قبل 15 عاما، كان محمد عطا، المتهم المدبر في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، وفريقه الإرهابي، يسعون بإمرة تنظيمه الإرهابي (القاعدة) إلى القيام بالعمل النوعي الكبير، بعد أن نجحوا في خطف أربع طائرات لاستهداف برجي التجارة العالمي في نيويورك، ومبنى البنتاغون، وفشل استهداف البيت الأبيض.
منهجية سار عليها تنظيم القاعدة، في سبيل بحثه عن صراع الحضارات وأرضية الحرب لاستهداف ما يسميهم بـ«الصليبيين» متبعا استراتيجية «دفع الثمن» التي يغذي بها التنظيم أتباعه تحت ذرائع واهية للقيام بالعمليات الإرهابية، والدخول في مواجهة بطرائق عدة نحو بلوغ الأهداف التي يخطط لها.
وعكس هجوم نيس في فرنسا أول من أمس، التخطيط لإيقاع أكبر عدد من القتلى بمنهجية تشابه أساليب القاعدة، في وقت لم تتبنَ أي جهة العملية الدامية التي شهدتها نيس في وقت كانت تشهد المدينة بسياحها وسكانها احتفالات الجمهورية الفرنسية بالعيد الوطني على شاطئ المدينة، لكن بصمات تنظيم داعش يحضر أيضا الذي يحاول الدخول نحو تفعيل وجوده في البلدان الأوروبية على وجه التحديد، وكانت فرنسا أكثر النازفين بينها.
شاحنة الموت في نيس، التي لا تختلف عن طائرات سبتمبر؛ تأتي بعد أيام قليلة من نشر حمزة، ابن أسامة بن لادن، تسجيلا صوتيا هدد فيها أميركا والمتحالفين معها بالانتقام، قائلا في تسجيل مطول: «سنستمر في ضربكم واستهدافكم في بلادكم وخارجها، ردا لظلمكم لأهل فلسطين وأفغانستان والشام (سوريا) والعراق واليمن والصومال وسائر بلاد الإسلام التي لم تسلم من ظلمكم».
إضافة لذلك، ترصد بعض وسائل الإعلام أن فرنسا دفعت ثمن كونها أبرز اللاعبين الغربيين خاصة من دول حلف الناتو، دفاعا عن المصالح الغربية، حيث كانت هجمات باريس نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، التي خلفت أكثر من مائة قتيل من أكثر الضربات الإرهابية الموجعة للجمهورية، وكانت مواقفها أكثر قوة في قضايا دولية وإقليمية، خاصة في الشأن السوري، وتصديها لمحاربة الإرهاب مع دول أخرى في المنطقة، في وقت تتردد الولايات المتحدة، عن علاج القضايا أو تحقيق انتصارات فيما يتعلق بقضايا «داعش» المتوغلة في سوريا والعراق، فيما جاءت باريس وفق محللين كـ«شرطي العالم» الجديد لمحاولة شغل الفراغ النسبي الذي خلفته واشنطن في الشرق الأوسط.
تنظيم القاعدة الذي كان اسمه متعاليا في خريطة الإرهاب، أصبح له تنظيم موازٍ في ذات الأهداف، وإن جمع السيئات بتأجيج الصراعات ومحاولة غربلة النسيج الاجتماعي في دول المنطقة متمثلا في «داعش» وفروخه الموجودة في سوداويات الخريطة السياسية، وتعرض تنظيم القاعدة إلى حشد دولي كبير لمحاربته واجتثاث وجوده انتهى بمقتل زعيمها أسامة بن لادن، فيما يظل «داعش»، متمددا في حواضنه مستفيدا من التردد في معالجة القضايا السياسية، بصيغ إرهابية جديدة يتمادى مستفيدا من سمومه المنتشرة عبر إعلام تقني لا يمكن السيطرة عليه.
على ذلك الصعيد، يرى، عثمان عبد الرب ماهين، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية، أن القاعدة رغم تعرضها لضربات استباقية في عدد من دول العالم، لكنها حتى بهدوئها مثيرة للقلق، ربما يتجاوز في أحيان كثيرة ظرفية الثورات العربية الحالية، التي طغى عليها حضور أسماء «جهادية» كانت عنصرا في مجموعات الثورات المزيلة لعدد من الأنظمة، مستشهدا بحادثة يناير (كانون الثاني) من العام 2015، حيث تبنى تنظيم القاعدة الهجوم على صحيفة «شارلي أيبدو» الساخرة في باريس، وقُتل فيها 12 شخصا.
ولم يستبعد ماهين، خلال اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن يكون المنهج الدموي الذي قام به منفذ اعتداء نيس، كونه ضمن أجندة تنفيذية تتبعها جماعات منتمية لتنظيم داعش، باستهداف المدنيين بالدهس ووسائل النقل، وبث القلق في نفوس المطمئنين، والتخريب ومحاولة الاغتيال، والخطف والقتل، لإيقاع الضحايا، وخلق مواجهة مجتمعية في الدول الغربية ضد الإسلام، مضيفا أنهما («القاعدة» و«داعش») في منهج واحد، منهجهم سياسي الدافع، هادفين من هكذا جرائم وتخطيط إلى تسليط الضوء الإعلامي على إجرامهم، وأنهم باقون.
البحث في العمق يكشف حقائق كثيرة، وكيف تنتشر الآيديولوجيا الدموية هو منحى آخر في كيفية تلقي تلك الأدوات التنفيذية (النشء) لأوامر القتل السهل في إطار يجهل غالب منفذيه معرفة الدوافع، لكن تربة التطرف لم يكن لها أن تنمو فيها بذور النار دون ماء الفتاوى الشاذة وتأويلات النصوص عبر عدد من الكتب التي أفرزها التراث الإسلامي لرموز عاشوا تقلبات من حياتهم وتشكلوا رموزا للقتل والتحريض.
وترى دراسة طرحتها كلية شؤون الأمن الدولي بجامعة جورج تاون الأميركية، أن القاعدة خسرت في كل مكان بمواجهة «داعش»، باستثناء منطقة الساحل جنوب الصحراء الأفريقية، مفندة الدراسة أن هذا التراجع مرتبط بعمل القاعدة بعيد الأمد في ركوب موجة الاحتجاجات في العالم العربي، في حين أن زعيم «داعش» البغدادي يرغب وتنظيمه في استدامة الحوادث صغيرها وكبيرها.
فيما يعملان («القاعدة» و«داعش») على جذب صغار السن، في محيط الإرهاب ووحله، تستهدفهم «داعش» وغيرها، في موجة ما بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وما أفرزته ارتدادات الثورات العربية، متخذة اتجاها في تقليل أعداد منتسبيها المغادرين بلادهم نفيرا للجهاد المزعوم، وأصبحت تتخذ مسارا في تكوين خلايا داخل بلادها منفردة أو جماعية، للقيام بأعمال إرهابية تجاه مواقع دينية وأمنية، بل اتضح أن سعيهم ليس ردا على جرائم الحشد الشعبي في العراق، واستهداف الشيعة في الخليج، بل زادت باستهداف وتهديد أمن المساجد، وقتل رجال الأمن الذين يرونهم في تصنيفاتهم منافقين ومرتدين وفقا لمرجعيات دينية يُنزلونها في غير مواضعها.
ويعتقد مراقبون أن فرنسا تواجه توسعا في ظاهرة التشدد الديني على أراضيها أكثر من أي وقت سابق عبر تنامي موجة السفر للجهاد في سوريا، رغم استصدارها تشريعات تعتبر الأكثر صرامة في العالم، وتم تشديدها في، نوفمبر الماضي، ولعل أبرزها سحب جواز السفر من المشتبه فيه.
وذكرت مجموعة «صوفان» للدراسات المختصة بالشؤون الأمنية، أن أعداد منتمي «داعش» من الأجانب بلغ هذا في عام 2015 نحو 30 ألف، فيما كان عددهم 12 ألف في العام الماضي 2014، وأن مقاتلي «داعش» في العراق وسوريا، جاءوا من 86 بلدا مختلفا، لافتة إلى أن هذه الأرقام أثبتت فشل الجهود المبذولة في السيطرة على التنظيم. وأوضحت المجموعة أن «داعش» نجح في تجنيد كثير من العناصر في مختلف دول العالم.
واعتبرت في تقرير لاحق أصدرته في مارس (آذار) من العام الماضي، أن تنظيم القاعدة يحاول استعادة مكانته في ظل تنامي تنظيم داعش، معتمدا حاليا على استراتيجية «تزاوج بين المعارك الميدانية في مناطق نفوذه، والهجمات في دول أجنبية»، وتحظى بفرصة الانطلاقة في غرب أفريقيا كمنطقة مهمة من العالم يمكنها فيها التفوق على النفوذ المنافس لتنظيم داعش، وتعد مهددا للأمن في بعض دول أوروبا، ورأت أن القاعدة تتيح لعناصرها «كسب الدعاية التي تساعده في الحفاظ على تأثيره في مناطق أخرى في شمال أفريقيا أو شرقها»، خوفا من فقدان المبادرة لصالح تنظيم داعش.
وعلق عثمان ماهين، على ذلك أن المرحلة الحالية تثبت أن التنظيمين في إطار عملهما لـ«المواجهة الشاملة» وفق آيديولوجيتهما الساعية إلى الدخول في مواجهة «الكفار» أملا في الظفر بمبدأ واهٍ وهو «الخلافة الإسلامية»، معتبرا أنها مرحلة خيالية، لأن «القاعدة» فشلت في مناطق: أفغانستان، والعراق، والصومال، واليمن، ومالي، وذلك بسبب الوحشية والأوهام المضللة والمقاومة المحلية، علاوة على القوة الدولية الأمنية في تطويقها، وهو ما يراه في تنظيم داعش.
هذا في وقت تتمحور ضربات «داعش» لمحاولة جر البلدان المدنية نحو صراع اجتماعي، وتنمية الطائفية، مع تردد دولي وصمت حيال إرهاب الحشد الشعبي والنظام السوري، وهي أنظمة وفق حديثه نمت الصراع الطائفي وجسدتها بكثافة عبر خطابها الإعلامي.
الإرهاب.. من طائرات 11 سبتمبر إلى شاحنة نيس
عملية نوعية تهدف إلى الاستقطاب والنصر الوجودي
الإرهاب.. من طائرات 11 سبتمبر إلى شاحنة نيس
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

