«الشرعية» تكسر هيمنة الانقلابيين على «المركزي اليمني» بحساب بنكي من عدن

وزير المالية اليمني لـ «الشرق الأوسط»: حساب الحكومة يدير المصروفات العامة وصرف مخصصات المحافظات

خطوات الحكومة اليمنية تأتي بعد كساد اقتصادي طال البلاد جراء سيطرة الحوثيين على «المركزي اليمني» (إ.ب.أ)
خطوات الحكومة اليمنية تأتي بعد كساد اقتصادي طال البلاد جراء سيطرة الحوثيين على «المركزي اليمني» (إ.ب.أ)
TT

«الشرعية» تكسر هيمنة الانقلابيين على «المركزي اليمني» بحساب بنكي من عدن

خطوات الحكومة اليمنية تأتي بعد كساد اقتصادي طال البلاد جراء سيطرة الحوثيين على «المركزي اليمني» (إ.ب.أ)
خطوات الحكومة اليمنية تأتي بعد كساد اقتصادي طال البلاد جراء سيطرة الحوثيين على «المركزي اليمني» (إ.ب.أ)

بعد خناق اقتصادي اتخذه الانقلابيون حيال اليمن، أجرت الحكومة الشرعية جملة تحركات مالية تحد من هيمنة الحوثيين على البنك المركزي في صنعاء، والذي تسيطر عليه الميليشيات الانقلابية، منذ سيطرتها على العاصمة اليمنية يوم 21 سبتمبر (أيلول) 2014.
جاء ذلك، في أعقاب لقاء اقتصادي عاصف، جرى في مكتب الدكتور أحمد بن دغر رئيس الوزراء اليمني في عدن، مع سياسيين وقوى محلية واقتصادية.
وأكدت مذكرة صدرت عن محافظ حضرموت اللواء أحمد سعيد بن بريك إلى مديري عموم الجمارك والمنافذ البرية والبحرية والجوية، إلى جانب مكاتب الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية بوقف التوريد للإيرادات المحصلة إلى البنك المركزي الواقع تحت سيطرة الميليشيات الانقلابية، وطالبت بتوريدها إلى البنك الأهلي بمدينة المكلا على حساب رقم 247777.
لكن وزير المالية اليمني الدكتور منصر القعيطي قال في حديث هاتفي مع «الشرق الأوسط»: «لم يتم صدور توجيهات من رئيس الوزراء بتوريد الإيرادات العامة إلى حساب السلطات المحلية، ومحافظ حضرموت تصرف واستبق الأحداث بإصدار الخطاب قبل ما تصدر الإجراءات اللازمة، والمترتبة على قرار الحكومة بوقف توريد الإيرادات إلى حساب الحكومة العام في البنك المركزي بصنعاء، وتوريده إلى حساب الحكومة العام في البنك الأهلي عدن رقم 237237».
وتحدث الوزير عن «حساب بديل للحكومة في عدن ينبغي التعامل معه، وانسياب الإيرادات العامة إلى حساب الحكومة المعتمد وليس إلى حساب السلطات المحلية في المحافظات».
وشدد وزير المالية اليمني على أن «القانون يلزم جميع أجهزة الدولة المركزة والمحلية التعامل مع الحساب المعتمد من الحكومة، وأن الإيرادات العامة يجب أن تورد إلى حساب الحكومة العام المعتمد رسميًا من الحكومة وليس إلى حسابات السلطات المحلية، ومن الحساب العام للحكومة تتم إدارة المالية العامة وتغطية المصروفات العامة، بما في ذلك صرف مخصصات المحافظات». وفي محافظة عدن جنوبي البلاد، عقد محافظ عدن اللواء عيدروس قاسم الزبيدي اجتماعًا بمدراء ورؤساء المكاتب والهيئات والمؤسسات والمصالح الإيرادية في العاصمة المؤقتة للبلاد عدن.
وقالت مصادر محلية في المحافظة لـ«الشرق الأوسط» إن الاجتماع كرس لإدارة العملية الاقتصادية والتنموية والإيرادية للعاصمة عدن، وللتغلب على الصعوبات والتحديات التي تعيشها العاصمة والحيلولة دون تفاقمها واتساعها.
