«ديور» تُنهي فصلاً آخر بالأبيض والأسود.. و«أتولييه فرساتشي» تلعب على الأنوثة

أسبوع باريس للأزياء الراقية يغلي بخبر إطلاق «فوغ» العربية وترف الجواهر

من عرض «أتولييه فرساتشي» لخريف وشتاء 2017 -   من عرض «ديور» - من عرض «ديور»
من عرض «أتولييه فرساتشي» لخريف وشتاء 2017 - من عرض «ديور» - من عرض «ديور»
TT

«ديور» تُنهي فصلاً آخر بالأبيض والأسود.. و«أتولييه فرساتشي» تلعب على الأنوثة

من عرض «أتولييه فرساتشي» لخريف وشتاء 2017 -   من عرض «ديور» - من عرض «ديور»
من عرض «أتولييه فرساتشي» لخريف وشتاء 2017 - من عرض «ديور» - من عرض «ديور»

ما بين خبر قُرب انضمام ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة فالنتينو سابقا، إلى «ديور» كأول امرأة تدخل الدار الفرنسية العريقة منذ تأسيسها، وخبر إطلاق مجلة «فوغ» العربية في الخريف المقبل، برئاسة تحرير الأميرة دينا الجهيني عبد العزيز، كانت باريس تغلي بالترقب والجدل. لكن كان هناك أيضًا غليان آخر، سببه ازدحام الأسبوع بفعاليات دخيلة عليه. فالأغلبية اتفقت على أنه كان حريًا بأن نسمي أسبوع باريس للـ«هوت كوتير» لخريف وشتاء 2017، بأسبوع الـ«هوت جوليري»، أي الجواهر الرفيعة، بالنظر إلى عدد بيوت الجواهر التي دخلت على الخط، وباتت تقدم إغراءات لوسائل الإعلام والضيوف تارة وتضع ضغوطات تارة لضمان حضورهم. فبعد أن كانت هذه البيوت سابقًا تكتفي بيوم واحد في آخر الأسبوع، تفتح لهم فيه أبوابها، غيرت استراتيجياتها منذ موسمين تقريبًا حتى تستفيد من وجود صناع الموضة بالعاصمة الفرنسية إلى أقصى حد. فقد اكتشفت أن الغالبية كانت لا تكاد تصدق أن الأسبوع انتهى حتى تسارع بالعودة إلى ديارها، مما كان يضعهم في مأزق. هذه المرة، لم تكتف كثير من هذه البيوت، ونذكر منها «شانيل»، و«بياجيه»، و«بولغاري»، و«ميسيكا»، و«فان كليف أند آربلز» وغيرها، بإرسال دعوات آملة أن يشفع لها تاريخها ويجرهم بريقها، بل أصرت على تحديد موعد في أوقات معينة لوضعهم أمام الأمر الواقع، أحيانا من دون مراعاة أن هذه الأوقات قد تتزامن مع عرض أزياء مهم.
لا أحد يلومهم على هذه الاستراتيجية المُبتكرة التي تفرضها الأزمة والمصاريف التي تكبدوها للوجود في باريس، لكن المشكلة أنها غيرت إيقاع الأسبوع وجعلته مزدحما أكثر من اللازم. وتجدر الإشارة إلى أن دور الجواهر دخلت عالم الـ«هوت كوتير» منذ سنوات، وزاد ترحيب غرفة الموضة الفرنسية بها في المواسم الماضية، بسبب افتقادهم إلى فعاليات جانبية تثريه بعد أن تقلص عدد بيوت الأزياء والمصممين المشاركين فيه بعد أزمة 2008.
لكن لا يبدو أن الأزمة أثرت على الكل، فكثير من المصممين لا يزالون يحققون الأرباح، وشهدت مبيعاتهم من الـ«هوت كوتير» تحديدا انتعاشا في السنوات الأخيرة بفضل زبونات شابات من أسواق بعيدة مثل كازاخستان وأذربيجان، وطبعا الشرق الأوسط. وليس أدل على هذا من عرض «فيرساتشي». فقد كان فاتحة خير، من ناحية أنه افتتح الأسبوع يوم الأحد الماضي، وأعطى فكرة عما يمكننا أن نتوقعه من فخامة تُذكرنا بأن موسم الـ«هوت كوتير» ليس عن ثقافة الشارع، بقدر ما يهتم بالأحلام، حتى وإن كنا نعرف مسبقا أنها بعيدة المنال. دوناتيلا فرساتشي، قالت كلمة واضحة في هذه التشكيلة وهي أن الـ«هوت كوتير» للمساء، وبأن المرأة عموما قلما تفكر في صرف مبالغ كبيرة من أجل أزياء تستعملها حين تريد التسوق أو مرافقة أطفالها للمدرسة، بينما لا تتردد في صرف الآلاف على أزياء الحفلات والمناسبات الكبيرة. من هذا المنطلق، قدمت تشكيلة غلبت عليها فساتين الكوكتيل والسهرة، تتباين أطوالها بين القصير والـ«ميدي» والطويل، وتجمع الرقي بالجرأة والفخامة بإثارة من نوع عصري، من حيث إنها تخاطب به مثيلات الممثلة جينفر غارنر التي حضرت العرض، وأنجلينا جولي التي يمكن اعتبارها سفيرة من سفيرات «فرساتشي» بالنظر إلى عدد الفساتين التي ظهرت بها في السنوات الأخيرة وكانت من توقيع الدار. دوناتيلا