الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

تصاميم رومانسية.. خطوط أنثوية وهروب من الواقع.. عنوان الـ«هوت كوتير» للخريف والشتاء المقبلين

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع
TT

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

الموضة والسياسة: 2017.. عام المرأة بلا منازع

في موسم تحول فيه الكل في باريس إلى محللين سياسيين، لا حديث لهم سوى عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وتبعات هذا الخروج على الحياة عموما والموضة خصوصا، أكد المصممون، كما أكدت بريطانيا، أن الأعوام القادمة ستكون للمرأة.
بريطانيا قالت كلمتها باختيارها امرأة لمنصب رئيس الوزراء لأول مرة منذ ثاتشر. فبعد منافسة بين وزيرة الدولة للطاقة أندريا ليدسوم، ووزيرة الداخلية تيريزا ماي، على زعامة حزب المحافظين البريطاني ومن ثم رئاسة الوزراء، كان الفوز من نصيب ماي. أما الموضة فعبرت عن الأمر باحتفالها بالأنوثة من خلال أزياء رومانسية تفوح من جوانبها رائحة التفاؤل، أو بالأحرى الرغبة في إلغاء كل ما يتعلق بالواقع، من تراجع الاقتصاد إلى العمليات الإرهابية التي تهز العالم. كانت هناك أيضًا عودة إلى الماضي البعيد، لأنه بالنسبة لهم أضمن من الحاضر والمستقبل، خصوصًا وأنهم يعرفون ما يتوقعونه منه. وبالفعل، بدءا من «ديور»، و«أتولييه فرساتشي»، و«أرماني بريفيه»، و«رالف أند روسو»، إلى «جيامباتيستا فالي» و«إيلي صعب» وغيرهم، تحولت عروض باريس إلى شبه واحة للهروب، ليس من الواقع الحزين بكل مشكلاته وتعقيداته فحسب، بل أيضًا من الموضة «السبور» الدارجة حاليًا. فأغلب المصممين وظفوا خيالهم في التفصيل والعودة إلى الزمن الجميل، حين كانت المرأة تحتفل بأنوثتها على الملأ، من دون خوف أن يدينها العالم على بذخها وإسرافها. ورغم أن دماء الإمبراطورة ماري أنطوانيت، التي جسدت هذا البذخ في القرن الثامن عشر، لا تجري في عروق زبونة الـ«هوت كوتير» المعاصرة، إلا أنها لا تختلف عنها في عشقها للموضة وتوقها للتفرد. هذه الزبونة تتميز أيضًا بالقوة، سواء من ناحية شخصيتها أو قدرتها المالية، وتأتي باريس في هذا الموسم خصيصا لتنتقي فساتين لا مثيل لها، بغض النظر عن أسعارها. وهذا يعني أنها لا تريدها بتصاميم أو خامات تأخذ بعين الاعتبار الأحوال الاقتصادية المتردية، كما لا تريدها أن تعكس ثقافة الشارع والواقع، بل تريدها أن تحلق بها عاليًا وتحقق أحلامها، وبالتالي تتوقع فساتين تحاكي التحف، لا يبخل عليها المصممون بشيء، سواء تطلبت هذه الفساتين تنورات مستديرة أو بذيول طويلة تليق بالقصور والمناسبات الكبيرة. والحقيقة أن كل المصممين، ودون استثناء، اجتهدوا أن لا يخيبوا آمال هذه المرأة وتوقعاتها، ونجحوا بنسب مختلفة. فقد غاب الأسلوب الـ«سبور» الدارج حاليا في شوارع الموضة العالمية، وحلت محله تصاميم تستحضر الخمسينات من القرن الماضي، حين تمرد أمثال كريستيان ديور على تقشف الحرب العالمية الثانية وأعادوا للمرأة أنوثتها المسروقة، من خلال تحف يستغرق تنفيذها آلاف الساعات وتتطلب أمتارا طويلة من أقمشة مترفة تبرر أسعارها التي قد تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
إضافة إلى تأثير الخمسينات من القرن الماضي، عاد بعضهم إلى ماري أنطوانيت، وبعضهم الآخر إلى العهد الإليزابيثي، مثل «فالنتينو»، وجيامباتيستا فالي، وأليكسي مابيل، والثنائي «فيكتور أند رولف»، حيث كانت هنا الكثير من التنورات المستديرة بأحجام مبالغ فيه أحيانًا، كما كان هناك كم سخي من الياقات العالية والأكمام ذات الكشاكش. جون غاليانو أيضًا عاد بأنظاره إلى الماضي، وتحديدا إلى عهد نابليون بونابرت، وقدم لـ«ميزون مارجيلا» تشكيلة ثورية بكل معنى الكلمة، الأمر الذي يؤكد أنه بدأ يتأقلم مع دوره الجديدة في الدار، التي كانت قبله تميل إلى الاختبارات والتجارب أكثر من السريالية والدراما.
