فيلم «بالحلال» يخرج أسرار البيوت اللبنانية للعلن بأسلوب فكاهي ودون تكلّف

فيلم «بالحلال» يخرج أسرار البيوت اللبنانية للعلن بأسلوب فكاهي ودون تكلّف

يحكي قصص 3 نساء يعشن مشكلات الزواج والطلاق
الاثنين - 29 شهر رمضان 1437 هـ - 04 يوليو 2016 مـ
الممثلان دارين حمزة ورودريغ سليمان في لقطة تجمعهما في فيلم «بالحلال» («الشرق الأوسط»)

لا يشبه فيلم «بالحلال» أيًّا من الأعمال السينمائية اللبنانية السابقة إن لجهة موضوعه أو طريقة تناوله لمشكلات اجتماعية شائكة تدور حول الزواج والطلاق. فانطلاقًا من مواقف حفرت في ذاكرة كاتبه ومخرجه أسد فولادكار عندما كان صغيرا، جاءت حبكة نصّه البسيطة في ظاهرها والعميقة في رسائلها. ففي مجالس النساء، الأطفال وحدهم - كما يقول المخرج - هم من يشكّلون شهود عيّان على ثرثراتهن، وعادة ما لا يؤخذ حضورهم بعين الاعتبار. وكان هذا الفيلم بمثابة الصفحات التي كتب عليها ذكرياته، بعد أن جمعها من مخيّلته لتصبح شريطا مصورا طويلا. ولعلّ اللحظات الأولى من الفيلم التي يطلّ فيها مجموعة من التلامذة الأطفال في حصّة دراسية للعلوم الإنسانية، كانت بمثابة تلميح منه للإشارة إلى مدى تأثّر الصغار بما يذكره الكبار أمامهم، وان ما يزرعه الأهل بأولادهم من خلال تربيتهم لهم يجب أن يدور في أطر صحيحة لا يجب الاستهانة بها لأنها تكوّن بذور شخصيتهم عند النضوج. وانطلاقًا من هذا المشهد بالذات والمرتكز على السؤال الشهير: «من أين يأتي الأطفال؟»، والذي عادة ما يطرحه الأولاد على أهاليهم، يبدأ مشوار المشاهد مع الابتسامة التي ترتسم على وجهه تلقائيا في مجمل مجريات الفيلم الذي يتّسم بالسخرية والجدّية معًا.
ومن خلال تقاطع قصص ثلاث نساء (لبنى وبتول وعواطف) الخارجات من بيئة اجتماعية واحدة، تعيش في أحياء شعبية (صوّرت في منطقة برج حمّود)، يعالج المخرج مشكلة الزواج والطلاق المتزايدة في لبنان يوما بعد يوم. فيسلّط الضوء ومن خلال متفرعات لها وظروف تحكم أطرافها، على مفاهيم اجتماعية رائجة في مجتمعاتنا بأنها «حلال» علينا على الرغم من المعاناة التي تفرزها، فنغضّ النظر عنها مختبئين وراء عنوانها العريض هذا، كلّ حسب وجهة نظره.
فالأولى (لبنى) والتي تجسّد شخصيتها الممثلة دارين حمزة كانت تجربتها فاشلة مع الزواج فانتهت بالطلاق. وحاولت بعدها أن تروي عطشها للحبّ الحقيقي، فارتمت في أحضان حبّها الأول أبو أحمد (الممثل رودريغ سليمان)، وهو متزوّج وربّ عائلة من خلال عقد زواج (المسيار)، إلا أن محاولتها هذه باءت أيضًا بالفشل بعد أن اكتشفت بأنّ مشاعرها تجاهه كانت مجرّد وهم حملته معها من أيام الصبا.
أما بتول (زينب هند خضرا) النموذج الحي عن النساء اللاتي يتزوّجن عن حبّ، معتقدات بأنه وحده يمكن أن يغذّي علاقتهن بالزوج. فتحوّلها غيرة الشريك إلى كابوس ينتهي في كلّ مرة بكلمة «طالق»، وليصل الطرفان إلى طريق مسدود عندما تصل هذه المرات إلى ثلاث، عندها لن يستطيع الزوج أن يعيدها إلى منزله إلا بعد أن يعاقبه الدين على ذلك، فيطالبه بتزويجها إلى آخر لحلّ المشكلة. إلا أن بتول تضرب حبّها هذا بعرض الحائط عندما تقرّر أن لا تجاري زوجها بقراراته هذه، فتتركه إلى غير رجعة لأنها على يقين بأنه لن يتغيّر يوما.
