره.
* ما مستقبل الأزمة السورية برأيك؟
للأسف أرى أنّها تعقدت جدا وعلى المدى المنظور الوضع على ما هو عليه «كر وفر» ومزيد من القتلى والضحايا والخراب. حرب استنزاف مستمرة، إلى متى لا أرى لها نهاية.
* في الذكرى الثانية لمحاولة الاغتيال التي تعرضت لها هل ترى نهاية لعمليات الاغتيال في لبنان؟
- عندما نصل إلى الدولة ينتهي الاغتيال. الدولة تتطلب الوضوح والحكمة والصلابة في التصرف. في لبنان أكثرية تريد هذه الدولة، ومن بينهم من هم مع الحزب. في نهاية المطاف قيام الدولة الفعلية لن يؤثّر عليهم سلبا و«ما بكونوا زعلانين»، لكن طبعا من دون أن يتركوا ارتباطاتهم الآن، ليسوا معارضين للحل بقدر ما هم ملهيون بشيء آخر. عندما توجد السلطة الشرعية الفعلية القوية والصلبة وتتصرف مع اللبنانيين كأبنائه سنصل إلى دولة متماسكة كما نريدها أن تكون.