من اليوم الأول للأسبوع، وفي عرض «أتوليته فرساتشي» تأكد هذا الحنين إلى الماضي. فقد قدمت دوناتيلا فرساتشي قطعا متنوعة، تتباين بين فساتين السهرة ومعاطف للنهار، تضج بالإثارة والأنوثة وأيضًا بالحرفية وكأن المصممة تريد أن تنأى بنفسها عن الاستسهال. في اليوم التالي قدمت «ديور» أيضًا تشكيلة، رغم بساطتها، تصب في خانة السهل الممتنع، والسبب أن المصممين، لوسي ماير وسيرج ريفيو، يعرفان أنهما مؤقتان وبأن هذه آخر تشكيلة سيقدمانها للدار قبل أن تتسلم ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «فالنتينو» سابقًا، المشعل منهما. الفصل الذي كتباها كان واضحًا وبسيطًا بالأبيض والأسود فقط، ولم يضعا في آخره نقطة النهاية. فهما يعرفان جيدًا أن الفصل القادم سيكون مهمًا في تاريخ الدار، كون ماريا غراتزا ستكون أول مصممة تدخل «ديور» منذ تأسيسها في الأربعينات من القرن الماضي.
المصمم إيلي صعب ينجح دائما في أن يُهدي المرأة ما تطلبه وتحلم به، بحكم باعه الطويل مع الأنوثة الرومانسية من جهة، وعلاقته بهذه المرأة من جهة أخرى. فهو يفهمها جيدًا ويعرف أحيانًا ما تريد قبل أن تعرفه هي أحيانًا. ديكور القاعة الواقعة في «شارع غامبون»، كان بسيطًا لكن بدلالات كبيرة. فهو يعكس مدينة نيويورك، وتحديدا بنايات مانهاتن و«غرايزلر»، وهو ما تجسد في الأحجام والطيات وأيضًا في موتيفات ظهرت في مجموعة من الفساتين استهل بها عرضا لم يكن ينقصه سوى أغنية «نيو يورك نيو يورك» الشهيرة لفرانك سيناترا حتى تكتمل الرسالة. والرسالة هنا ليس إعجاب المصمم بالمدينة وإيقاعها فحسب، بل أيضًا نيته افتتاح محل كبير بماديسون سكواير، بحلول عام 2017، الأمر الذي يؤكد أن لا شيء يحدث في عالم الموضة اعتباطًا ودون دراسة مسبقة. بدأ العرض وتوالت الفساتين والاقتراحات، لنتبين أن وصفته الناجحة واللذيذة لم تتغير، وأن كل ما في الأمر أنها اكتسبت قوة وديناميكية، لمسناها في تشكيلاته السابقة لكن جرعتها زادت فخامة هذه المرة. كانت أيضًا أكثر جرأة، سواء من ناحية سخاء التطريزات التي غطت، في بعض الأحيان، فساتين بالكامل، وجاء أغلبها على شكل ورود ثلاثية الأبعاد، أو من ناحية الأقمشة الكلاسيكية مثل الحرير والتول والمخمل الذي عانق الجسم مع طيات أو فتحات هنا وهناك. الألوان أيضًا كانت لافتة، لأن إيلي صعب كان يركز في السابق، على لون واحد في كل إطلالة يضخه بالتطريزات الغنية بالخرز والترتر والأحجار، بينما كانت الألوان هنا متداخلة مع بعض. كلما زادت جرأتها، تشعر كما لو أنها كانت بمثابة اكتشاف بالنسبة للمصمم، وبأنه استحلى عذوبتها وهي تتماوج أو تتداخل مع بعض، فظل يزيد من جرعتها بالتدريج.
لم يكتف إيلي صعب برومانسية الألوان والأقمشة ولا أنثوية الخطوط والتطريزات التي غلبت عليها الورود، بل أضاف جديدا، يعرف بحسه التجاري أنه سيلمس وترا حساسا بداخل كل امرأة. هذه الإضافة جاءت على شكل مجموعة فساتين للأطفال تخاطب مناسبات الأعراس والأفراح.
