تحاول الحكومة الإيطالية احتواء أزمة البنوك التي تتفاقم يومًا بعد يوم، من خلال ضخ مليارات من اليوروات من أموال دافعي الضرائب في المصارف المتأزمة؛ ولكن هذا ما أراد استبعاد حدوثه صناع القرار السياسي عقب الأزمة المالية عام 2008.
وتشير الموازنات الرسمية للبنوك الإيطالية إلى أن هذه البنوك تعاني من نحو 360 مليار يورو (397 مليار دولار) ديون متراكمة شبه معدومة؛ أي ما يعادل ثلث الديون المشكوك في إمكانية تحصيلها في منطقة اليورو كلها.
وتجد البنوك الإيطالية صعوبة في استرداد واحد من كل خمسة قروض؛ ما يعني أن خمس القروض في إيطاليا معرض للضياع. وربما لم يكن هذا هو الحجم الحقيقي للخطر، حيث إن البنوك في إيطاليا لا تسترد الكثير من القروض لدى عملائها بسبب سياسة الفائدة الصفرية، ولا تستطيع التخلص من هذه الديون ببساطة وهو ما يعني إمكانية أن تؤدي هذه القروض إلى خسائر عالية لا تملك رأسمال يكفي لتغطيتها.
وأثرت الأزمة الاقتصادية الطويلة بشدة على الاقتصاد الإيطالي وبنوكه، لكن يضاف لذلك أيضًا مشاكل تسببت فيها البنوك نفسها مثل مشكلة الإفراط في منح القروض بشروط متساهلة.
كما أن قطاع البنوك في إيطاليا لا يزال منقسما بشدة وقليل الفعالية، وذلك في ظل تقاعس صناع القرار السياسي – طويلاً - عن اتخاذ الإصلاحات اللازمة مثل إصلاح قانون الإفلاس، واندماج البنوك. وفقًا لوكالة الأنباء الألمانية.
وتعتزم حكومة روما برئاسة ماتيو رينزي ضخ مليارات اليوروات لهذه البنوك. وتجد دعمًا في هذا الاتجاه من جانب المؤسسات المالية، حيث قال فيليب هيلدبراند، نائب رئيس شركة بلاك روك، أكبر شركة إدارة أموال في العالم: «أنا على قناعة تامة من أن على إيطاليا الآن إعادة رسملة بنوكها لتجنب وقوع الأسوأ».
ويرى هيلدبراند أنه «إذا تركت الحكومة البنوك الإيطالية الكبيرة تفلس فإن ذلك سيكون له تأثير معدٍ على البنوك في جميع أوروبا».
ومن المعروف أن البنوك الألمانية على سبيل المثال لديها عشرات المليارات من اليوروات في إيطاليا وحدها كما أن هناك بنوكا ضعيفة أيضًا في دول أوروبية أخرى، على سبيل المثال في اليونان والبرتغال.
من جانبها، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنها لا تعتقد أن المشاكل المالية التي يعاني منها قطاع البنوك في إيطاليا يمكن أن تسبب أزمة بنوك على المستوى الأوروبي. وأكدت أمس الثلاثاء في برلين أنها لا ترى «تطورًا محفوفًا بالمخاطر بشكل إجمالي».
وأشارت ميركل إلى المحادثات الحالية بين روما وبروكسل بشأن هذه المشكلة وكذلك للقاء وزراء مالية الاتحاد الأوروبي، وقالت: «أنا على قناعة شديدة بإمكانية حل القضايا الواجب البت فيها بشكل جيد».
وتوقع وزير المالية الهولندي ورئيس مجموعة اليورو، يروين ديسلبروم، حل مشكلة البنوك الإيطالية المتعثرة وقال قبل اجتماع وزراء المالية: «لدي ثقة كاملة بأن الحكومة الإيطالية ستجد طريقًا لحل المشكلة التي تعاني منها بعض البنوك وذلك في إطار قواعد الاتحاد الأوروبي».
وأبدى وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله اعتراضه على اعتماد مساعدات استثنائية للبنوك الإيطالية المتأزمة قائلاً عقب لقاء وزراء مالية دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل أمس الثلاثاء، إنه لن تكون هناك استثناءات لهذه البنوك من القواعد الأوروبية.
ورأى شويبله أن «القواعد تتضمن مساحة كافية لاتخاذ القرارات الصحيحة» ولكنه شدد على ضرورة انتظار نتائج اختبار «الإجهاد المصرفي» أولاً والمقرر صدوره أواخر يوليو (تموز) الحالي.
في هذا الإطار، حث صندوق النقد الدولي حكومة روما على الإسراع في إصلاح بنوكها المنهكة وقال في التقرير الحالي الخاص بإيطاليا إن إصلاح قطاع المال أمر حاسم لتحقيق الاستقرار ودعم انتعاش الاقتصاد.
