شكسبير الذي يعاصرنا

شكسبير الذي يعاصرنا

الأحد - 28 شهر رمضان 1437 هـ - 03 يوليو 2016 مـ

وليم شكسبير، التي تحتفل البشرية هذه الأيام بمرور 400 سنة على رحيله، لا يزال حاضرًا بقوة في حياتنا المعاصرة، فما أن تعيش حدثًا تراجيديًا، أو آخر مضحكًا، وما أكثر الاثنين، اللذين يتداخلان غالبًا، حتى تتذكر شخصية من شخصياته، كأنه استطاع أن يقرأنا منذ ذلك الزمن السحيق، وأن يكشف جوهر طبيعتنا البشرية بأبعادها المتعددة، وخصوصًا في صراعها مع ذاتها والآخرين والوجود، وبشكل أخص ضعفها أمام السلطة. أم أن الطبيعة البشرية لا تزال كما هي منذ عصر شكسبير؟
ما إن طعن وزير العدل البريطاني مايكل غوف ظهر بوريس جونسون، صديقه وحليفه الحالم منذ سنين برئاسة الوزارة البريطانية - وهما اللذان كتبا وأخرجا معًا وبنجاح كبير تراجيديا خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وأدخلاها في هوة عميقة لا تعرف كيف تخرج منها، وربما لن تخرج أبدًا - حتى تذكرنا شكسبير في مسرحيته «يوليوس قيصر»، وصرخة قيصر الشهيرة وهو يتهاوى تحت سيف صديقه ومعاونه، وأقرب الناس إلى قلبه: «حتى أنت يا بروتس؟ إذن ليمت قيصر». كان قيصر على حق. الموت أفضل. فماذا يبقى بعد خيانة أقرب الناس إليك؟ ولكنها السلطة يا عزيزي. لقد أطلق هذان المخلوقان، ومعهما ذلك المخلوق البائس نايجل فراج، بخطابهم المضلل، المليء بالأكاذيب، كل وحوش العنصرية والتطرف والانعزال التي كانت نائمة، ليس في الجزيرة البريطانية وحدها، بل في كل الغابات الأوروبية. مخلوقات بائسة غيرت بريطانيا، وقد تغير أوروبا كلها، وربما العالم معها. ولكن لم تمض ساعات قليلة حتى بدأ الصراع الخالد على السلطة.
يقول غوف، وهو يقف على جثة جونسون - الذي يذكرنا بالمناسبة بشخصية البهلول في مسرحية شكسبير «الملك لير» - معلنًا ترشيحه لرئاسة وزراء بريطانيا العظمى في اللحظات الأخيرة على حساب صديقه: «أستطيع أن أوقع بدمي أني لا أريد أن أكون رئيس وزراء بريطانيا، ولكن الحزب وبريطانيا بحاجة لمن يوحدهما، وبوريس جونسون غير مؤهل لذلك».
فنتذكر قول بروتس وهو يقف على جسد قيصر المطعون: «لقد قتلت قيصر ليس لقلَة حبي له، بل لأني أحب روما أكثر».
هل شكسبير معاصرنا، كما يعنون البولندي يان كوت كتابه الشهير عنه؟ أم نحن معاصرون لشكسبير؟ ألم تتغير الطبيعة البشرية منذ 400 عام؟ كل هذه الإنجازات الحضارية الهائلة، ألم ترفعنا قليلاً عن أنفسنا البدائية، التي سرعان ما تكشف عن طبيعتها المتوحشة في ظرف ما؟ ألم تُصقل دواخلنا بعد كل هذه القرون، فترتفع إلى ما يليق بطبيعتنا الإنسانية الحقة؟ كأن التاريخ يدور على نفسه ولا يسير، لا في طريق منحنٍ ولا مستقيم.
لا تزال شخصيات شكسبير، وقلما هناك شخصيات سوية في مسرحه كما في واقعه وواقعنا، تحكمنا، شرقًا وغربًا. شخصيات، كطبيعتنا البشرية، يتصارع فيها الخير والشر، وينتصر الشر غالبًا، والعاطفة والعقل، وتتقدم العاطفة دائمًا، وعالم حكمه القتل والدم، المؤامرات والمكائد، والطعن والخيانة، والخديعة والنفاق، النوازع والغرائز، التي تؤكد دائمًا أنها موجودة بقوة، في صراع مميت على السلطة بمختلف أشكالها. وإذا استخدمنا مصطلحات حديثة، فقلما نعثر على «بطل إيجابي» في مسرحيات شكسبير. ومن أين كان بإمكانه أن يأتي بهذا البطل الإيجابي في عصره المضطرب آنذاك، الذي كان يسمى عصر النهضة الإنجليزية؟ هل انتهى عصره حقًا؟ ألسنا نعيد إنتاجه بعد أربعة قرون من التطور البشري، بتراجيدياته ومهازله؟


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة