رؤية موجزة لتاريخ الأفكار الدينية

السواح يرى أن حكمة البشرية موجودة في أديانها وليست في الفلسفة

فراس السواح - غلاف الكتاب
فراس السواح - غلاف الكتاب
TT

رؤية موجزة لتاريخ الأفكار الدينية

فراس السواح - غلاف الكتاب
فراس السواح - غلاف الكتاب

في كتابه الجديد الذي يحمل الرقم 23 والصادر عن دار التكوين للنشر والتوزيع بدمشق، يحاول الباحث فراس السواح الإجابة عن أسئلة طالما وُجهت له في مقابلات صحافية وإذاعية وتلفزيونية. ومن هذه الأسئلة لماذا اختار الكتابة في موضوع الميثولوجيا والدين، ومنها أيضًا لماذا لا يجد المتابع رأيًا حاسمًا للسواح في المسألة الدينية، وغير ذلك من الأسئلة. في تقديمه لكتابه الجديد يقول السواح موضحًا المضمون والغاية مما يقدمه فيه قائلاً: «بعد تسلسل العمل عن طريق السين والجيم أنجزت ما كنت أصبو إليه، وهو صياغة رؤية موجزة لتاريخ الأفكار الدينية في تفاعلها وعلائقها مع بعضها بعضًا عبر مسيرة الثقافة الإنسانية، هذا التاريخ يصب في تيار ما يُدعى بتاريخ الأفكار العام، وهو منظومة معرفية جديدة تتوحد فيها الأفكار الحكموية والأفكار الفلسفية والأفكار الدينية. فعلى الرغم من أن الدين يتميز عن الحكمة والفلسفة بنظامه الطقسي الذي يهدف إلى إقامة الصلة بين المقدس والدنيوي، فإنه في جانبه الاعتقادي لا يختلف عن الفلسفة من حيث تقديمه للأجوبة عن الأسئلة الكبرى للإنسانية، وكلتا المنظومتين عبارة عن تفكير منظم في شؤون الحياة والكون، ولذلك فإننا في دراستنا للأفكار الدينية عبر التاريخ إنما نقوم بدراسة الجانب الأهم من تاريخ الأفكار العام، وذلك لما للأفكار الدينية من تأثير على البشر لا يعادله تأثير الأفكار الفلسفية».
الكتاب الذي يقع في 245 صفحة من القطع العادي، يضم 10 فصول أو محاور كما أطلق عليها السواح، وهي: الدين والفلسفة - الدين والحضارة - الدين والأسطورة - الديانات التوحيدية - التناص بين الكتب المقدسة - إله الغنوصية - صيغ أخرى لمفهوم الله الوحدانية في التعددية - غروب الآلهة - في الجاينية والبوذية والتاوية.
ربما كان أسلوب السؤال والجواب في كل محاور الكتاب أقرب للقارئ وأكثر جاذبية وراحة لعقله الباحث عن الطمأنينة، ولكن لذلك قصة وحكاية كما يقول السواح، حيث فضّل هذا الأسلوب على السرد المتصل. فمن خلال تعرفه بإعلامي سوري في الصين (حيث يقيم السواح) وفي لقاءات لكليهما كان يسأله الإعلامي ليجيبه ويُدار نقاش فيما بعد، فتبلورت فكرة السين والجيم كنمط لمضمون الكتاب، حيث وضع المؤلف نفسه مكان القارئ.
في محور الدين والفلسفة وفي جواب على سؤال هل نجحت الأديان برأيه في تحقيق ما عجزت عنه الفلسفة، يرى السواح أن الفلسفة هي حكمة شخص بعينه، أما الدين فهو حكمة شعب. وبينما تبقى الفلسفة محصورة في الأكاديميات، ينجح الدين في التمكن من قلوب وعقول شعب بأكمله. «ولذلك أقول إننا إذا ما أردنا البحث عن حكمة البشرية، فإننا سنجدها في تاريخ أديانها لا في تاريخ فلسفاتها». طبعًا يبرر السواح في سؤال لاحق سبب رأيه هذا وكيف استنتج مثلاً أن الفلسفة هي حكمة شخص واحد وغير ذلك.
في محور الدين والأسطورة يحاول السواح الغوص عميقًا في تاريخ ومعنى الأسطورة، فيرى، من خلال نظرة فاحصة لتاريخ الدين وجغرافيته أن هناك بنية موحدة للدين في أي مكان أو زمان، وهذه البنية تتألف من عدد من المكونات الرئيسية وهي: المعتقدات، والطقس، والأسطورة. وهكذا يدخلنا السواح في تحليل عميق لهذه المكونات ليعطينا وبشكل مختصر الجواب عن قدسية الأسطورة ووظائف النص الأسطوري وكيف يستجيب كل من العلم والفلسفة والأسطورة وعلى طريقته لمطلب النظام، أي لمطلب أن يعيش الإنسان ضمن عالم مفهوم ومرتب، وأن يتغلب على حالة الفوضى الخارجية التي تتبدى للوعي في مواجهته مع الطبيعة، ومنها مثلاً الفلسفة التي تتيح نظامًا من المفاهيم التجريدية المترابطة يدّعي تفسير العالم والعلم بدوره ينتج نظامًا من المبادئ والقوانين التي يعتمد بعضها على بعض وتنتهي بترميز العالم في بنى رياضية وفي مقابل هرم نظام المفاهيم الفلسفية وهرم نظام القوانين الرياضية، فإن الأسطورة تعتمد من جانبها على خلق نظام قوامه الآلهة والقوى الماورائية التي يعتمد بعضها على بعض في هرمية للأسباب والنتائج.
في المحور الثامن من الكتاب والمعنون (إله الغنوصية) وبإجابات عن أسئلة كثيرة حول اهتمام السواح بالغنوصية، يجيب معرّفًا بها بأنها طريقة صوفية اشتد عودها خلال القرون الميلادية الأولى في مصر وسوريا، ومنها شعّت نحو أقطار بعيدة فوصلت إلى الصين شرقًا وإلى فرنسا غربًا، كما أنها تمازجت مع المسيحية واليهودية، ثم مع الإسلام منذ مطلع القرن الرابع الهجري.
ويوضح السواح في هذا المحور أن الصوفية ليست حكرًا على دين بعينه، ولكنها تيار يسري في أديان متباعدة ومتخالفة، مقدمًّا أمثلة على الصوفية في الهندوسية والثقافات اليونانية والرومانية والشرق أوسطية، وهي تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن روح الإنسان هي قبس من روح خالقه، ولكن الإنسان جاهل بهذه الحقيقة.
أما مصطلح الغنوصية وهي كلمة يونانية (Gnosis)، ومنها جاءت تسمية Gnosticism أي الغنوصية، وتعني العرفان، وهي فعالية روحانية وتجربة باطنية تقود إلى معرفة الله في أعماق النفس، وعلى حد قول المتصوفين المسلمين: «من عرف نفسه عرف ربه»، وهم يتداولون حديثًا قدسيًا يقول: «ما وسعني سمائي ولا أرضي ووسعني قلب عبدي المؤمن». ويتابع السواح شارحًا موضحًا من خلال الأجوبة معتمدًا على شواهد وأفكار وأشعار للحلاج وأبو يزيد البسطامي ورسائل إخوان الصفا كأفكار صوفية.
أخيرًا فإن الكتاب الجديد للسواح سيلحقه إصدار كتبه جميعها في سلسلة الأعمال الكاملة، وهنا يشير السواح قائلاً: «عندما وُضعت أمامي على الطاولة في دار التكوين كومة مؤلفاتي الـ22 ومخطوط كتاب لم يطبع بعد، لنبحث في إجراءات إصدارها في طبعةٍ جديدة عن الدار تحت عنوان (الأعمال الكاملة)، كنت وأنا أتأملها كمن ينظر إلى حصاد العمر، أربعون عامًا تفصل بين كتابي الأول (مغامرة العقل الأولى) والكتاب الجديد (الله والكون والإنسان) ومشروع تكامل تدريجيًا دون خطةٍ مسبقة في ثلاث وعشرين مغامرة هي مشروعي المعرفي الخاص الذي أحببت أن أُشرك به قرائي».



أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين
TT

أفق الروائي وأفق القارئ المتلقي

أحمد زين
أحمد زين

يضعنا التلقي النقدي لمسار الرواية العربية في تحولاتها أمام تجربة روائية متميزة أبانت عن كفاءة واقتدار على مستوى منجزها السردي الموازي بين الكتابة السردية الروائية والقصصية، وإن انتصرت في المراحل الأخيرة لجنس الرواية من منطلق انفتاحه على أكثر من جنس، إلى تعدد الشخوص واللغات والقضايا التي تنزع إنتاج معنى.

إن الروائي اليمني أحمد زين (1968)، منذ تجربته البكر «تصحيح وضع» (دار الانتشار العربي - 2004)، إلى «رماية ليلية» (دار المتوسط - 2024)، وغيرهما، رسخ تقاليد كتابة روائية تنبني على الجدة، وتنطبع بروح التجريب المناهض للمتداول والمألوف على مستوى الشكل الروائي، إذا ما ألمحت لكونه يتفرد - في تصوري - بخصوص الإنجاز الروائي بوضع مسافة زمنية تمتد من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات بين رواية وثانية، الشيء الذي يوضح أن ثمة تفكيراً روائياً قبلياً قبل الإقدام على التحقق والاكتمال. يلاحظ هذا أيضاً على سبيل التمثيل لدى الروائي اللبناني الراحل إلياس خوري، والتونسي الحبيب السالمي، واليمنيين علي المقري ووجدي الأهدل، وأيضاً لدى الروائيات هدى بركات، ونجوى بركات، وأنيسة عبود، ومنصورة عز الدين، ونادية الكوكباني.

بيد أن التفكير الروائي يؤجل التمرين على فعل القص دون أن يلغيه. فبعض الروائيين يؤسسون عالمهم الروائي انطلاقاً من وحدات حكائية صغرى هي في الجوهر قصص قصيرة تحتكم لرابط يجسد حبكة النص الروائي، نحو ما نقف عليه في «وردية الليل» لإبراهيم أصلان، كما في ثلاثية «زهرة الآس» لمحمد عز الدين التازي. على أن مما يستلزم التأكيد ما أحبذ دعوته بـ«الموازاة الأجناسية»، وفق ما عكسته تجربة الروائي الراحل محمد زفزاف، الذي حافظ على إيقاع إصدار مجموعة قصصية في سنة، ورواية في سنة ثانية، إلى حين رحيله. والحالة ذاتها جسدها محمد صوف، في حين نجد من الروائيين من لم يصدر مجموعة قصصية على امتداد تجربته السردية، نحو ما يطالعنا لدى الروائيين جبرا إبراهيم جبرا، ورشيد الضعيف، وعبد الله العروي، وشعيب حليفي.

خصائص إبداعية

يقود المعبر عنه إلى محاولة تشكيل تصور حول منجز أحمد زين الروائي. وهو في الجوهر ما يؤلف مشتركاً بين أكثر من روائي عربي، وإن كانت الخصوصية تفرض ذاتها، وهو المسعى الذي ندرسه هنا، ومنه الاستمرارية الإبداعية التي تتجسد على مستوى جنس الرواية، وتبرز في مواصلة الكتابة والإضافة، وهذا ما سبقت الإشارة إليه بالمسافة الزمنية التي يرسمها الروائي بين رواية وثانية في نوع من التفكير الذي يهجس بأفق التلقي، وما يترتب من تفسير وتأويل. أقول بمعنى آخر، إن الروائي أحمد زين وهو في وضعية الإنجاز يتمثل إبداعه وحالة قارئه. فمن خلال الآثار السابقة تتولد قناعة القيمة والرغبة في الإضافة - كما سلف - وهو ما يحقق التكامل بين أفقين: أفق الروائي المبدع، وأفق القارئ المتلقي. على أن ما تعكسه الاستمرارية الإبداعية يتمثل في المرجعية الروائية التي تتجلى في كون المكتوب صورة دقيقة عن وجود مقروء. فكفاءة الإنجاز الروائي لا يمكن أن تتخلق عبثاً، وإنما انطلاقاً من الانفتاح على تجارب روائية عربية وعالمية بالأخص، تفسح إمكان القول إن أي تميز روائي وليد قراءة. فأحمد زين في تفرده روائياً بمنزلة قارئ تأسيساً من أن لا كتابة دون قراءة، ثم القدرة على التصريف، وهي ترتبط بالسابق؛ إذ الروائي الكفء يجيد تصريف وتذويب مقروئه في تعبيره الروائي، بحيث يصعب الوصول إلى استجلاء الأثر والتأثير. يحدث هذا على مستوى النصوص المقروءة، إلى تداخل الأجناس وفق ما سنقف عليه في العملين الأخيرين: «فاكهة للغربان» و«رماية ليلية».

