تركيا تتمسك بنهجها الأمني في البحر الأسود في إطار «اتفاقية مونترو»

نفت علاقة الناتو بـ «قوة أوكرانيا متعددة الجنسيات»

نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)
نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)
TT

تركيا تتمسك بنهجها الأمني في البحر الأسود في إطار «اتفاقية مونترو»

نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)
نافلة نفط تعبر مضيق البوسفور في إسطنبول (رويترز)

نفت تركيا وجود علاقة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) بـ«قوة أوكرانيا متعددة الجنسيات» التي يجري العمل على إنشائها من جانب «تحالف الراغبين»، مؤكدة أن منهجها الأمني في البحر الأسود المطبق منذ بداية حرب روسيا وأوكرانيا لم يتغير في إطار تمكسها باتفاقية «مونترو»، والملكية الإقليمية.

وقال مصدر مسؤول في وزارة الدفاع التركية إن هناك خلطاً في المفاهيم في بعض التقييمات التي تظهر من خلال وسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي فيما يتعلق بمساهمات تركيا في حلف «ناتو»، و«تحالف الراغبين» بشأن أوكرانيا، والأنشطة المنفذة في البحر الأسود. وشدد المصدر، خلال إفادة أسبوعية للوزارة، على أنه لا مجال للمساس بمبدأ الملكية الإقليمية، و«اتفاقية مونترو» للعام 1936 التي تتعلق بتنفيذ حركة السفن في مضايق البحر الأسود، ويجري تنفيذ جميع الأعمال وفقاً لذلك.

الملكية الإقليمية

وأضاف أن فهم تركيا للأمن في البحر الأسود يستند إلى الحفاظ على التوازن والاستقرار اللذين توفرهما «اتفاقية مونترو»، وإلى تولي الدول المطلة على البحر الأسود دوراً رئيساً وفقاً لمبدأ الملكية الإقليمية.

وتابع أنه بفضل هذا النهج لم يتحول البحر الأسود إلى منطقة صراع واسعة النطاق، كما كان الحال في الماضي، فخلال الحرب الروسية-الأوكرانية طبقت تركيا بحزم أحكام مونترو، مانعةً بذلك امتداد الصراع إلى البعد البحري، وتحول البحر الأسود إلى ساحة صراع مع تزايد التنافس الجيوسياسي، والمخاطر الأمنية.

ناقلة نفط تعبر البحر الأسود بعد مرورها من مضيق البوسفور (رويترز)

وتسمح معاهدة مونترو الموقعة بمرور السفن الحربية التابعة للدول غير المشاطئة للبحر الأسود من مضيقي الدردنيل، والبوسفور، بشرط إشعار تركيا بالمرور قبل 15 يوماً، والبقاء في البحر الأسود لمدة لا تتجاوز 21 يوماً.

وأخطرت تركيا، في مارس (آذار) 2022، جميع دول العالم بعدم إرسال سفنها الحربية لعبور المضايق التركية التي تربط بين البحرين المتوسط والأسود (البوسفور، والدردنيل)، بسبب الحرب التي اندلعت بين روسيا وأوكرانيا في 24 فبراير (شباط) من العام ذاته.

وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، آنذاك، إن بلاده مصممة على استخدام صلاحيتها بموجب اتفاقية مونترو فيما يتعلق بحركة السفن في المضايق بشكل يمنع تصعيد الأزمة في أوكرانيا.

هجوم أوكراني على ناقلة النفط كايروس التابعة لأسطول الظل الروسي في 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وشهد البحر الأسود استهدافات متبادلة بين روسيا وأوكرانيا في الأشهر الستة الأخيرة لناقلات نفط، وسفن تجارية، وقع بعضها في المنطقة الاقتصادية الخالصة لتركيا، التي وجهت تحذيراً للبلدين من استمرار هذه الاستهدافات، لما تشكله من خطورة على الأمن الإقليمي في منطقة البحر الأسود.

