فيلم «بالحلال» يخرج أسرار البيوت اللبنانية للعلن بأسلوب فكاهي ودون تكلّف

يحكي قصص 3 نساء يعشن مشكلات الزواج والطلاق

الممثلان دارين حمزة ورودريغ سليمان في لقطة تجمعهما في فيلم «بالحلال» («الشرق الأوسط»)
الممثلان دارين حمزة ورودريغ سليمان في لقطة تجمعهما في فيلم «بالحلال» («الشرق الأوسط»)
TT

فيلم «بالحلال» يخرج أسرار البيوت اللبنانية للعلن بأسلوب فكاهي ودون تكلّف

الممثلان دارين حمزة ورودريغ سليمان في لقطة تجمعهما في فيلم «بالحلال» («الشرق الأوسط»)
الممثلان دارين حمزة ورودريغ سليمان في لقطة تجمعهما في فيلم «بالحلال» («الشرق الأوسط»)

لا يشبه فيلم «بالحلال» أيًّا من الأعمال السينمائية اللبنانية السابقة إن لجهة موضوعه أو طريقة تناوله لمشكلات اجتماعية شائكة تدور حول الزواج والطلاق. فانطلاقًا من مواقف حفرت في ذاكرة كاتبه ومخرجه أسد فولادكار عندما كان صغيرا، جاءت حبكة نصّه البسيطة في ظاهرها والعميقة في رسائلها. ففي مجالس النساء، الأطفال وحدهم - كما يقول المخرج - هم من يشكّلون شهود عيّان على ثرثراتهن، وعادة ما لا يؤخذ حضورهم بعين الاعتبار. وكان هذا الفيلم بمثابة الصفحات التي كتب عليها ذكرياته، بعد أن جمعها من مخيّلته لتصبح شريطا مصورا طويلا. ولعلّ اللحظات الأولى من الفيلم التي يطلّ فيها مجموعة من التلامذة الأطفال في حصّة دراسية للعلوم الإنسانية، كانت بمثابة تلميح منه للإشارة إلى مدى تأثّر الصغار بما يذكره الكبار أمامهم، وان ما يزرعه الأهل بأولادهم من خلال تربيتهم لهم يجب أن يدور في أطر صحيحة لا يجب الاستهانة بها لأنها تكوّن بذور شخصيتهم عند النضوج. وانطلاقًا من هذا المشهد بالذات والمرتكز على السؤال الشهير: «من أين يأتي الأطفال؟»، والذي عادة ما يطرحه الأولاد على أهاليهم، يبدأ مشوار المشاهد مع الابتسامة التي ترتسم على وجهه تلقائيا في مجمل مجريات الفيلم الذي يتّسم بالسخرية والجدّية معًا.
ومن خلال تقاطع قصص ثلاث نساء (لبنى وبتول وعواطف) الخارجات من بيئة اجتماعية واحدة، تعيش في أحياء شعبية (صوّرت في منطقة برج حمّود)، يعالج المخرج مشكلة الزواج والطلاق المتزايدة في لبنان يوما بعد يوم. فيسلّط الضوء ومن خلال متفرعات لها وظروف تحكم أطرافها، على مفاهيم اجتماعية رائجة في مجتمعاتنا بأنها «حلال» علينا على الرغم من المعاناة التي تفرزها، فنغضّ النظر عنها مختبئين وراء عنوانها العريض هذا، كلّ حسب وجهة نظره.
فالأولى (لبنى) والتي تجسّد شخصيتها الممثلة دارين حمزة كانت تجربتها فاشلة مع الزواج فانتهت بالطلاق. وحاولت بعدها أن تروي عطشها للحبّ الحقيقي، فارتمت في أحضان حبّها الأول أبو أحمد (الممثل رودريغ سليمان)، وهو متزوّج وربّ عائلة من خلال عقد زواج (المسيار)، إلا أن محاولتها هذه باءت أيضًا بالفشل بعد أن اكتشفت بأنّ مشاعرها تجاهه كانت مجرّد وهم حملته معها من أيام الصبا.