وبذلك، فإن الاستمرارية الإبداعية قناعة بما للكتابة الروائية من بلاغة التأثير، عكس التوقف الذي يطول بعض التجارب الروائية بمبررات لا يمكن التكهن بخلفياتها. يقول أحمد زين في حوار مع الشاعرة اللبنانية الراحلة عناية جابر: «الروائيون الذين أصدروا روايات في الستينيات والسبعينيات وربما الثمانينيات كفوا عن الكتابة، ولم يعد أحد من أولئك، أقصد الأحياء منهم، يكتب الرواية».

في دور الذاكرة

تظل الذاكرة حاضرة على امتداد الآثار الروائية لأحمد زين. ويمثل حضورها وظيفة غايتها الامتياح من الذاتي في معايشته وقائع سياسية واجتماعية وثقافية عرفها اليمن، وتبقى في أمسّ الحاجة للتوثيق والتأريخ من منظور الرؤية الروائية المغايرة، بما هي بمنزلة إبدال لما يثبته المؤرخ وعالم الاجتماع.

بيد أن ما لا يجب أن يُفهم، كون الروائي أحمد زين يسهم في تدوين سيرته الذاتية، علماً بأن لا كتابة في منجاة من البعد الذاتي، وخاصة أن ميثاق التعاقد الذي يربط الروائي بقارئه يتحدد منذ البداية في دقة التجنيس؛ أي رواية وليست سيرة ذاتية. على أن من النقاد الذين تناولوا التجربة تحديداً من يجنح إلى القول إن شذرات الذات تتوزع بين الروايات المنجزة. هذا التصور يبدو صحيحاً. وهو ما عبر عنه الروائي جبرا إبراهيم جبرا قبل كتابته «البئر الأولى» و«شارع الأميرات»، في حين اختار محمد زفزاف القول إنه يفضل إملاء سيرته الذاتية على طرفٍ ما دون كتابتها. يرد في الحوار نفسه: «أرى أن الذهاب إلى هموم خاصة أو ذاتية، في المعنى الضيق للذاتية، بعيداً عن القضايا المفصلية التي يعانيها المجتمع في لحظته الراهنة، وتمس عصب الحياة، وتربك أحوال الناس؛ سيبدو ليس صعباً فحسب، إنما أيضاً نوع من الترف، في حال حصل».

الفضاء اليمني

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد السداسية الروائية من 2004 إلى 2024؛ بمعنى أن زمن المنجز السردي يتأطر في عشرين سنة من دون أن يتوقف أو ينتهي. والأصل أن الامتداد دعوة ليقظة الذاكرة كي تحكي سيرة الفضاء بما يتفاعل فيه من أحداث ترتبط بأمكنة وأزمنة تمتلك هدف إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فالذاكرة تعد ذاكرة فضاء في دينامياته التي عاشها، وما انطبع بها من إخفاقات وحروب لم تفتأ تنتهي إلا لتوقد من جديد. من هنا، فإن زين يحكي في منجزه واقع اليمن ومأساته سواء كما عيشت في حينها، أو كما تخلقت بعيداً عنه في رحلة الاغتراب وقلق الوجود. يقول زين: «في اليمن، يتقدم العام دوماً، يسحق ما هو خاص أو في هيئته، فلا مجال لمقاربة أحوال الفرد، والتفتيش عن فردية؛ لأن عوامل كثيرة تغيبها».

وتقود الاستمرارية الإبداعية المتحدث عنها إلى التأكيد على قناعة الإضافة الفاعلة والمنتجة... وهو وعي الروائي أحمد زين بقيمة وأهمية جنس الرواية في وعلى ملامسة القضايا، والتعبير عن تنوع الأحداث في رصد ومتابعة تعمل الذاكرة على استصفائها والامتياح منها.