كما جاء في التقرير أنه سيكون من الصعب على البنوك وفي ضوء ضعف النمو الاقتصادي حل مشكلة قروضها في فترة مناسبة اعتمادا على ذاتها «مما يدل على أنه سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات إضافية».
ويرفض الاتحاد الأوروبي اللجوء للأموال العامة لدعم البنوك المتأزمة. وكان ديسلبروم قد أبدى على هامش لقاء وزراء مالية مجموعة اليورو أمس اعتراضه على اعتماد برنامج إنقاذ بالمليارات من أموال دافعي الضرائب، وقال إنه من الضروري أن تحل البنوك مشاكلها بنفسها.
ودعا صندوق النقد الدولي إيطاليا إلى المضي قدما في تنفيذ الإصلاحات لدرء خطر أزمة مصرفية وضمان استمرار زخم النمو الاقتصادي في البلاد.
وقال صندوق النقد الدولي، إنه ينبغي على إيطاليا صاحبة ثالث أكبر اقتصاد في منطقة اليورو أن تحقق نموًا بنسبة 1.1 في المائة هذا العام قبل أن تتسارع وتيرة النسبة إلى 1.3 في المائة في 2017 مع هبوط معدل البطالة وتراجع مستويات الدين.
وكان الاقتصاد الإيطالي قد حقق نموًا بنسبة 0.8 في المائة في 2015. بعد أن خرج من أطول فترة ركود منذ الحرب العالمية الثانية.
وكتب صندوق النقد الدولي يقول إن «إيطاليا تتعافى من ركود طال أمده بدعم من السياسات النقدية والمالية القادرة على التكيف وأسعار السلع المناسبة وتحسن الثقة على خلفية جهود الإصلاح واسعة النطاق من جانب السلطات».
لكن الصندوق حذر من أنه «على الجانب السلبي هناك مخاطر بينها التقلبات في السوق المالية وزيادة عدد اللاجئين والاتجاهات المعاكسة جراء التباطؤ في التجارة العالمية».
وأثنى صندوق النقد على جهود الإصلاح التي يقوم بها رئيس الوزراء ماتيو رينزي خاصة في التعامل مع البنوك المتعثرة في البلاد في ظل قروض معدومة قيمتها الإجمالية 360 مليار يورو (397 مليار دولار).
على صعيد آخر، أكد وزراء مالية الاتحاد الأوروبي أمس الثلاثاء أن البرتغال وإسبانيا أخفقا في اتخاذ إجراء فعال لخفض نسبة عجز موازنتهما، وأمهلوا الدولتين عشرة أيام لإيضاح أسباب لعدم فرض غرامات بحقهما.
وقال الوزراء في بيان مشترك إن جهود البرتغال وإسبانيا النقدية «أقل بكثير من الموصى به» من قبل الاتحاد الأوروبي.
ويشار إلى أنه يتعين على دول منطقة اليورو أن تقتصر نسبة عجز موازنتها على 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وكان من المقرر أن تصل البرتغال لهذا الهدف العام الماضي، في حين أمام إسبانيا حتى نهاية 2016 لتحقيق هذا الهدف، ولكنها بعيدة عنه.
في المقابل، قال صندوق النقد الدولي في تقريره السنوي عن فرنسا، أمس، إنه من المقرر أن ينمو الاقتصاد الفرنسي بفضل الإنفاق القوي، ولكن ما زال انخفاض الصادرات وارتفاع معدل البطالة يعملان على عرقلة التعافي. وقد لعب الاستثمار الدوري دورًا في التوقع بنمو الاقتصاد الفرنسي بنسبة 1.5 في المائة هذا العام، ولكن التحديات الهيكلية، خاصة في مجال التوظيف، ما زالت قائمة.
وأضاف الصندوق أن هناك حاجة لزيادة الإنفاق الحكومي الكفء ودفع إيجاد وظائف في القطاع الخاص من أجل تحقيق استقرار انتعاش الاقتصاد الفرنسي على المدى المتوسط.
وأشاد الصندوق بجهود الإصلاح التي تقودها الحكومة الفرنسية، بما في ذلك الإصلاحات العمالية التي أثارت إضرابات واحتجاجات في أنحاء فرنسا طوال أشهر.
وعلى الرغم من التحذير من زيادة الغموض بسبب قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، توقع الصندوق انخفاض معدل البطالة وتحسين نسبة عجز الموازنة في فرنسا خلال عام 2017.
قبل الإفلاس.. هل حان الوقت لإعادة «رسملة» البنوك الإيطالية؟
397 مليار دولار ديون متراكمة شبه معدومة
مدخل بنك مونتي دي باشي دي سيينا في إيطاليا وهو أقدم المصارف العاملة في العالم (رويترز)
قبل الإفلاس.. هل حان الوقت لإعادة «رسملة» البنوك الإيطالية؟
مدخل بنك مونتي دي باشي دي سيينا في إيطاليا وهو أقدم المصارف العاملة في العالم (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