شرحت أنها كانت تريد أن تحتفل بثلاثة عناصر هي «الأناقة والتميز والدراما» وهو ما ترجمته من خلال الفتحات العالية، ماركة الدار المسجلة، والياقات المفتوحة بشكل كبير، مع لفتة خفيفة إلى أناقة نجمات هوليوود في الخمسينات من القرن الماضي، خصوصا في بعض فساتين «الساتان» تميزت بذيول طويلة إما ببليسيهات أو تدلت منها شراشيب سخية. كان تأثيرها رائعًا على العين، وعلى العارضات وهن يتهادين على منصة العرض، لكن رغم الإعجاب، يخالجك شعور بأن توظيفها في أرض الواقع صعب ويحتاج إلى قوة تركيز طوال الوقت، لا سيما إذا تطلبت المناسبة الجلوس وكثرة الحركة. فبعضها ضيق للغاية إلى حد تبدو فيها وكأنها ملصق على الجسم بينما بعضها قصير جدا من الأمام مع ذيل طويل من الخلف. لكن دوناتيلا فيرساتشي تريد أن تبيع الحلم، وإذا كان ما يهم المرأة هو التألق بأي ثمن، فإن هذه التصاميم عز طلبها. نجم العرض كان معطفًا يعقد بحزام الموسط ومطرز عند الأكتاف، يجمع الأناقة الراقية بالراحة نظرا لاتساعه الذي يحدده حزام، إلى جانب بنطلونات محددة، وجاكيتات مفصلة بأكتاف تتدلى بعض الشيء لتظهر جزءا من البشرة. الفخامة، وما تعنيه من أسعار باهظة، كان لها ما يبررها في هذه التشكيلة. فقد كانت تضج بحرفية عالية ظهرت في كل التفاصيل، بدءا من الأحزمة المستوحاة من فن الأوريغامي إلى الشراشيب التي أخذت أشكال ورق مقطع بالطول، مرورًا بالأحذية التي تربط عند الكاحل، والتي ستكون الدجاجة التي تبيض ذهبا في حال لم تقدر المرأة على سعر فستان يقدر بآلاف الجنيهات.
هذه الحرفية كانت أيضًا من تحصيل حاصل بالنسبة لآخر تشكيلة قدمها الثنائي السويسري لوسي ماير وسيرج روفيو ل «ديور». لم تكن هناك ديكورات فخمة ولا آلاف الورود تغطي الجدران، بل قُدم العرض في مبنى الدار الرئيسي بـ«أفينيو مونتين» على شكل صالون حميم وفي أجواء بسيطة للغاية. هذه البساطة طالت الألوان أيضًا، أو بالأحرى انعدامها، حيث قرر الثنائي كتابة نهاية فصلهما كمصممين فنيين مؤقتين فيها بالأبيض والأسود على تنورات واسعة، يغطي أغلبها نصف الساق، وجاكيتات محددة عند الخصر، في إشارة واضحة إلى «ذي نيو لوك» الذي أرساه المؤسس، كريستيان ديور، وفساتين مطرزة بسخاء لكن بجرعة باريسية تراعي بأن كل شيء يزيد عن حده ينقلب إلى ضده. يمكن القول إن الذهبي الذي استعمل في هذه التطريزات كان اللون الوحيد الدخيل على الأبيض والأسود. وحسب ما جاء في أوراق وُضعت على كراسي الضيوف وتشرح التشكيلة، فإن تركيز المصممين على هذين اللونين كان من باب تحية المؤسس الذي قال في يوم ما: «إن الأبيض بسيط يتناغم مع كل الألوان»، وعن الأسود قال: «يمكنني أن أكتب كتابا كاملا عنه».
لكن بساطة الألوان ووضوح الأشكال والخطوط، لم تؤثر على الفنية التي تلتصق بالدار وبورشاتها المتخصصة. فقد ورث الثنائي لوسي ماير وسيرج روفيو بعد استقالة راف سيمونز في العام الماضي، تقاليد حافظا عليها، وترجماها هذه المرة في تشكيلة يمكن أن تدخل خانة السهل الممتنع بفنيتها التي ستروق لزبونة الـ«هوت كوتير» التي تريد أزياء تجمع الفخامة بالعملية البعيدة عن التعقيدات. فقد تضمنت هذه التشكيلة الكثير من القطع المنفصلة التي يمكن استعمالها على حدة واللعب بها بأساليب مختلفة. حتى القطع ذات الأحجام الكبيرة تتمتع بخفة بفضل الأقمشة المنسابة والأحذية ذات الكعوب المنخفضة تماما.
لم تكن هناك دراما أو تفاصيل مسرحية، ولم يكن هناك ما هو عادي، أو ما يصيب بالملل أو الإحباط، بل فقط أناقة راقية ستجد طريقها إلى قلب امرأة عصرية ومن ثم إلى جيبها وكل جوارحها تطير من السعادة. وهكذا عندما ستتسلم ماريا غراتزيا تشيوري المشعل منهما، فإنها ستتسلم إرثا مضمونا ونصا كتب بوضوح، بالأبيض والأسود، يمكنها أن تبنى عليه وتضيف إليه ما يكفي من الأنوثة التي تأسست عليها، ومن الدراما التي يتطلبها موسم الـ«هوت كوتير» لبيع الأحلام.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.