* كاتب من المغرب

يمثل اليمن الفضاء الثابت على امتداد سداسية أحمد زين الروائية من 2004 إلى 2024


«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة
TT

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

«أشباح الأمومة»... العاطفة والجريمة

تنتمي رواية «أشباح الأمومة»، للكاتبة الإسبانية كاشا أجيري، إلى نوعية النصوص غير التقليدية من حيث الموضوع، والجريئة من حيث الأفكار التي تطرحها، حيث تعيد تفكيك مفهوم الأمومة، بعيداً عن التصورات المثالية، وتكشف عن مساحة من القلق والتوتر، أحياناً الغضب والرفض، في علاقة الأم بالعالم وبطفلها الوليد.

تتداخل في العمل، الصادر أخيراً عن «دار العربي» بالقاهرة، ترجمة أحمد عويضة، تجربة الأمومة وفعل الكتابة الإبداعية عندما تكتشف البطلة، وهي روائية في شهرها التاسع من الحمل وعلى وشك الولادة، جريمة مروعة تهز الرأي العام، حيث قامت امرأة تُدعى «أليس» بإغراق طفليها التوأم الرضيعين في حوض الاستحمام.

تزداد الصدمة حين تكتشف البطلة أنها كانت تعرف هذه الأم القاتلة شخصياً في الماضي، رغم انقطاع أخبارها لفترة طويلة، وبدلاً من أن تستغل إجازة الأمومة المرتقبة للعناية بطفلها الرضيع وتتفرغ لتربيته، تقرر استغلال هذه الفترة كغطاء وفرصة للبحث والتقصي والكتابة.

تبدأ البطلة رحلة تتبع وبحث جنائي وأدبي لمعرفة الحقيقة المظلمة والدوافع النفسية والاجتماعية التي تقف وراء إقدام أم على إنهاء حياة طفليها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع أسئلتها الداخلية حول معنى أن تكون أماً وأن تكون مبدعة في آن واحد.

الأمومة والإبداع

تمزج حبكة الرواية بين البناء الكلاسيكي لقصص التشويق والإثارة وأسلوب التحقيق الصحافي والجرائم الواقعية، مع طرح الأفكار الفلسفية والتأملات الفكرية، على خلفية كسر واحد من أكبر المحرمات أو «التابوهات» الاجتماعية والثقافية، وهو الاعتقاد السائد بأن الأمومة تحمل دائماً حباً مطلقاً وغريزة تضحية لا تشوبها شائبة.

وتوازن الكاتبة بين نوعين من «الخلق»: الولادة البيولوجية للطفل، والولادة الفنية للعمل الإبداعي، من خلال استلهام تجارب وسير ذاتية لكاتبات وشاعرات عانين من المعضلة ذاتها، واختبرن أشباح الأمومة واكتئابها وتأثيرها على مسيرتهن، مثل الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث، والروائية البريطانية دوريس ليسينغ.

عالمان متناقضان

جاءت الأجواء العامة للرواية مشحونة بالتوتر والترقب والنقد الذاتي الحاد، حيث تعيش البطلة في منطقة رمادية تفصل بين عالمين متناقضين: عالم الأمومة المليء بالمتطلبات الجسدية والنفسية وعزلة رعاية الرضيع، وعالم الكتابة الذي يتطلب الانفصال والتركيز والبحث.

تضع تلك الأجواء القارئ أمام تساؤلات تكاد تكون غير مسبوقة دون أن تقدم بالضرورة إجابات جاهزة: هل الأمومة يمكن أن تتحول أحياناً إلى سجن أو زنزانة؟ وكيف يتعامل القانون والمجتمع مع حماية الأطفال وفي الوقت نفسه مع الاضطرابات النفسية للأمهات؟ هل يمكن فصل غريزة الأمومة عن الأنوثة؟ أين يقع الحد بين الإبداع والتدمير؟ ولماذا ينظر دائماً إلى الأمومة على أنها قدر بيولوجي، لا خيار إرادي؟ وكاتشا أجيري كاتبة ومخرجة من إقليم الباسك، وواحدة من الأصوات الأدبية الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في المشهد الثقافي الإسباني المعاصر. تميزت مسيرتها الأكاديمية والعملية بتنوع إبداعي لافت، حيث جمعت بين البحث المتخصص في السرديات السينمائية والإبداع الأدبي الجريء. بدأت حياتها المهنية كاتبة سيناريو قبل أن تتجه للرواية، مما أضاف بعداً بصرياً متميزاً لأسلوبها السردي.

