من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي
TT

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

من التاريخ: رجل الدولة الأيوبي

لقد كان من الصعب أن يُحسم أمر الحروب الصليبية دون مشاركة مصرية فعالة، فمصر كانت المسرح الثاني لهذه الحملات، وفي اللاحق القريب أصبحت المسرح الأول، فأخذت على عاتقها عبء الدفاع عن الأمة الإسلامية، وهو أمر طبيعي؛ إذ إن مملكة نور الدين محمود بن عماد الدين زنكي على الرغم من قوتها، فإنها كانت تفتقر إلى الاستمرارية والتجانس الجغرافي والسياسي النسبي، فقد كانت عبارة عن مدن متناثرة غير مرتبطة بفكر موحد بالضرورة أو شعور بهوية مشتركة، فكانت دائما تعتمد على القائد في ذلك؛ فالدمشقي لا تربطه بالموصلي أو الحيفوي أو العكَّاوي إلا رابطة الحاكم الواحد، بل إن بعضهم آثر التحالف مع الصليبيين على الدخول في مملكة نور الدين محمود ووالده عماد الدين من قبله.
ولقد سعى الصليبيون إلى احتلال مصر في العديد من المرات، ولكن جهودهم كانت تفشل؛ تارة لصمود الشعب المصري، وتارة أخرى لأسباب تتعلق بموافقة الخليفة الفاطمي على دفع الجزية لهم. وعلى كل حال، بدأت أحوال الدولة المصرية تضطرب تدريجيا، وبات واضحا أن الخلافة الفاطمية على فراش الموت تحتضر بعدما صارت الأمور في أيدي وزرائها، وكان أشهرهم الوزيران شاور وضرغام، اللذان تنافسا على منصب رئيس وزراء مصر، وقد ملك الأول هذا المنصب وبدأ يكيد لضرغام، ولكن الأخير استطاع أن يحاصره بدعم من الصليبيين، ففر شاور إلى السلطان نور الدين محمود في الشام، مطالبا إياه بأن يرسل جيشا لمصر يسانده في منع وقوع هذه الدولة المهمة في براثن الفوضى، خاصة بعدما سعى ضرغام للتحالف مع الصليبيين لضمان منصبه. ويقال إن الخليفة الفاطمي أرسل رسالة للسلطان محمود تضمنت قصاصات من شعر بناته، وكتب عليها: «أدركني واستنقذ نسائي من أيدي الفرنج». وقد وافق الخليفة الفاطمي على شروط نور الدين محمود مقابل هذا الدعم، المتمثلة في دفع مصر ثلث خراجها، وتحملها تكلفة إرسال القوة العسكرية المطلوبة، وهو ما تم بالفعل. وقد أرسل نورُ الدين أسدَ الدين شيركوه وبصحبته ابن أخيه صلاح الدين، وأعيد منصب رئيس الوزراء لشاور بتفويض من الحاكم الشرعي الخليفة الفاطمي العاضد بعدما تخلص من رئيس الوزراء ضرغام ورمى جثته للكلاب بسبب خيانته.
ولم تكن مصر صيدا سهلا لنور الدين أو الملك عموري ملك بيت المقدس، فلقد دخل الاثنان في صراع مباشر على مصر، فخاضا خمس جولات من الصراع بينهما، وفي كل مرة يتفقان على الخروج من مصر بقواتهما وإعادة الدولة للخليفة العاضد ورئيس وزرائه ضرغام الذي أصبح المسيطر على الأوضاع في مصر، ولكن ميوله لصالح الصليبيين بدأت تظهر تدريجيا، فلقد كان يدرك أن الصليبيين ليست لهم شرعية ليحكموا مصر من خلالها، ولكن نور الدين يستطيع أن يمثل سلطة شرعية يقبلها المصريون، بالتالي، فهو أشد خطرا عليه من الصليبيين، فآثر اللعب لصالح الصليبيين على الانضمام لنور الدين. وما كان من الخليفة الفاطمي الشاب إلا الرضوخ لسياسة رئيس وزرائه، الذي فرض عليه التحالف مع الصليبيين، ولكن هذا التحالف لم يدم طويلا؛ حيث سعى الملك عموري، على غير رغبة ضرغام، لمحاولة الاستيلاء على مصر بحملة كبيرة دخلت إلى مدينة بلبيس واستباحتها بالكامل، فزاد عناد المصريين لمقاومة هؤلاء المحتلين، واضطر ضرغام لتغيير ولائه مؤقتا، فطلب دعم نور الدين محمود، فجاءت الحملة مرة أخرى على عجالة لتقف أمام سقوط مصر في أيدي الصليبيين، وهنا قرر ضرغام حرق مدينة الفسطاط من أجل منع الصليبيين من الاستيلاء عليها، وهي فعلة لم ينسها المصريون له رغم الضرورة الاستراتيجية لذلك من وجهة نظره، تماما مثلما لم ينسوا خيانته وتواطئه مع الصليبين. وقد انتهت الحملة الصليبية بانسحابها من مصر عام 1167، وقام صلاح الدين بقتل ضرغام بنفسه جزاء ما اقترفت يداه، وقام الخليفة المغلوب على أمره بتعيين أسد الدين شيركوه رئيسا لوزراء مصر.
