العنصرية.. قضية حاسمة في حملة ترامب للانتخابات الأميركية

كلينتون تتقدم 11 نقطة على منافسها المثير للجدل

مواطنون أميركيون في مظاهرة بوسط نيويورك احتجاجا على أفكاره العنصرية ودعوته لطرد آلاف المهاجرين (أ.ف.ب)
مواطنون أميركيون في مظاهرة بوسط نيويورك احتجاجا على أفكاره العنصرية ودعوته لطرد آلاف المهاجرين (أ.ف.ب)
TT

العنصرية.. قضية حاسمة في حملة ترامب للانتخابات الأميركية

مواطنون أميركيون في مظاهرة بوسط نيويورك احتجاجا على أفكاره العنصرية ودعوته لطرد آلاف المهاجرين (أ.ف.ب)
مواطنون أميركيون في مظاهرة بوسط نيويورك احتجاجا على أفكاره العنصرية ودعوته لطرد آلاف المهاجرين (أ.ف.ب)

أظهر استطلاع أجرته وكالة «رويترز» للأنباء، بالاشتراك مع مؤسسة «إبسوس» لقياس الرأي العام، أن أنصار المرشح الرئاسي الأميركي المحتمل دونالد ترامب يميلون إلى وصف الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية بأنهم «مجرمون وغير أذكياء وكسالى، ولديهم نزعة عنف»، أكثر مما يميل لذلك من أنصار مرشحين جمهوريين آخرين كانوا على الساحة في الانتخابات التمهيدية، ومن أنصار المرشحة الديمقراطية المحتملة هيلاري كلينتون.
ومن المقرر إجراء انتخابات الرئاسة الأميركية في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) لاختيار رئيس يحل محل باراك أوباما، أول رئيس أسود في تاريخ الولايات المتحدة.
وأظهر الاستطلاع أن أعدادا كبيرة من الأميركيين من المعسكرين الجمهوري والديمقراطي ينظرون بسلبية للسود بالمقارنة بالبيض، ويشعرون بالقلق من السكن في مناطق ذات تنوع عرقي، ولديهم مخاوف من أن تكون السياسات التي تدعم حقوقهم تمثل تمييزا ضد البيض.
وعبر الجمهوريون المشاركون في هذا الاستطلاع عن هذه المخاوف بدرجة أكبر من الديمقراطيين، فيما قدم أنصار ترامب أكثر الآراء انتقادا للسود.
وأجري الاستطلاع في الفترة الممتدة من مارس (آذار) إلى يونيو (حزيران) الماضيين، وشمل 16 ألف أميركي وتضمن 21 سؤالا، وطلب إجابات من أنصار ترامب وكلينتون والمنافس الديمقراطي بيرني ساندرز. وشمل كذلك أنصار السيناتور الأميركي تيد كروز وحاكم أوهايو جون كيسيك، آخر مرشحين خرجا من السباق.
وقال ستيفن ميلر، مستشار السياسات البارز لترامب، إن «ترامب من أنصار المساواة ويؤمن بدعم وحماية جميع الناس بشكل متساو»، مضيفا أن هذا التوجه «يتعارض بشدة مع هيلاري كلينتون التي كانت سياساتها بمثابة كارثة على الأميركيين من أصل أفريقي، وعلى الأميركيين من أصل لاتيني»، فيما رفض متحدث باسم كلينتون التعليق على الاستطلاع.
ووصف نحو نصف أنصار ترامب الأميركيين ذوي الأصول الأفريقية بأنهم أكثر ميلا للعنف من البيض. والنسبة نفسها وصفتهم بأنهم أكثر ميلا للجريمة من البيض، في حين وصفهم نحو 40 في المائة بأنهم أشد كسلا من البيض.
وينظر أنصار كلينتون كذلك للسود نظرة أكثر انتقادية فيما يتعلق ببعض الخصال الشخصية بالمقارنة بالبيض، وإن كان ذلك بدرجة أقل من نظرة أنصار ترامب السلبية لهم، ذلك أن نحو ثلث أنصار المرشحة الديمقراطية وصفوا السود بأنهم أكثر ميلا للعنف والجريمة من البيض، ووصف نحو ربع أنصارها السود بأنهم أكثر كسلا من البيض.
وتعتمد كلينتون بدرجة كبيرة على أصوات السود لمساعدتها على دخول البيت الأبيض، وقد كان تقدمها على ساندرز في المراحل الأولى من سباق الترشح يرجع في جانب منه إلى تأييد الأميركيين من أصل أفريقي لها.