اشتُهرت أجيري بروايتها هذه التي نُشرت في الأصل تحت عنوان «الأمهات لا يفعلن»، وقد أحدثت ضجة كبيرة بسب جرأتها في نقد الأمومة وربطها بين الإبداع والعنف. تُرجمت أعمالها إلى عدة لغات وحصلت على تكريمات مهمة منها «جائزة أكاديمية اللغة الباسكية»، كما تعد من أهم الأصوات النسوية في أوروبا اليوم، حيث تقدم رؤية فريدة تدمج بين الحساسية الأدبية والتفكيك النقدي للأنماط الاجتماعية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«الأدب هو الخيمياء، معرفة ما قبل معرفة علمية وبربرية وعقلانية وعاطفية وطوباوية وسياسية وباردة وحارقة ومجنونة وجميلة ورهيبة وإيقاعية ومرهقة وقبيحة ومنعشة.

الأدب لغز لا يحتاج إلى إجابات هنا والآن؛ لأنه لا يطرح عليَّ أسئلة. أكتب وكل شيء يعود إلى مكانه أخيراً، كل حرف، كل نفس، كل همسة.

تقول أمي كل صباح وإيريك مربوط إلى مقعده بالسيارة: «قل وداعاً لماما»، فيقول الصغير: «وداعاً، وداعاً» وهو يلوّح بكفه الصغيرة. بدا سعيداً مع تلك الجدة التي التقاها للتو وبدت والدتي سعيدة أيضاً. ومن المؤكد أن نيكولاس أيضاً سعيد بلوح التزلج الخاص به واستعجاله ركوب الأمواج، تعجل إلى درجة أنه لم يمنحني حتى قُبلة وداع. وفوق كل ذلك فأنا أيضاً سعيدة، سعيدة وأنا وحدي في منزل أمي.

أهرب أنا أيضاً خلف الأبواب المغلقة، كل شيء مثالي: درجة الحرارة والرائحة وصوت المحيط وهذا الإيقاع المحموم والجذاب لأزرار لوحة المفاتيح. سيعود الجميع إلى الداخل خلال ساعتين أو ثلاث. سيعود إيريك نائماً ومجهداً بعد اللعب بين الصخور البركانية وأمي مفتونة كمن ينظر لأول مرة داخل محارة طفل من ذوات الصدفتين، ثم يعود نيكولاس بأنفه متقشر الجلد ورائحته البرية بعدما صار أشقر أكثر من أي وقت مضى.

سينتهي هذا الكمال في غضون ستة أيام، سيعود العالم الحقيقي خلال ستة أيام ستقول لنا أمي: «وداعاً» وهي تشعر بارتياح حقيقي في حين تستعيد وحدتها. ستشعر بالفخر جراء الهدية التي أهدتها إلينا، وسوف تذّكر نفسها بألا تكرر التجربة لفترة طويلة.

سأعود لأراقب حسابي الجاري، وأستعد من جديد لمشقة العمل موظفة، وفوق كل هذا سيتعين عليّ قراءة كل تلك الصفحات التي تركتها خلفي. لقاء عنيف وغير سار هناك ينتظرني، الأموات والأحياء، «أليس» والتوأمان وشبح سيلفيا بلاث وشبح ابنها المنتحر».


«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات
TT

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

«سطوح طهران»... الحب والصداقة في إيران السبعينات

في لغة سلسة تجمع بين البساطة والعذوبة، ترصد رواية «سطوح طهران»، للكاتب مهبد سراجي، حقبة قلقة ومليئة بالتوتر السياسي والاجتماعي من تاريخ إيران في حقبة السبعينات، وتحديداً السنوات القليلة التي سبقت اندلاع الثورة على نظام الشاه، وإعلان ما سُمِّيت لاحقاً «الجمهورية الإسلامية».

ووصف النقاد الرواية الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بترجمة إيناس التركي، بأنها «من الروايات النادرة التي تبقى في ذاكراتك طويلاً بعد طي صفحتها الأخيرة؛ حيث تذكِّرنا بالخير والشر في الحياة، وبأن للفرح جانباً مؤلماً، وبأن الحب يأتي بأشكال متعددة».