وأضافت أن الاجتماع أقر بتشكيل مجلس اقتصادي للعاصمة المؤقتة عدن برئاسة اللواء الزبيدي للمساعدة في حل الأزمات الاقتصادية المفتعلة من قبل الانقلابيين، وتحسين مستوى الإيرادات الحكومية المحصلة.
وأشارت إلى أن المحافظ أكد في كلمة موجزة أن المجلس الاقتصادي ستكون اجتماعاته بشكل دائم لمواجهة كل التحديات الاقتصادية التي تقع على السلطة المحلية في عدن.
وقال بيان صادر عن المحافظة: «جاءت إجراءات محافظي عدن وحضرموت عقب لقاء رئيس الحكومة اليمنية بممثلي المؤسسات المالية والإيرادية الذين بحث معهم سبل وقف الإيرادات المالية المحصلة في المحافظات المحررة إلى البنك المركزي الذي تسيطر عليه الميليشيات الانقلابية».
وكانت السلطة المحلية في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، نظمت أمس الأحد، لقاء تحضيريا موسعا لورشة العمل الخاصة بالوضع الاقتصادي والاحتياجات التنموية الذي من المتوقع عقدها أواخر الشهر الحالي، بالتعاون والتنسيق مع المعهد العربي الكويتي للتخطيط.
وقال محافظ حضرموت إن انعقاد الورشة والتحضير والإعداد الجيدين لها كل ذلك يمثل ضرورة لوضع الخطط الاقتصادية والتنموية المستقبلية لحضرموت القابلة للتنفيذ والملبية لطموحات التطوير والنهوض الشامل، سواء خطة قريبة الأجل الخاصة بظروف الإشكاليات الحالية الراهنة، أو المقبلة الخاصة لما بعد إحلال السلام وتحقيق الأمن والاستقرار، أو الخطة الاستراتيجية المستقبلية.
وأوضح المحافظ لـ«الشرق الأوسط» أن المهم هو الاستفادة من جميع الخبرات التي تسهم في إعداد البرامج والخطط الاقتصادية، سواء من القدرات المحلية أو الاختصاصيين في جامعتي حضرموت والأحقاف، أو الخبراء والقدرات الاقتصادية الموجودة في الخارج، وبما يمكن من وضع رؤية وخطة تنموية شاملة لحضرموت تلبي التطوير بحضرموت اقتصاديًا وتنمويًا واجتماعيًا وثقافيًا، وتحقيق تنمية مستدامة وبناء مستقبل آمن ومزدهر للأجيال المقبلة.
وأكد على ضرورة أن تكون الخطط والرؤى مبنية على حقائق الواقع، وملامسة للإشكاليات والصعوبات الراهنة، وأن تبنى على أساس علمي ومنطقي بما يلبي الاحتياجات التنموية. مشددًا على ضرورة الابتعاد عن العشوائيات، وأن تكون المقترحات والتصورات المقدمة قابلة للتنفيذ.
ودعا بن بريك كل المدراء والمسؤولين في الجهاز الإداري للدولة، وكذا المختصين والمهتمين للمساهمة في تشخيص الوضع الحالي والنظرة المستقبلية القريبة لأربع أو خمس سنوات مقبلة، ووضع مقترحات وتصورات عاجلة لمعالجات الإشكاليات والصعوبات الماثلة حاليًا في مختلف مجالات الخدمات، وبحيث تكون هذه المعالجات قابلة للتنفيذ.
وكان المحافظ وجه وكيل المحافظة لشؤون الوادي والصحراء بإعداد خطط مماثلة بالتنسيق مع المختصين في فرعي جامعتي حضرموت والأحقاف تتناسب مع اختصاصات الوادي والصحراء لتضم ضمن خطة موحدة للمحافظة تشمل على جميع الاحتياجات والمشاريع، بما يسهم التسويق لها والبحث عن مصادر للتمويل.