ناتو و«قوة أوكرانيا»

ونفى المصدر العسكري التركي علاقة «ناتو» بـ«قوة أوكرانيا متعددة الجنسيات» التي يتم إنشاؤها في إطار مبادرة «تحالف الراغبين» من أجل أوكرانيا، والذي يضم 33 دولة، والتي من المقرر إدارتها من خلال مقر للعمليات في العاصمة الفرنسية باريس، مشيراً إلى أن تركيا هي التي ستتولى قيادة المكون البحري لهذه القوة للحفاظ على الأمن والاستقرار، ودعم مبدأ «الملكية الإقليمية»، والحفاظ على التوازن الذي أرسته «اتفاقية مونترو».

صورة تذكارية للمشاركين في قمة «تحالف الراغبين من أجل أوكرانيا» في باريس في 6 يناير الماضي (الخارجية التركية)

وأشار إلى أنه تم تشكيل مقر قيادة المكون البحري بهيئة أساسية تتألف بالكامل من أفراد أتراك اعتباراً من 25 أغسطس (آب) 2025، وأعلنت 14 دولة استعدادها للمساهمة في قيادة المكون البحري لقوة أوكرانيا متعددة الجنسيات، إلا أن المساهمات في المنصات البحرية ستقتصر على الدول الساحلية في البحر الأسود (تركيا ورومانيا وبلغاريا).

وفي سياق متصل، أوضح المصدر العسكري التركي أن فريق العمل المعني بمكافحة الألغام في البحر الأسود، الذي شُكل لمواجهة خطر الألغام العائمة في البحر الأسود خلال الحرب الروسية-الأوكرانية، وبدأ العمل في أول يوليو (تموز) 2024، أنشئ بمبادرة أطلقتها تركيا ورومانيا وبلغاريا، وتعمل خارج هيكل قوات حلف «ناتو».

لغم بحري من مخلفات حرب روسيا وأوكرانيا على ساحل البحر الأسود في تركيا (إعلام تركي)

وذكر أن مهمة هذا الفريق تتمثل في إجراء عمليات إزالة الألغام في البحر الأسود، والمساهمة في أمن البنية التحتية الحيوية تحت الماء، ويستخدم سفن إزالة الألغام للدول المشاركة، وتُنفذ مهام القيادة والمقر بالتناوب بين الدول الثلاث كل 6 أشهر، وتقوده تركيا حالياً.


مقالات ذات صلة

تركيا: حليف إردوغان يشعل الجدل حول وضع أوجلان

شؤون إقليمية أكراد يرفعون صورة أوجلان خلال مسيرة من أجل السلام في ديار بكر جنوب شرقي تركيا مطالبين بإطلاق سراحه (رويترز)

تركيا: حليف إردوغان يشعل الجدل حول وضع أوجلان

اشتعل النقاش في تركيا مجدداً حول «عملية السلام» وحل المشكلة الكردية في ظل مطالبات بوضع جديد لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب في إسطنبول خلال مداهمة أحد المنازل فجر الأربعاء (الداخلية التركية)

تركيا: القبض على 110 من عناصر «داعش» في حملة أمنية

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 110 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي خلال حملة تم خلالها تنفيذ عمليات أمنية متزامنة في إسطنبول وولايتين أخريين

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية حارس المرمى التركي بيركه أوزير (أ.ب)

الحارس التركي أوزير يغيب عن المونديال

لن يشارك حارس المرمى التركي بيركه أوزير، صاحب الموسم الناجح مع نادي ليل الفرنسي، المتورط في خلاف حديث مع المنتخب، في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية (رويترز)

مسلح يقتل ستة في جنوب تركيا ويصيب ثمانية آخرين

قتل مسلح قرب مدينة مرسين في جنوب تركيا الاثنين ستة أشخاص وأصاب ثمانية آخرين بجروح، وفق ما أعلن الرئيس رجب طيب إردوغان.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية اجتماع مجلس حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأعضاء «مبادرة إسطنبول للتعاون» في الكويت عام 2019 بمناسبة مرور 15 عاماً على إطلاقها (الموقع الرسمي لناتو)