يبرز هنا مرة أخرى الموت بوصفه عنصرا حاسما في تاريخ مصر، تماما كما حدث لصالح محمد علي بعدها بستة قرون؛ إذ سرعان ما مات أسد الدين شيركوه بعد أن تناول وجبة دسمة وكبيرة لم يستطع هضمها، فخلا كرسي رئاسة الوزراء، أو مركز السلطة الحقيقي في البلاد، فتم اختيار صلاح الدين رئيسا للوزراء بدلا منه، ويقال إن البعض أوعز بهذا للخليفة اعتقادا منهم أنه لا يزال شابا في العشرينات من عمره، وبالتالي يمكن أن يؤمن شره ويستمال، لضعف خبرته، ولكنهم تناسوا أن هذا البطل هو الذي صد الحملات الصليبية عن الإسكندرية عندما كانت محاصرة وخرج منها خروج الأبطال، كما أنه ظل يحارب إلى جوار والده وعمه منذ نعومة أظافره، وخبراته تتراكم سنة بعد سنة، وقد انطبق عليه المثل العربي القائل:
ولا تحتقر كيد الضعيف فربما
تموت الأَفاعي من سموم العقارب
وقد تزامن مع ذلك مزيد من الضعف في دور الخليفة الفاطمي العاضد، خاصة بعدما بدأ السلطان نور الدين يضغط على صلاح الدين من أجل حسم مسألة الخلافة بإعادة مصر لعباءة الخلافة العباسية في العراق واستعادتها إلى أهل السنة، ولكن صلاح الدين كان يخشى حدوث ثورة في البلاد لأن فريقا من المصريين كان قد اعتنق المذهب الشيعي، وعندما نودي في إحدى صلوات الجمعة من على المآذن بالصدفة لصالح الخليفة العباسي، فإن الشعب لم يثر على الإطلاق وتقبل الأمر بهدوء واطمئنان، وبالتالي لم يجد صلاح الدين ما يمنع من النداء للخليفة العباسي المستضيء من وقتها فصاعدا من فوق مآذن أرض الكنانة، ويقال إن بغداد تزينت سبع ليال بسبب هذه الخطوة.
لقد لعب الموت مرة أخرى لصالح صلاح الدين الأيوبي؛ إذ مات الخليفة العاضد عليلا قبيل أن يأتيه خبر انتزاع الملك منه، وقد حرص صلاح الدين على عدم إبلاغه بذلك لأنه كان يحبه ويقدر ضعفه ومرضه. ومن مفارقات القدر أن بعض كتب التاريخ تشير إلى أن المعز لدين الله مؤسس الدولة الفاطمية عندما أتى إلى القاهرة طلب من أحد الفقهاء كتابة مجموعة من الألقاب أو الصفات ليتزين بها ومن بعده خلفاء هذه الدولة، فكان آخر لقب كُتب له هو «العاضد»، فشاء المولى عز وجل أن يكون آخر خليفة فاطمي هو العاضد. وعادت مصر إلى أحضان الخلافة العباسية واستمر صلاح الدين رئيسا للوزراء.