وبسؤالهم أين يفضلون العش قال 36 من أنصار ترامب إنهم «يفضلون العيش في مجتمع يضم أفرادا من ثقافات متنوعة»، بالمقارنة مع 46 في المائة من أنصار كروز، و55 في المائة من أنصار كيسيك، و70 في المائة من أنصار كلينتون.
وكان أنصار ترامب أكثر ميلا لانتقاد السياسات التي تدعم مساواة الأقليات لدى القبول في المدارس والتعيينات، إذ قال نحو 31 من أنصار ترامب إنهم «يتفقون بشدة»، مع أن مثل هذه السياسات تمثل تمييزا ضد البيض، وذلك بالمقارنة مع 21 في المائة من أنصار كروز، و17 في المائة من أنصار كيسيك، و16 في المائة من أنصار كلينتون.
ولكن لم يبد بالقطع كل أنصار ترامب آراء سلبية عن السود. فقد أبدى 50 في المائة فقط من أنصاره نظرة سلبية تجاه السود عند مقارنتهم بالبيض. لكن تحليل نتائج الاستطلاع أظهر أن أجوبتهم بالمقارنة بأجوبة أنصار مرشحين آخرين كانت أكثر انتقادية للسود فيما يتعلق بالخصال الشخصية.
وفي هذا السياق، قال مايكل تروجوت، خبير قياس الرأي العام والأستاذ بجامعة ميتشيغان الذي لا يؤيد علنا أيا من كلينتون أو ترامب، أن آراء أنصار ترامب لا تعكس بالضرورة انحيازا عنصريا فقط، وربما تشير كذلك إلى مخاوف تتعلق بالاقتصاد والأوضاع الاجتماعية.
وتعهد ترامب، وأغلب أنصاره من البيض، بإعادة الوظائف في المصانع إلى الولايات المتحدة، وشن حملات على الهجرة غير الشرعية، والخروج من اتفاقات تجارية دولية يقول إنها أضرت بمصالح العمال الأميركيين. وبهذا الخصوص قال لورانس براون، الأستاذ بجامعة مورغان ستانلي في بالتيمور الذي يكتب عن العنصرية ويؤيد ساندرز، إن «تأييد ترامب يعبر عن تأييد للسياسات التي يتبناها».
وكان أوباما قال في مايو (أيار) الماضي إن العلاقات بين الأعراق المختلفة في الولايات المتحدة تحسنت على مدى العقود الثلاثة الماضية، لكن ما زال يتعين بذل كثير من الجهد. وقد اكتسبت قضية العنصرية أهمية سياسية كبرى في العامين الماضيين، وسط احتجاجات على مستوى البلاد على سوء معاملة الشرطة للأميركيين من أصل أفريقي والتباينات الاقتصادية بين السود والبيض والطعن أمام المحاكم في الخطوات، التي تؤكد حقوق الأقليات وحقوق التصويت.
وعلى صعيد متصل، أوضح استطلاع أجرته «رويترز- أبسوس» نشر أول من أمس أن هيلاري كلينتون المرشحة المحتملة للحزب الديمقراطي متقدمة 11 نقطة على منافسها الجمهوري المحتمل دونالد ترامب في تراجع طفيف عن استطلاع أجري أواخر الأسبوع الماضي.
وأظهر الاستطلاع الذي أجري بين يومي 24 و28 يونيو الحالي أن 3.‏45 في المائة من الناخبين الأميركيين المحتملين يؤيدون كلينتون، بينما يؤيد 1.‏34 في المائة ترامب، ولا يؤيد 5.‏20 في المائة من الناخبين أيا منهما.
وكانت كلينتون متقدمة بمقدار 14 نقطة يوم الجمعة الماضي، رغم أنها كانت توسع تفوقها بشكل عام على قطب العقارات في نيويورك منذ منتصف مايو أيار عندما كان الفارق بين الاثنين طفيفا.
وكانت كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة والسيدة الأولى السابقة، قد عززت موقفها في الأيام القليلة الماضية بحصولها على تأييد أعضاء من المؤسسة في الحزب الجمهوري، من بينهم هنري بولسن وزير الخزانة في عهد الرئيس جورج بوش. فيما قال منافسها على ترشيح الحزب الديمقراطي بيرني ساندرز، وهو عضو مجلس شيوخ من ولاية فيرمونت، إنه سيصوت لها لمنع ترامب من الوصول إلى الرئاسة، لكن حملته قالت إن ذلك ليس تأييدا رسميا لكلينتون.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.