تركيا تسعى لتفعيل «مبادرة إسطنبول للتعاون» خلال قمة «ناتو» في أنقرة

تجري تركيا مشاورات مع حلفائها في «ناتو» لدعوة الدول الخليجية المشاركة بـ«(مبادرة إسطنبول للتعاون) بين (ناتو) ودول الشرق الأوسط الكبير» لحضور قمته المقبلة بأنقرة

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

روسيا تحذّر لاتفيا من السماح لأوكرانيا بإطلاق مسيّرات... وتهدد برد انتقامي

سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)
سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا يلقي كلمة أمام أعضاء مجلس الأمن الدولي في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك بالولايات المتحدة 19 سبتمبر 2025 (رويترز)

قال سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، الثلاثاء، إن موسكو لديها معلومات تفيد بأن أوكرانيا تخطط لإطلاق طائرات مسيّرة عسكرية من لاتفيا ودول البلطيق الأخرى، محذّراً من أنّ عضوية حلف شمال الأطلسي (ناتو) لن تحمي تلك الدول من الرد الانتقامي.

وزعم نيبينزيا، في كلمة ألقاها خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي عن الأمن في أوكرانيا، أن كييف أرسلت بالفعل طائرات مسيّرة إلى لاتفيا.

وسارعت سفيرة لاتفيا لدى مجلس الأمن سانيتا بافلوتا - ديسلاندز إلى رفض هذه التصريحات ووصفتها بأنها «محض خيال».

وحذّرت تامي بروس، نائبة سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، من أن المنظمة الدولية «ليست مكاناً لإطلاق التهديدات ضد عضو في المجلس». وقالت إن الولايات المتحدة ستفي بجميع التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي.


«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
TT

«إغلاق هرمز» يدفع العالم إلى حافة أزمة غذاء

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

هيمنت تداعيات حرب إيران على أعمال اليوم الأول من مؤتمر «الشراكات العالمية» الذي تستضيفه لندن بمشاركة عشرات الدول والمنظمات الدولية والشركات والمؤسسات الخيرية من مختلف أنحاء العالم.

وفي وقت تسعى فيه بريطانيا إلى طرح مقاربة جديدة للتنمية الدولية تواكب تحديات المرحلة، وتقترح حلولاً لتراجع تمويل التنمية حول العالم، حذّرت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر من أن استمرار إغلاق إيران لمضيق هرمز يهدد سلاسل الإمداد العالمية وأسواق الطاقة. ويُقدّر برنامج الأغذية العالمي أن نحو 45 مليون شخص إضافي قد يواجهون تراجعاً حاداً في الأمن الغذائي إذا لم ينتهِ النزاع بحلول منتصف العام الجاري.

وقالت كوبر إن «العالم يتّجه نحو أزمة غذاء عالمية. لا يمكننا المخاطرة بأن يعاني عشرات الملايين من الجوع لأن دولة واحدة اختطفت ممراً ملاحياً دولياً». وأضافت أن «استمرار إيران في إغلاق مضيق هرمز بالتزامن مع حلول الموسم الزراعي يعكس الحاجة إلى ضغط دولي عاجل لإعادة فتح المضيق، وضمان تدفق الأسمدة والوقود، وتخفيف ضغوط تكاليف المعيشة». وأكّدت أن بريطانيا «ستواصل قيادة الدعوات لإعادة فتح المضيق فوراً ومن دون قيود»، إلى جانب الدفع بخطط «المهمة متعددة الجنسيات لمضيق هرمز» دعماً لأي اتفاق محتمل.

أزمة شاملة

تشير لندن إلى أن المؤتمر، الذي يستمر يومين، يأتي في توقيت حرج لا يقتصر على المسار الدبلوماسي، بل يتزامن أيضاً مع انطلاق الموسم الزراعي العالمي، إذ يحذر مسؤولون من أن تعطل تدفق الأسمدة والوقود قد يفرض الحاجة إلى شحنات طارئة من المساعدات الإنسانية، وليس فقط إلى استثمارات أو حلول تكنولوجية.