لا شك أن الأمر كان سيبدو محاولة تجارية ساذجة، لكن المصمم يعرف ذلك جيدًا، ولا يمكن أن يخطر بباله أن يقوم بخطوة لها تبعات سلبية، كما أنه من الصعب اتهامه بالسذاجة أو الاستسهال لتحقيق الربح. فكل خطوة يقوم بها تكون مدروسة من كل الجوانب. ما يشفع له أن هذه المجموعة الصغيرة جمعت في عمقها الأناقة وظاهرها البراءة. ثم أنه لم يكن يحتاج لعرضها أمام الحضور، حتى يصل إلى قلوب زبوناته، وهن كُثر، لأن المتعارف عليه أن أغلبية زبونات الـ«هوت كوتير» تطلبن أزياء خاصة لأطفالهن للمناسبات الخاصة، لكن وراء الكواليس.
في عرض «أتولييه أرماني» لا يمكن لأحد أن يتهم المخضرم جيورجيو أرماني بالرومانسية أو الدراما على حساب الأناقة العصرية. فهو يعتمد دائما على مكمن قوته، وهو التفصيل الدقيق والمحسوب من الأكتاف العالية إلى البنطلونات المستقيمة أو الفساتين المحددة على الجسم. لهذا ليس غريبا أن يفتتح عرضه بتايور، مكون من جاكيت وبنطلون، مستوحى من خزانة الرجل بأكتاف عالية وأقمشة أنثوية، تلمع حينا وتتطاير حينا آخر، قبل أن يتسلل المخمل للفساتين الموجهة للمساء والسهرة. لم تكن هناك أي مبالغات أو تفاصيل لا تحتاجها المرأة، بل العكس كل غرزة وكل طية مدروسة وتتمركز في جزء استراتيجي، سواء كان الخصر أو الأكتاف أو الصدر، مع لعب على الأقمشة التي مزجها في الإطلالة الواحدة. مثلا كان هناك جاكيت من الساتان الأسود مع تنورة من نفس اللون من المخمل بفتحة جانبية. نفس الفكرة تكررت في اقتراحات أخرى، ركز فيها على درجات ألوان هادئة مثل الأبيض اللؤلؤي، والوردي الفاتح والأزرق السماوي. كانت العارضات يتخايلن على وقع نغمات موسيقية أوبرالية، تجعلك تسبح في عالم ساحر يتأرجح بين الخيال والواقع، لتستفيق منه على صوت تصفيق عال، عندما تطل عارضة في فستان من المخمل الأسود وقبعة مثيرة تغطي مجموعة الرأس وتتدلى منها ستارة خفيفة من التول المطرز لتغطي نصف الوجه. هذه القبعة قد تكون عملة ذهبية في يد جيورجيو أرماني، لأنها تلعب على مشاعر متعددة وتخاطب ثقافات مختلفة.
نفس الشيء يمكن أن يقال عن تشكيلة الثنائي «رالف أند روسو» التي لعبت هي الأخرى على المشاعر، لا سيما الحنين إلى الزمن الجميل. ما قدماه في الأسبوع الماضي هو سادس عرض لهما في برنامج أسبوع الـ«هوت كوتير» الرسمي بباريس. قبل ذلك، لم يكن يعرف بالماركة، سوى قلة من الناس، إلا أن اسم «رالف أند روسو» سرعان ما فرض نفسه على ساحة الموضة وأصبح لصيقًا اليوم بالأناقة الراقية. عندما اختيرا للمشاركة في الأسبوع، منذ ثلاث سنوات تقريبًا، عبرا عن رغبتهما في إعادة الحلم إلى المرأة، وهذا ما نجحا فيه لحد الآن، بعودتهما دائما إلى الخمسينات والسبعينات هذه المرة. لم تتغير استراتيجيتهما لكنهما يعرفان أن الأزمة الاقتصادية تعني المزيد من الاجتهاد لشد انتباه المرأة وكسب ودها، الأمر الذي يُفسر سخاءهما في التطريز وغرفهما من الطبيعة المتفتحة، إلى حد جعل الكثير من الفساتين والتنورات والبنطلونات المستقيمة تبدو وكأنها لوحات فنية متحركة. كل أنواع التطريزات استعملت هنا، من الترصيع بأحجار الكريستال والزجاج واللؤلؤ إلى تطريزات الورود ثلاثية الأبعاد، إضافة إلى الريش. بعض هذه الفساتين، تطلبت مهارة نحو 20 حرفية وآلاف الساعات لإنهائها بالمستوى المطلوب.