ولعلّ قصّة المرأة الثالثة (عواطف)، التي تتقمّص شخصيتها الممثلة خفيفة الظلّ ميرنا مكرزل، هي الأساسية في الفيلم كونها تعرض خبايا البيت الزوجي بتفاصيله الصغيرة. ويتطرّق خلالها المخرج مباشرة إلى مفهوم العلاقة الجنسيّة بين أي زوجين. فإذا كانت هذه العلاقة بخير فذلك يعني أن البيت سيبقى بخير، وهذا الموضوع الذي يشكّل الشغل الشاغل لأي ثنائي مرتبط رسميًا، فيحلّ مشكلات كثيرة أحيانًا كثيرة بينهما، كان حاضرا أيضًا في القصّتين السابقتين ولكن بجرعة أقلّ. فعواطف ونظرا لواجباتها وفروضها اليومية التي تفرضها عليها حياتها العائلية كزوجة وأم لطفلتين، والتي تجتهد وتتعب طيلة النهار من أجل تحقيق طلبات زوجها وأولادها، كانت تقضّ مضجعها العلاقة الجسدية المتكررة يوميا مع زوجها، مما وضعها أمام مفترق طريق راحت تبحث عن حلّ له. فلقد قررت بين عشية وضحاها أن تستعين بزوجة ثانية تقاسمها هذا الفرض الذي يشكّل عبئا عليها. النهاية السعيدة يلمسها المشاهد فقط في هذه القصّة الأخيرة، والتي يقدّمها المخرج من ألفها إلى يائها بحبكة جذّابة غنيّة برسائل مباشرة إلى الزوجة بشكل خاص، لا سيما عندما تشعر بأن زواجها أصبح في منطقة الخطر فتتخلّى عن أنانيّتها، من أجل إصلاح التداعيات التي تحيط به وتبذل جهدا إضافيا للحفاظ عليه.
الزواج بحلوه ومرّه قدّمه فيلم «بالحلال» دون أي مبالغة أو عمليات تجميل تشوّه واقعه الحقيقي. فأحداث الفيلم الذي يستغرق عرضه نحو التسعين دقيقة، تمرّ أمام المشاهد بسرعة ودون ملل لأنها تخاطبه مباشرة من ناحية، ولأنها نابعة من قصص تعود لطبقة اجتماعية تشبهه من ناحية ثانية. فهي قصص شعبية نجدها في المجتمعات العادية بعيدا عن سلطة المال والنفوذ والمظاهر الكاذبة. وبمفاتيح بسيطة وغير معقّدة قدّم المخرج الحلول من أجل أن تتمتّع تلك النسوة بتوازن حياتي مقبول. فعندما تكون الخيبات العاطفية أكبر من مشاعرنا علينا أن نعطيها فرصة لتستريح، كما في قصّة (لبنى) التي نراها في النهاية منهمكة بممارسة مهنة بيع الثياب النسائية، فالمرأة المنتجة تستطيع أن تتجاوز أي مصاعب حياتية تصادفها. فيما زوّدها بالجرأة (في قصّة بتول) لأخذ القرار اللازم، عندما تلمس المرأة تجاوز زوجها الخطوط الحمراء عندما بالغ في غيرته العمياء عليها مثلا، فصارت نوعًا من الذلّ يتابعه الجيران كمشهد تلفزيوني يومي، مما اقتضى منها أن تغادر وتغلق بابها الزوجي إلى غير رجعة.
أما الصبر وتلوين الروتين بالتجديد وبكلّ ما يمكن أن يحيي العلاقة الزوجية على مرّ السنين، هو الدرس الذي نتعلّمه من (عواطف) التي رأت أن الزواج الناجح يتطلّب تطبيق العبارة المشهورة في عالم الاتصالات «الرجاء تكرار المحاولة لاحقًا».