أما بتول (زينب هند خضرا) النموذج الحي عن النساء اللاتي يتزوّجن عن حبّ، معتقدات بأنه وحده يمكن أن يغذّي علاقتهن بالزوج. فتحوّلها غيرة الشريك إلى كابوس ينتهي في كلّ مرة بكلمة «طالق»، وليصل الطرفان إلى طريق مسدود عندما تصل هذه المرات إلى ثلاث، عندها لن يستطيع الزوج أن يعيدها إلى منزله إلا بعد أن يعاقبه الدين على ذلك، فيطالبه بتزويجها إلى آخر لحلّ المشكلة. إلا أن بتول تضرب حبّها هذا بعرض الحائط عندما تقرّر أن لا تجاري زوجها بقراراته هذه، فتتركه إلى غير رجعة لأنها على يقين بأنه لن يتغيّر يوما.
ولعلّ قصّة المرأة الثالثة (عواطف)، التي تتقمّص شخصيتها الممثلة خفيفة الظلّ ميرنا مكرزل، هي الأساسية في الفيلم كونها تعرض خبايا البيت الزوجي بتفاصيله الصغيرة. ويتطرّق خلالها المخرج مباشرة إلى مفهوم العلاقة الجنسيّة بين أي زوجين. فإذا كانت هذه العلاقة بخير فذلك يعني أن البيت سيبقى بخير، وهذا الموضوع الذي يشكّل الشغل الشاغل لأي ثنائي مرتبط رسميًا، فيحلّ مشكلات كثيرة أحيانًا كثيرة بينهما، كان حاضرا أيضًا في القصّتين السابقتين ولكن بجرعة أقلّ. فعواطف ونظرا لواجباتها وفروضها اليومية التي تفرضها عليها حياتها العائلية كزوجة وأم لطفلتين، والتي تجتهد وتتعب طيلة النهار من أجل تحقيق طلبات زوجها وأولادها، كانت تقضّ مضجعها العلاقة الجسدية المتكررة يوميا مع زوجها، مما وضعها أمام مفترق طريق راحت تبحث عن حلّ له. فلقد قررت بين عشية وضحاها أن تستعين بزوجة ثانية تقاسمها هذا الفرض الذي يشكّل عبئا عليها. النهاية السعيدة يلمسها المشاهد فقط في هذه القصّة الأخيرة، والتي يقدّمها المخرج من ألفها إلى يائها بحبكة جذّابة غنيّة برسائل مباشرة إلى الزوجة بشكل خاص، لا سيما عندما تشعر بأن زواجها أصبح في منطقة الخطر فتتخلّى عن أنانيّتها، من أجل إصلاح التداعيات التي تحيط به وتبذل جهدا إضافيا للحفاظ عليه.
الزواج بحلوه ومرّه قدّمه فيلم «بالحلال» دون أي مبالغة أو عمليات تجميل تشوّه واقعه الحقيقي. فأحداث الفيلم الذي يستغرق عرضه نحو التسعين دقيقة، تمرّ أمام المشاهد بسرعة ودون ملل لأنها تخاطبه مباشرة من ناحية، ولأنها نابعة من قصص تعود لطبقة اجتماعية تشبهه من ناحية ثانية. فهي قصص شعبية نجدها في المجتمعات العادية بعيدا عن سلطة المال والنفوذ والمظاهر الكاذبة. وبمفاتيح بسيطة وغير معقّدة قدّم المخرج الحلول من أجل أن تتمتّع تلك النسوة بتوازن حياتي مقبول. فعندما تكون الخيبات العاطفية أكبر من مشاعرنا علينا أن نعطيها فرصة لتستريح، كما في قصّة (لبنى) التي نراها في النهاية منهمكة بممارسة مهنة بيع الثياب النسائية، فالمرأة المنتجة تستطيع أن تتجاوز أي مصاعب حياتية تصادفها. فيما زوّدها بالجرأة (في قصّة بتول) لأخذ القرار اللازم، عندما تلمس المرأة تجاوز زوجها الخطوط الحمراء عندما بالغ في غيرته العمياء عليها مثلا، فصارت نوعًا من الذلّ يتابعه الجيران كمشهد تلفزيوني يومي، مما اقتضى منها أن تغادر وتغلق بابها الزوجي إلى غير رجعة.
أما الصبر وتلوين الروتين بالتجديد وبكلّ ما يمكن أن يحيي العلاقة الزوجية على مرّ السنين، هو الدرس الذي نتعلّمه من (عواطف) التي رأت أن الزواج الناجح يتطلّب تطبيق العبارة المشهورة في عالم الاتصالات «الرجاء تكرار المحاولة لاحقًا».