مثل إيلي صعب وجيورجيو أرماني وغيرهما، تعرف تمارا رالف ومايكل روسو بأن الموسم قد يكون خاصا بأزياء الـ«هوت كوتير» وأجمل المناسبات، لكن لا بأس من بعض الإكسسوارات لإكمال الصورة، لهذا قدما مجموعة من حقائب يد مع أحذية وقبعات رأس يُمكن أن تُدخل شريحة أوسع، نادي ال«هوت كوتير» النخبوي.
إذا كان الأغلبية هربوا من الواقع إلى الماضي، القريب والبعيد، فإن جون بول غوتييه، فضل الهروب إلى الطبيعة، من خلال تشكيلة لعبت فيها الألوان دورا مهما، بدءا من الأخضر الغامق إلى البني المستوحى من الأخشاب. لم يكن العرض مسرحيًا كعهدنا به ولا بشقاوة أيام زمان، بل كان هادئا ركز فيه على الأزياء أولا وأخيرا، والتصاميم التي تحتفل بمقاييس أنثوية للمرأة، بتركيزه على تحديد الخصر وإبراز منطقة الصدر. رغم أن كل ما قدمه يشي بحرفيته وخياله الخصب، فإن العرض افتقد حرارة أيام زمان عندما كان الحضور يخرجون وشعور بالنشوة يغمرهم.. النتيجة أن التشكيلة كانت متقنة وليس فيها ما يُعيبها، كما أنها ستروق حتمًا للطبقات الأوروبية البورجوازية، إلا أنها تفتقد إلى الإبهار وذلك العنصر الحيوي الذي يجعلها تتميز عما تم تقديمه طوال الأسبوع.
فشقي الموضة الفرنسية، كما يُلقب في أوساط الموضة، اكتوى بالأزمة منذ بضع سنوات، إلى حد أنه أوقف خطه الخاص بالأزياء الجاهزة مُبقيًا على خط الـ«هوت كوتير» فقط. وربما هذا ما جعلنا نتوقع أن يُقدم أفكارا جديدة وجريئة في الوقت ذاته، لكن العكس حدث، حيث ركز على ما يُتقنه ويعرفه جيدًا، وكأنه خائف أن يخض المتعارف عليه ويفقد زبوناته المخلصات، لا سيما وأن استقطاب زبونات جديدات ليس مضمونًا مائة في المائة في ظل الأوضاع الحالية. المؤسف أن اسم جون بول غوتييه مترسخ في الذهن على أنه مصمم شقي يميل إلى تكسير التابوهات، لهذا فإن ما قدمه مؤخرًا يشير إلى أنه، بعد أكثر من 35 عامًا من الجرأة، أصبح يتوخى السلامة، وهو ما يمكن أن يقتل الإبداع على المدى البعيد.
جيامباتيستا فالي، مثل جون بول غوتييه، احتمى بالطبيعة، لكنه على العكس من غوتييه قدم جديدًا واختار حديقة غناء تتفتح فيها الورود بشتى الألوان، وتنسدل على الجسم بخفة وخطوط تلعب على دراما من نوع خفي وهادئ. إلى جانب الألوان والطبيعة، عاد المصمم إلى الأحجام التي يمكن القول إنها ماركته المسجلة، وخفف من مبالغاتها بطرحه فساتين «بايبي دول» وأخرى مستوحاة من الخمسينات بأكمام منفوخة. في البداية قدم مجموعة باللون الأبيض تعبق بالأنوثة رغم إيحاءاتها التجريدية، سرعان ما تطورت إلى فساتين طويلة من الحرير وأخرى من الموسلين بكشاكش وأكمام وكأنها بالونات أحيانًا، بألوان الأبيض، والأسود، والأزرق السماوي مع زخات من الأحمر. استعمل أيضًا الفرو، بعد أن جعله بخفة وملمس الحرير وطرزه بسخاء. بيد أن ما نجح فيه المصمم فالي أنه مزج إيحاءات تاريخية بتفاصيل عصرية منحت كل قطعة تفردًا وفنية تروق لزبوناته الشابات. وحتى يُذكرهن بالسبب الذي جعلهن يعشقن تصاميمه منذ بدايته، أنهى عرضه بثلاث فساتين ضخمة لعب فيها على الدراما والأحجام اللافتة.



كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.