لم يؤثر صغر سن صلاح الدين على نضجه السياسي عند توليه مقاليد الأمور في مصر، فلقد كان حاسما منذ اليوم الأول، واستمال البعض بالمحبة، والبعض الآخر بالعنف، فكانت أولى خطواته هي طرد أغلبية من الموظفين الذين دانوا للوزراء السابقين بالولاء، ووضع في مفاصل الدولة رجاله الذين يثق فيهم، كما أنه رفع عن كاهل المصريين بعض الضغوط المالية، فتغنى الشعراء بهذا الاختيار، وكتبوا للقائد الجديد أبياتا من الشعر يمتدحونه؛ منها:
رب كما ملكتها يوسف الـ
صديق من أولاد يعقوب
يملكها في عصرنا يوسف الـ
صادق من أولاد أيــــوب
بينما دعا له شاعر آخر بأبيات جاء فيها:
هنيئا لمصر حوز يوسف ملكها
بأمر من الرحمن كان موقوتا
ما كان فيها قتل يوسف شاورا
يماثل إلا قتل داود جالوتا
واقع الأمر أن العلاقات بين صلاح الدين الأيوبي ونور الدين محمود كانت في توتر منذ أن دانت مصر للأول، فلقد بدأ صلاح الدين يشعر برغبته في نوع موسع من الحكم الذاتي بعيدا عن نور الدين محمود، ولكنه لم يكن ليخلع نفسه من دولته في هذا التوقيت الدقيق، وقد بدأ نور الدين يدرك ذلك مع مرور الوقت. وحقيقة الأمر، أن صلاح الدين لم يخرج عن طاعة نور الدين محمود بشكل رسمي، ولكنه تفادى اللقاء معه كلما طُلب منه ذلك، متعللا كل مرة بأسباب مختلفة، ولكن الموت تدخل مرة أخرى ليُخرج البطل نور الدين محمود من المعادلة السياسية لصالح صلاح الدين الأيوبي، كما لو أن القدر يريد أن ينقل الشارة من بطل استهلكته المعارك والأزمنة إلى شاب يافع يستطيع أن يحمل اللواء ليواجه الخطر الصليبي، دون أن تدور رحى الحرب بينهما فتضعف جبهة المسلمين. فلقد فتح موت نور الدين الطريق أمام صلاح الدين لإعلان نفسه سلطانا على مصر، فاستمال مملكة نور الدين محمود معه بالكامل، فقد كان يملك القوة العسكرية ومركز القوة الجيوستراتيجي في المعادلة، ممثلا في مصر.
لقد ساعد صلاح الدين على هذه الخطوة إصلاحاته الداخلية التي جعلت مصر تدين له بسرعة شديدة للغاية، فلقد استمال الشعب المصري مباشرة من خلال إلغاء المكوس التي كانت تقدر بقرابة مائة ألف دينار سنويا، كما قام بإصلاحات زراعية واسعة، وعكف على إصلاح الري في مصر. من ناحية أخرى، قام بتصفية الميليشيات التي كانت قائمة في ذلك الوقت من أجل تثبيت أركان الدولة المركزية المصرية، وعلى رأسهم الأرمن والصقالبة، بالإضافة إلى بعض الزنج من العبيد، خاصة الطائفة الأخيرة التي دخل معها في صراع مرير إلى أن قضى عليها، فأصبحت القوة المركزية للقاهرة ولا يحكمها إلا هو، مؤكدا مرة أخرى حقيقة أن من دانت له القاهرة دانت له باقي مصر.
ولعل من أهم قرارات صلاح الدين الأولية قراره بعزل كل قضاة مصر واستبدال قضاة ينتمون للمذهب الشافعي بهم، وهي خطوة أراحت كثيرا من المصريين، فهذا الشعب لم يكن شيعي الهوى في أي وقت من تاريخه، كما أنه اتخذ الخطوات اللازمة من أجل جعل الأزهر الشريف منبرا للعالم السني وليس الشيعي كما كان مقصودا من إنشائه.
تعمدت بعض المصادر التاريخية الإشارة إلى صلاح الدين الأيوبي على أنه اتخذ من الوسائل القهرية أداة للسيطرة على مصر، وأنه كان ديكتاتورا قمعيا، تماما كما يحدث اليوم مع محمد علي لتوصيفه على أنه شخص همجي لا يراعي الحقوق الأساسية للمصري. وتقديري أن هذه محاولات فكرية طائشة لإخضاع التاريخ لمفاهيم عصرنا في محاولة لتطبيق بعض المعايير الدولية على عجلة التاريخ التي هي في عزلة عن واقعها وفي غفلة عن زمنها، فالأوضاع في مصر إبان حكم صلاح الدين لم تكن تسمح بخلق توافق في الآراء مبنى على الشرعية القائمة، فمصر كانت في هذا الوقت في ثورة حقيقية أعمق بكثير من أية ثورات مرت بها منذ الثورة ضد الحكم البيزنطي، فمن الخطأ أن نعتبرها مجرد عملية تغيير حاكم قد خلت من قبله الحكام العوج، فما حدث في مصر في حقيقة الأمر كان دخولها مفترق طرق واضحا.. فما الشرعية الجديدة التي ستُحكم بها مصر؟ هل سيستمر الحكم الشيعي؟ كيف سيستتب الحكم السني مرة أخرى بعد مائتين وستة أعوام من الحكم الفاطمي؟ والأهم من ذلك هو: كيف ستحمي مصر نفسها من براثن الاستعمار الغربي ممثلا في الحملات الصليبية المتتالية؟ وكيف ستحمي نفسها من مجموعات من الخونة باعوا الذمم لصالح الصليبيين ومنهم رؤساء وزراء؟ وفي مثل هذه الظروف، فإن الدول تحتاج لرجل دولة يستطيع أن ينتشلها من هذه المعطيات الخطيرة وحالة التفتت المتعمقة،



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.