مشى أسد فولادكار الذي سبق وتعرّفنا إليه في فيلم «لمّا حكيت مريم» في عام 2002، ما بين النقاط محاولا رصد حياة حميمة لثلاث نساء دون أن يخدش حياء المشاهد. فلم يشُب أي مشهد من مشاهده كلمات نابية أو لقطات فاضحة، فهذه المهمة الصعبة نفّذها بتأن بعد أن استشار عدة أشخاص في النص الذي كتبه. «لقد ألغيت مشاهد وحصّنت أخرى وصلّحت غيرها في كلّ مرة كان يعتبرها أحدهم مستفزّة. فالموضوع حساس جدا وينطلق من مسلّمات دينية كان علي اللجوء إلى رجال دين مسلمين لأكون موضوعيا فيها، دون الانزلاق في متاهات غير مستحبّة». يقول المخرج لـ«الشرق الأوسط». ويضيف: «كان علي أن أقرّب بين شرائح مجتمعنا المميزة بالتعددية، ونتعرّف إلى بعضنا بشكل أفضل فنتقبّل واقعنا ونحن ممتنين له». هذا الأمر لم يخدم فقط المجتمع اللبناني كما ذكر فولادكار لنا، بل لامس العالم الغربي، إذ اعتبره الأميركيون عندما شاهدوه خلال مشاركته في مهرجان «صندانس السينمائي»، بأنه خفّف من حدّة حالة «الفوبيا الإسلامية» (islamofobi) التي يعيشها الأميركيون تجاه الأشخاص المسلمين في بلادهم، فعرّفهم على الوجه الآخر لهؤلاء الذين صاروا يأخذون حذرهم منهم، وذلك نتيجة التطرّف الديني وعمليات الإرهاب المتبناة من قبل مجموعات إسلامية اعترفت بتنفيذها.
شارك «بالحلال» وهو من إنتاج مجموعة شركات «الصبّاح للإعلام» و«إيغل فيلمز» و«برودكشن رازور» الألمانية و«جنجر برودكشن» اللبنانية في مهرجانات كثيرة «دبي» و«صاندانس» و«روتردام» السينمائية، ومن المنتظر أن يشارك أيضًا في أخرى كمهرجان أستراليا السينمائي. وبعد أن حطّ رحاله في الصالات السينمائية اللبنانية فهو سيعرض بموازاة ذلك في ألمانيا وبعدها في فرنسا واليونان وبلجيكا وسويسرا. ويرى أحد منتجيه صادق صبّاح بأنه حان الوقت لنصنع أفلاما سينمائية تعيش في الصالات، تماما كالهندية والأميركية بعد أن وصفه بالفيلم الفني الجماهيري معا.
أما أبطاله فبرعوا في تجسيد واقع نعيشه بعفوية وطبيعية. فإضافة إلى دارين حمزة وميرنا مكرزل وزينب هند خضرا، لعب الممثل رودريغ سليمان دورا جدّد فيه إطلالته التي اعتدنا عليها في مسلسلات تلفزيونية جسّد فيها أدوارا ثانوية. وكذلك الأمر بالنسبة لحسين مقدّم الذي تابعناه في برامج تلفزيونية انتقادية «كتير سلبي شو». أما علي سموري (زوج عواطف) فكان لأدائه المغلّف بالفكاهة في غالبية الوقت، وقعه الإيجابي على المشاهد، هو الذي سبق وعمل في مجال الإخراج التلفزيوني في قناة «المستقبل» فشكّل هذا الفيلم أول لقاء تعارفي معه.
وفي المقابل يستعدّ أسد فولادكار لتصوير فيلم سينمائي جديد تدور قصّته حول الرجل هذه المرة ويوضح: «هي واحدة من القصص الخمس التي شكّلت مواضيع فيلم «بالحلال» في بداية كتابتي له، والتي اختصرتها فيما بعد لتصبح ثلاثة. فهذا العمل هو بمثابة مشروع سأنجزه على مراحل، وفي الآتية منها أعالج فيها قصّة من نفس القالب الاجتماعي ولكنها تدور في إطار الرجل والذكورية.
يذكر أن أسد فولادكار درس المسرح في الجامعة اللبنانية وتخصص في الإخراج السينمائي في جامعة بوسطن الأميركية، ومن بين أعماله المعروفة: «راجل وستّ ستّات» و«الزناتي مجاهد» و«جوز ماما» في مصر.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».