وفي اللقاء الذي شهدته مدينة المكلا تحدث عدد من المشاركين من المسؤولين والخبراء وأساتذة جامعة حضرموت حول أهمية تعزيز الشراكة والعمل بصورة جادة وعملية في تحقيق المشروعات التي تلبي احتياجات التنمية والمواطنين، مؤكدين على ضرورة أن توضع الخطط والبرامج التي يمكن أن تنفذ على الواقع، وحسب الاحتياج الفعلي، والابتعاد عن التفكير النمطي، والاستفادة من التجارب والخبرات السابقة في هذا المجال، على أن يكون الإبداع والتجديد هو المقياس الحقيقي في وضع الخطط، وتحقيق النجاحات والاهتمام بجوانب التدريب وبناء القدرات.
وتمخض اللقاء المحلي عن تشكيل لجنة تحضيرية للورشة برئاسة محافظ حضرموت وعضوية كل من الدكتور عبد القادر بايزيد، والدكتور صالح عرم، والمهندس عوض بن هامل، والمهندس سالم باحكيم، والمحامي عبد الله العبد، والإعلامي سالم الحمومي، والدكتور محمد باطويح، والدكتور علي باطرفي، والدكتورة أحلام بن بريك، وعمر الأشولي، واختيار نبهان بن نبهان سكرتيرًا ومقررًا للجنة.
إلى ذلك، اطلع رئيس الوزراء على حجم الموارد الاقتصادية والإيرادات التي تصل إلى خزينة الدولة من الجمارك، والضرائب والموانئ وغيرها التي يتم توريدها إلى البنك المركزي في صنعاء.
وأكد بن دغر خلال لقائه بقصر المعاشيق جنوبي عدن، بممثلي المؤسسات المالية في عدن على أن الحكومة لن تستمر في إرسال هذه الإيرادات وغيرها إلى الميليشيات الانقلابية التي تسيطر على البنك المركزي في صنعاء الفاقد للحيادية والواقع تحت النهب، منوهًا بأن الميليشيات الانقلابية استغلت تلك الموارد في حربها على الشعب اليمني تحت مسمى المجهود الحربي.
ولفت إلى أن هذه الوضعية أدت إلى وقف إرسال مخصصات الكهرباء، وخصوصًا في محافظة عدن، مما أدى إلى حدوث أزمة لم تحدث من قبل، ومعاناة حقيقية لدى المواطن جراء الانقطاعات المتكررة بسبب عدم توفير المشتقات النفطية لمحطات التوليد. كما قامت بإيقاف النفقات التشغيلية للمستشفيات، وقطعت رواتب المدنيين والعسكريين.
وأشاد بالجهود التي تبذلها المؤسسات المالية ومدير البنك المركزي بعدن، والعمل في ظل ظروف استثنائية وأمنية صعبة، مشددًا على مضاعفة الجهود للإسهام في إنقاذ الاقتصاد اليمني من الانهيار، موضحًا أن الحكومة ستبذل كل الجهود لتوفير السيولة النقدية للبنوك. واستمع رئيس الوزراء إلى ملاحظات مسؤولي الإدارات المالية، الذين أشاروا إلى جملة ملاحظات مالية تقوم بها ميليشيات الحوثي وصالح، وحجم الأضرار التي ألحقتها بموارد الدولة، وما رافقها من عبث طال كل أوجه ومصادر التحصيل الضريبي والجمركي، وكذا الإيرادات الأخرى.
وكلف لجنة من المتخصصين في فرع البنك المركزي والجهات المالية المختصة لتقديم معالجات عاجلة في شأن الموارد والسيولة النقدية، وتحصيل الضرائب والرسوم والإيرادات، واتخاذ خطوات حقيقية للمساعدة على إنقاذ الريال، ومنع الانهيار المحتمل للعملة المحلية التي عانت من سياسات نهب خطيرة خلال العام الماضي وبعض هذا العام.
وجدد بن دغر هجومه على ما سميت بـ«الهدنة الاقتصادية»، والتي فرضتها بعض الدوائر النافذة في السياسة الاقتصادية العالمية مع بداية الأزمة، بأنها شجعت الحوثيين على التمادي في قطع الجزء الأكبر من المرتبات والمبالغ المخصصة لدعم شراء المشتقات النفطية.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.