وزيرة التنمية البريطانية لدى إلقائها كلمة أمام المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وفي مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش المؤتمر، قالت وزيرة التنمية البريطانية البارونة جيني تشابمان، إن الحرب وإغلاق مضيق هرمز تحوّلا إلى «أزمة على كل المستويات»، تمتد تداعياتها إلى الغذاء والأسمدة والوقود والتحويلات المالية وسلاسل الإمداد الدولية، محذّرة من أن استمرار الأزمة يفرض على المجتمع الدولي «تحديد الأولويات بصورة عاجلة» للتعامل مع التداعيات المتوقعة.

وأضافت أن العالم «بحاجة إلى فهم دقيق لطبيعة التأثيرات المتوقعة على كل دولة، وتوقيتها، وكيفية الاستجابة لها»، مشيرة إلى أن تداعيات الأزمة «لن تصيب جميع الدول في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها».

وقالت الوزيرة: «فيما يتعلق بالأمن الغذائي حالياً، نحن بحاجة إلى النظر في التموضع المسبق، وفي آليات التوزيع، ومن يمتلك مخزونات استراتيجية، ومواعيد مواسم الزراعة في الدول المختلفة، حتى نفهم متى ستبدأ آثار أزمة الأسمدة بالظهور فعلياً، لأن هذا لن يضرب الجميع في الوقت نفسه أو بالطريقة نفسها». وأضافت: «كما نحتاج إلى فهم القضايا المرتبطة بالتوزيع وكلفة الوقود، لأن كثيراً من الدول تعتمد على المنتجات المستوردة».

وأشارت تشابمان إلى أن البنك الدولي «لديه بالفعل أدوات يستخدمها لإيصال مزيد من أموال المساعدات»، موضحة أن عدداً من الدول بدأ بالفعل محادثات مع صندوق النقد الدولي، «لكن ذلك ليس كافياً».

وتابعت: «نحن بحاجة إلى تنسيق أفضل، ولهذا السبب لدينا هنا أيضاً برنامج الأغذية العالمي، ولجنة الإنقاذ الدولية، والوكالات الإنسانية التي سيتعين عليها العمل معاً بطريقة لم تفعلها من قبل، وعلى هذا النطاق الواسع، لضمان أننا نفعل كل ما يمكننا فعله لحماية الناس».

أزمة إيران تتجاوز الحدود

تقول الحكومة البريطانية إن التحديات العالمية، مثل الأزمة الإيرانية، «لا تتوقف عند الحدود»، معتبرة أن المؤتمر الذي يُعقد بالشراكة مع جنوب أفريقيا ومؤسسة الاستثمار الدولي البريطانية ومؤسسة صندوق استثمارات الأطفال، يسعى إلى إعادة التفكير في كيفية توحيد الجهود بين الحكومات، والمنظمات الدولية، والقطاع الخاص، والمؤسسات التكنولوجية والخيرية، ومنظمات المجتمع المدني، لمواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية والصحية.

ويستضيف المؤتمر جلسات مخصصة لبحث تداعيات حرب إيران الاقتصادية والإنسانية، وتأثير اضطرابات الطاقة وسلاسل الإمداد الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز، بما في ذلك نقص الأسمدة ومخاطر الأمن الغذائي، إضافة إلى سبل تعزيز الاستجابة المبكرة في المناطق الأكثر هشاشة.

جانب من أعمال مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن، يوم 19 مايو (إ.ب.أ)

وقالت كوبر في كلمتها أمام المؤتمر إن «هذه الأزمة تؤثر على الدول المتقدمة والنامية، وعلى القطاعين العام والخاص على حد سواء. وهي تظهر حاجتنا إلى نهج جديد للشراكات العالمية، يقود التنمية الدولية بطريقة تتجنب الأزمات قبل وقوعها». وأضافت: «لقد تغيّر العالم بوتيرة أسرع من قدرة النظام الدولي على دعمه. ويعكس هذا المؤتمر نهجنا الحديث للتنمية، القائم على روح جديدة من الشراكة وبناء تحالفات جديدة من أجل عالم خالٍ من الفقر وعلى كوكب قابل للحياة».