كما اعتبرت مراجعات الصحف العالمية للعمل أننا إزاء نص مبهج، يثير التفكير عن الشجاعة والتضحية والصداقة والحب، كما يظهر دراما فقدان البراءة، ويكشف جانباً مجهولاً عن بلد بات غامضاً، ولا يفهمه إلا القليلون.

في هذه الرواية المؤثرة، يكشف المؤلف عن الجمال، والعنف أيضاً، مؤكداً في الوقت نفسه على المشاعر الإنسانية التي نتشاركها جميعاً.

تدور الأحداث في حي من أحياء الطبقة المتوسطة في طهران؛ حيث يقضي «باشا شاهد» البالغ من العمر سبعة عشر عاماً صيف 1973 على سطح منزله، مع صديقه المقرب «أحمد».

يتمازحان تارة، ويطرحان أسئلة ملحَّة عن الحياة تارة أخرى. يخفي «باشا» حباً سرياً لجارته الجميلة «زاري» المخطوبة منذ ولادتها لرجل آخر. وسرعان ما يتبدد نعيم الوقت المستباح الذي قضاه «باشا» و«زاري» معاً، عندما يساعد الأول من غير قصد شرطة الشاه السرية، فتصبح علاقته بحبيبته في مفترق طرق.

وُلد الكاتب الإيراني مَهبُد سِراجي عام 1956، وانتقل للعيش في الولايات المتحدة عام 1976 وهو في التاسعة عشرة من عمره. استكمل دراسته في جامعة أيوا؛ حيث نال درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية، ثم الماجستير في مجال الإذاعة والسينما، وصولاً إلى درجة الدكتوراه في تصميم وتكنولوجيا التعليم.

يتخذ سِراجي حالياً من منطقة خليج سان فرانسيسكو مقراً لإقامته؛ حيث يعمل مستشاراً في مجال الإدارة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سمعتُ صوت شخص ينشد، وتدفقت الأبيات المتكررة كالماء على حافة ما أمتلكه من وعي:

لو أن لدي كتاباً، لقرأته.

لو أن لدي نشيداً، لغنيته.

نظرتُ حولي حتى رأيت رجلاً عجوزاً يقف على بعد أمتار قليلة ينشد بنبرة ثابتة جوفاء. لم يبدُ المكان مألوفاً بالنسبة إليَّ، فالرداء الأزرق الذي يغطي جسدي، والكرسي المتحرك الذي أجلس عليه، وأشعة الشمس التي تتسلل بين الظلال وتدفئني، كل هذا بدا غريباً:

لو أنني أعرف رقصة، لرقصتها.

لو أنني أعرف قافية، لرددتها.

لو أن لي حياة، لخاطرتُ.

لو أن بوسعي الحرية، لغامرتُ.

في الفناء بالخارج، يجول رجال من جميع الأشكال والأعمار مرتدين أردية زرقاء. كان هناك شيء غريب في كل واحد منهم؛ حيث بدوا تائهين. فجأة امتلأ صدري بموجة من المشاعر، واندفعت إلى حلقي، هُرعت نحوي ممرضة صغيرة ذات وجه لطيف ممتلئ يشبه التفاحة، ووضعت يديها على كتفي وصرخت قائلة:

ساعدوني هنا، ساعدوني!

هرع رجل يرتدي زياً أبيض وحاول أن يثبِّتني. صاحت ذات الوجه الشبيه بالتفاحة:

ابقَ في مقعدك يا عزيزي، ابقَ في مقعدك!

وهو ما يعني على الأرجح أنني كنت أتحرك، ركزتُ على الجلوس بثبات، ونظرتُ نحو الرجل العجوز في الجانب البعيد من الغرفة. أخذ يحدق إليَّ وهو يكرر ترنيمته على نحو محموم:

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً، لركبته.

لو أن لدي حصاناً...

اصطحبوني إلى غرفة بها فراش، وقالت لي صاحبة الوجه الشبيه بالتفاحة:

سأعطيك مهدئاً ليجعلك تشعر بالتحسن يا عزيزي.

شعرتُ بوخز في ذراعي، وفجأة أصبح رأسي وذراعي ثقيلين بشكل لا يطاق، وانغلقت عيناي».