مشى أسد فولادكار الذي سبق وتعرّفنا إليه في فيلم «لمّا حكيت مريم» في عام 2002، ما بين النقاط محاولا رصد حياة حميمة لثلاث نساء دون أن يخدش حياء المشاهد. فلم يشُب أي مشهد من مشاهده كلمات نابية أو لقطات فاضحة، فهذه المهمة الصعبة نفّذها بتأن بعد أن استشار عدة أشخاص في النص الذي كتبه. «لقد ألغيت مشاهد وحصّنت أخرى وصلّحت غيرها في كلّ مرة كان يعتبرها أحدهم مستفزّة. فالموضوع حساس جدا وينطلق من مسلّمات دينية كان علي اللجوء إلى رجال دين مسلمين لأكون موضوعيا فيها، دون الانزلاق في متاهات غير مستحبّة». يقول المخرج لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «كان علي أن أقرّب بين شرائح مجتمعنا المميزة بالتعددية، ونتعرّف إلى بعضنا بشكل أفضل فنتقبّل واقعنا ونحن ممتنين له». هذا الأمر لم يخدم فقط المجتمع اللبناني كما ذكر فولادكار لنا، بل لامس العالم الغربي، إذ اعتبره الأميركيون عندما شاهدوه خلال مشاركته في مهرجان «صندانس السينمائي»، بأنه خفّف من حدّة حالة «الفوبيا الإسلامية» (islamofobi) التي يعيشها الأميركيون تجاه الأشخاص المسلمين في بلادهم، فعرّفهم على الوجه الآخر لهؤلاء الذين صاروا يأخذون حذرهم منهم، وذلك نتيجة التطرّف الديني وعمليات الإرهاب المتبناة من قبل مجموعات إسلامية اعترفت بتنفيذها.
شارك «بالحلال» وهو من إنتاج مجموعة شركات «الصبّاح للإعلام» و«إيغل فيلمز» و«برودكشن رازور» الألمانية و«جنجر برودكشن» اللبنانية في مهرجانات كثيرة «دبي» و«صاندانس» و«روتردام» السينمائية، ومن المنتظر أن يشارك أيضًا في أخرى كمهرجان أستراليا السينمائي. وبعد أن حطّ رحاله في الصالات السينمائية اللبنانية فهو سيعرض بموازاة ذلك في ألمانيا وبعدها في فرنسا واليونان وبلجيكا وسويسرا. ويرى أحد منتجيه صادق صبّاح بأنه حان الوقت لنصنع أفلاما سينمائية تعيش في الصالات، تماما كالهندية والأميركية بعد أن وصفه بالفيلم الفني الجماهيري معا.
أما أبطاله فبرعوا في تجسيد واقع نعيشه بعفوية وطبيعية. فإضافة إلى دارين حمزة وميرنا مكرزل وزينب هند خضرا، لعب الممثل رودريغ سليمان دورا جدّد فيه إطلالته التي اعتدنا عليها في مسلسلات تلفزيونية جسّد فيها أدوارا ثانوية. وكذلك الأمر بالنسبة لحسين مقدّم الذي تابعناه في برامج تلفزيونية انتقادية «كتير سلبي شو». أما علي سموري (زوج عواطف) فكان لأدائه المغلّف بالفكاهة في غالبية الوقت، وقعه الإيجابي على المشاهد، هو الذي سبق وعمل في مجال الإخراج التلفزيوني في قناة «المستقبل» فشكّل هذا الفيلم أول لقاء تعارفي معه.
وفي المقابل يستعدّ أسد فولادكار لتصوير فيلم سينمائي جديد تدور قصّته حول الرجل هذه المرة ويوضح: «هي واحدة من القصص الخمس التي شكّلت مواضيع فيلم «بالحلال» في بداية كتابتي له، والتي اختصرتها فيما بعد لتصبح ثلاثة. فهذا العمل هو بمثابة مشروع سأنجزه على مراحل، وفي الآتية منها أعالج فيها قصّة من نفس القالب الاجتماعي ولكنها تدور في إطار الرجل والذكورية.
يذكر أن أسد فولادكار درس المسرح في الجامعة اللبنانية وتخصص في الإخراج السينمائي في جامعة بوسطن الأميركية، ومن بين أعماله المعروفة: «راجل وستّ ستّات» و«الزناتي مجاهد» و«جوز ماما» في مصر.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة