تركيا تعلن الطوارئ 3 أشهر .. إردوغان: الإنقلاب لم ينته

«التطهير» يصل إلى البرلمان والشؤون الدينية والمحاكم العسكرية * حظر إقامة صلاة الجنازة على قتلى الانقلابيين

مواطنون يقفون أمام جدار يحمل أسماء ضحايا العملية الانقلابية التي شهدتها تركيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
مواطنون يقفون أمام جدار يحمل أسماء ضحايا العملية الانقلابية التي شهدتها تركيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

تركيا تعلن الطوارئ 3 أشهر .. إردوغان: الإنقلاب لم ينته

مواطنون يقفون أمام جدار يحمل أسماء ضحايا العملية الانقلابية التي شهدتها تركيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
مواطنون يقفون أمام جدار يحمل أسماء ضحايا العملية الانقلابية التي شهدتها تركيا الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

تواصلت حملة تطهير مؤسسات الدولة في تركيا من الانقلابيين ومؤيدي محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت مساء الجمعة الماضي، ووصلت حصيلة هذه الحملة إلى نحو 50 ألف معتقل وموقوف حتى الآن.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية أمس عن فتح تحقيقات مع جميع القضاة والمدعين العسكريين، وإقالة 262 قاضيًا ومدعيًا عامًا عسكريًا. كما اعتقلت السلطات التركية قائد قوات الدرك في منطقة كونيا وسط تركيا، ووضعت النيابة العامة في أنقرة 21 قاضيا عسكريا تحت المراقبة الأمنية يعملون في المحكمة العسكرية العليا، والمحكمة الإدارية العسكرية العليا، ووزارة الدفاع، ويحمل 9 منهم رتبة عقيد. كما تم عزل 4 من الموظفين الكبار في وزارة الدفاع من مناصبهم أمس على خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة، التي اتهم بتدبيرها أتباع منظمة فتح الله غولن، أو ما تسمى بمنظمة الكيان الموازي الإرهابية. وكان 3 من المعزولين يشغلون منصب رئيس دائرة في الوزارة، في حين كان الرابع يشغل منصب نائب مستشار. ويحمل أحد المعزولين رتبة لواء، واثنان منهم رتبة عميد، في حين يحمل الرابع رتبة عميد بحري.
كما ألقت السلطات التركية أمس القبض على 9 طيارين، بينهم عقيد، في القاعدة الجوية السابعة بمحافظة مالاطيا شرق تركيا، على خلفية المحاولة الانقلابية الفاشلة. وذكرت مصادر أمنية لوكالة «الأناضول» التركية، أن عملية القبض على الطيارين تمت في إطار التحقيقات الجارية حول إخراج طائرات من طراز «إف 4» من عنابرها دون إذن رسمي في القاعدة المذكورة، ليلة المحاولة الانقلابية.
وكانت مجموعة من العسكريين أخرجت عددًا من الطائرات العسكرية من عنابرها في القاعدة الجوية السابعة بمالاطيا، إلا أن سلطات المحافظة والبلدية وضعت في طريقها آليات بناء، ما حال دون إقلاعها. وبلغت حصيلة المشتبهين الذين أصدر القضاء التركي قرارًا بحبسهم 788، بعد إحالتهم من النيابة العامة في وقت سابق، ضمن إطار التحقيقات الجارية حول محاولة الانقلاب الفاشلة.
وبحسب مصادر في النيابة، فإنّ غالبية المشتبه بهم، الذين صدر بحقهم قرار الحبس، هم من العسكريين، ويحالون حاليا إلى قصر تشاغلايان العدلي في إسطنبول، على دفعات، بعد إتمام مكتب مكافحة الإرهاب والجرائم المنظمة إجراءاته النيابية بحقهم. ومن بين المشتبه بهم المحالين إلى المحاكم 12 جنرالا، وأميرال واحد، وعناصر من جهاز الشرطة، ومدرسون، فيما تستمر المحاكم في النظر في ملفات 1522 مشتبهًا بهم.
وبلغ عدد من تم توقيفهم من أصحاب الرتب القيادية في الجيش التركي في أنحاء البلاد على خلفية محاولة الانقلاب الفاشلة 118 ضابطا قياديا. وبحسب إحصاء أجرته وكالة أنباء الأناضول، أمرت المحكمة بحبس 99 من بين هؤلاء القياديين على ذمة التحقيق، في حين أخلت سراح 3 منهم، ولا تزال الإجراءات مستمرة بحق الآخرين.
ومن بين من قررت المحكمة حبسهم على ذمة التحقيق؛ قائد الجيش الثاني الفريق أول آدم حودودي، ورئيس الشؤون الإدارية في رئاسة الأركان الفريق إلهان تالو، وقائد القوات الجوية السابق الفريق أول أكين أوزتورك. ومن بين التهم الموجهة للموقوفين؛ انتهاك القانون، والاعتداء على رئيس الجمهورية، وارتكاب جريمة ضد السلطة التشريعية والحكومة، وتشكيل وإدارة منظمة مسلحة، والقتل العمد، ومحاولة إلغاء النظام الجمهوري وتعطيله عن أداء مهامه بشكل كامل أو جزئي باستخدام القوة، ومحاولة إلغاء النظام الدستوري. وتعمل قوات الأمن التركية من أجل إلقاء القبض على أصحاب الرتب العسكرية الفارين الذين صدرت بحقهم أوامر توقيف.
وانتقلت عمليات تطهير المؤسسات التركية بعد محاولة الانقلاب الفاشلة إلى البرلمان التركي أمس، وتم عزل عدد كبير من الموظفين الكبار من مناصبهم، بينهم 3 مساعدين للأمين العام للبرلمان، هم محمد بوزداغ، وكمال كايا، ومصطفى تعميرجي، في إطار التحقيقات التي بدأت في البرلمان بخصوص محاولة الانقلاب الفاشلة. كما تم عزل رئيسة الخدمات القانونية في البرلمان، يلدز بيزغينلي، ورئيس خدمات البحث، أحمد يلديز، ومساعدي رئيس الميزانية إرجان تشليكار، ورمزي تشيفته بينار، ونائب رئيس خدمات الدعم شمس الدين كيلينج، ونائب رئيس قسم الإعلام والعلاقات العامة حامد إشان. وخضعت الأقسام الإدارية في البرلمان لكثير من التغييرات.
وفي السياق ذاته، قرر مجلس التعليم العالي في تركيا منع سفر جميع الأكاديميين إلى خارج البلاد بشكل مؤقت. كما طالب مجلس التعليم العالي بتوجيه دعوة للأكاديميين الأتراك الموجودين حاليًا في مختلف بلدان العالم لأغراض تعليمية بالعودة إلى تركيا. وأعلنت وزارة التعليم التركية إقالة 15 ألفا و200 من موظفيها، وإلغاء تراخيص 21 ألف معلم في المؤسسات الخاصة. وذكرت الوزارة، في بيان أمس، أنها تقوم حاليا بدراسة شاملة حول موظفي الوزارة الذين يعتقد أنهم مقربون من «حركة الخدمة» ممن يعملون في المؤسسات التعليمية الخاصة والمدارس ومراكز الإيواء التابعة للوزارة، إضافة إلى المنظمات التابعة للوزارة في المحافظات والأقاليم، مشيرة إلى إقالتها 15 ألفا و200 من عامليها، وبدء التحقيق معهم اعتبارا من اليوم.
ووصلت حملة التطهير إلى هيئة الشؤون الدينية التي أعلنت عن إقالة 492 من العاملين بها داخل وخارج تركيا، من بينهم مستشار للهيئة ورئيس شعبة و3 مفتين بالمحافظات. وذكرت رئاسة هيئة الشؤون الدينية، في بيان أمس الأربعاء، أنها أقالت 492 من العاملين بها، من بينهم 3 مفتين، ورئيس شعبة، ومستشار للهيئة، و5 نواب للمفتين، وخبير في الشؤون الدينية، وملحق خدمات دينية، و7 معلمين، و65 واعظا، ومحام، و7 واعظين بالسجون، وخبير تعليمي، و187 إماما وخطيبا، و95 من محفّظي القرآن الكريم، و11 مراقبا، و5 موظفين حكوميين، و40 مؤذنا، ومحاسبين، ورئيس قسم، و9 مديري شعب، و7 مراقبين لإعداد البيانات.
وأضافت الشؤون الدينية أن اللجان التي شكلتها في هذا الإطار ستواصل أعمالها الشاملة. كما حظرت الهيئة، وهي أعلى سلطة دينية في البلاد، إقامة صلاة الجنازة على العسكريين الذين شاركوا في محاولة الانقلاب. وفي حصيلة إجمالية حتى الآن بلغ عدد المقالين من رئاسة الوزراء، ووزارة الداخلية، ووزارة التعليم العالي، ووزارة التعليم الأساسي، وجهاز المخابرات، ورئاسة الشؤون الدينية، ووزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية، ووزارة المالية، ووزارة التنمية، ووزارة الطاقة، وهيئة التفتيش، نحو 28 ألفا و321 شخصًا، إضافة إلى إلغاء تراخيص 21 ألف معلم في المؤسسات التعليمية الخاصة بوزارة التعليم، ليرتفع بهذا عدد المقالين إلى 49 ألفا و337 شخصًا.
وعقب المحاولة الانقلابية الفاشلة التي شهدتها تركيا في 15 من الشهر الجاري، تمت إقالة 257 من العاملين في المبنى الملحق برئاسة الوزراء في قصر مجلس الوزراء في تشانكايا، ومصادرة هوياتهم الشخصية، من بينهم 230 مراسلاً صحافيًا، و19 خبيرًا، و6 مستشارين، ومستشارين حقوقيين. أما في وزارة الداخلية فأقيل 8 آلاف و777 من موظفيها، بينهم 7 آلاف و899 بالأمن، و614 من قوات الدرك، و30 واليا، و47 محافظا.
كما أعلنت وزارة التعليم الأساسي إقالتها 15 ألفا و200 من العاملين بها، وإلغاء تراخيص 21 ألف معلم بالمؤسسات التعليمية الخاصة، لتنتهي بهذا مسيرة 36 ألفا و200 معلم.
وعلى الصعيد ذاته أعلنت وزارة التعليم العالي إقالة عمداء جميع الجامعات الحكومية والخاصة، والبالغ عددهم 1577، من بينهم 1176 بالجامعات الحكومية، و401 بالجامعات الخاصة. وأعلنت وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية إقالة 393 من العاملين بها، في حين أقالت رئاسة الشؤون الدينية 492 من العاملين بها، من بينهم مستشار الرئاسة للشؤون الدينية ورئيس شعبة و3 مفتين.
وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم أعلن بدوره إقالة أكثر من 1500 عامل بوزارة المالية، عقب اجتماع مجلس البنوك. وأقالت المخابرات التركية 100 من العاملين بها، بينما أقالت وزارة التنمية 15 عاملاً، بجانب إقالة مجلس تنظيم أسواق الطاقة 25 عاملاً، مؤكدًا على استمرار عمليات تحديد عناصر «الكيان الموازي» داخل المؤسسة والتحقيق معهم.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

في خضم ما يحصل من حروب وأزمات، تتلبّد غيوم التخوّف من الأسوأ، خصوصاً أن لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.