مقاربة تنموية جديدة

أطلقت المملكة المتحدة خلال المؤتمر مبادرة «الميثاق العالمي للشراكات»، بهدف بناء نموذج جديد للتعاون الدولي «يعمل بصورة أسرع وأكثر انفتاحاً وعلى أساس شراكات حقيقية»، بما يسمح ليس فقط بالاستجابة لأزمات مثل حرب إيران وتداعياتها على الطاقة والغذاء والأسمدة، بل أيضاً ببناء منظومة أكثر قدرة على مواجهة أزمات المستقبل، مع تمكين الدول من قيادة مسارات نموها الاقتصادي.

وتلفت وزيرة التنمية البريطانية في هذا السياق إلى أن «التمويل التنموي التقليدي وحده لا يمكنه تلبية هذه المطالب، بل إنه لم يكن قادراً على ذلك يوماً. كما أنه لا يواكب حجم التحديات التي نواجهها اليوم. نحن بحاجة إلى طرح أفكار جديدة، وإشراك تحالف أوسع من الشركاء على الطاولة».

وتابعت: «لقد استمعنا إلى ما يطالب به شركاؤنا. فهم يريدون العمل في شراكة مع المملكة المتحدة. والدول تسعى إلى مزيد من السيطرة على قراراتها، والانتقال إلى ما بعد الاعتماد على المساعدات، وجذب الاستثمارات، وتعزيز أنظمتها الصحية والتعليمية، وتولي زمام مستقبلها بنفسها».

وعدّت أن «القرارات التي ستصدر عن هذا المؤتمر ستعود بالفائدة على الجميع: اقتصادات أقوى، وأزمات أقل، ومستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً يفتح المجال أمام الفرص».

ويهدف الميثاق التنموي الجديد إلى حشد مليارات الدولارات من أدوات التمويل المبتكرة، وتسخير التكنولوجيا بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وبناء شراكات جديدة تساعد الدول على تعزيز أنظمتها، وإدارة المخاطر في مراحل مبكرة، وزيادة قدرتها على الاعتماد على الذات في مواجهة الصدمات المستقبلية.

مبادرة دعم أطفال غزة

وفي إطار الدفع نحو إصلاح منظومة التنمية الدولية، أعلنت بريطانيا والدول والجهات الشريكة في استضافة المؤتمر حزمة مبادرات جديدة ترتكز على ثلاثة مسارات رئيسية، تشمل: توفير تمويل أكثر استدامة وتنوعاً، وتسريع الوصول العادل إلى المعرفة والتكنولوجيا، وتعزيز الشراكات التي تضع الدول والمجتمعات المحلية في صدارة جهود التنمية.

ومن أبرز المبادرات التي أُعلنت خلال المؤتمر، إطلاق شراكة صحية جديدة لدعم الأطفال المصابين جراء الحرب في غزة، بمشاركة المملكة المتحدة ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، ومؤسسة «مجتمع جميل» السعودية، ومؤسسة «ميريو» الفرنسية.

وتهدف المبادرة إلى توفير خدمات إعادة التأهيل والأطراف الصناعية للأطفال الذين تعرضوا لإصابات ناجمة عن الانفجارات خلال الحرب، على أن تتولى منظمة «يو كيه - ميد» البريطانية تنفيذ البرنامج ميدانياً، بالتعاون مع «إمبريال كوليدج لندن»، مع الاستفادة من الخبرات البريطانية في تكنولوجيا الرعاية الصحية.

تعاون مع السعودية

قالت البارونة جيني تشابمان لـ«الشرق الأوسط» إن «النهج التنموي الجديد يتمثل في تقديم الدعم للأطفال في غزة الذين فقدوا أطرافهم، وذلك من خلال المساعدة في الأطراف الصناعية وإعادة التأهيل»، مضيفة أنه «من المأساوي رؤية ما حدث، وأن عدداً كبيراً جداً من الأطفال الصغار باتوا يواجهون احتمال أن يعيشوا حياتهم بطريقة لم يتخيلوها أبداً».

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تخاطب المشاركين في مؤتمر «الشراكات العالمية» بلندن يوم 19 مايو (أ.ف.ب)

وأضافت الوزيرة البريطانية أن «التكنولوجيا الطبية موجودة لدعمهم، لكن التحدي يتمثل في إيصال هذا الدعم إلى الناس في المكان والوقت المناسبين، وتوفير إعادة التأهيل المستمرة أيضاً».

وعدّت تشابمان المبادرة «تجسيداً لفكرة المؤتمر»، مضيفة: «نعمل مع المملكة العربية السعودية وبعض المنظمات الخيرية لتوحيد الموارد والخبرات والتمويل، بما يتيح لنا تنفيذ هذا المشروع في إطار شراكة حقيقية».


«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
TT

«الأحزاب الاشتراكية» الأوروبية في تقهقر مستمر

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز ومرشحة الحزب «الاشتراكي العمالي» الإسباني ماريا خيسوس مونتيرو في تجمع انتخابي بإشبيلية يوم 15 مايو 2026 (رويترز)

هل كان سقوط فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية سراباً بالنسبة إلى الذين يبشّرون بانحسار الموجة اليمينية المتطرفة في أوروبا؟ وهل كانت هزيمة رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، مؤخراً في الاستفتاء على تعديل بعض مواد الدستور مجرد حادث عابر وضريبة كان لا بد منها بعد سلسلة الفضائح التي عصفت بالائتلاف الحاكم؟

رئيس الوزراء المجري الجديد، بيتر ماجار، جاء من صفوف الحزب الذي أسسه أوربان، وتدرّج فيه إلى أن قرر الانشقاق عنه عندما شعر أن الظرف بات مواتياً لتحقيق طموحه بالوصول إلى السلطة.

ترحيب أوروبي بخسارة أوربان انتخابات المجر (أ.ف.ب)

الاستطلاعات الأخيرة في إيطاليا تدلّ بوضوح على أن حزب «إخوان إيطاليا» الذي تقوده ميلوني هو الأوسع شعبية، وأن فوز القوى اليسارية في انتخابات مقبلة دونه عقبات كثيرة، هذا إذا تمكنت تلك القوى من خوضها متحالفة. يضاف إلى ذلك أن الهزيمة المدوّية التي مني بها حزب «العمّال» البريطاني في الانتخابات البلدية والإقليمية و«تفرّقت فصائله أيدي سبأ»، هي نذير شؤم بالنسبة إلى من يتوقعون نهوض المعسكر التقدمي الأوروبي من كبوته المديدة التي عمقتها أيضاً هزيمة «الاشتراكيين الديمقراطيين» في الدنمارك بمنتصف مارس (آذار) الماضي، وتراجع شعبية نظرائهم في ألمانيا إلى 14 في المائة من الدعم الشعبي استناداً إلى استطلاعات الرأي الأخيرة.

بيتر ماجار زعيم حزب «تيسّا» يتحدث خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد يوم من فوز حزبه بالانتخابات في بودابست يوم 13 أبريل 2026 (رويترز)

في فرنسا، ورغم صمود «الاشتراكيين» النسبي في الانتخابات البلدية الأخيرة، ما زال الحزب «الاشتراكي» أثراً بعد عين مقارنة بالماضي غير البعيد، وفي أوروبا الشرقية أصبحت الأحزاب اليسارية في غياب شبه تام عن المشهد السياسي.

هذا المشهد التقدمي القاتم في أوروبا تعرّض لانتكاسة أخرى قاسية نهاية الأسبوع الماضي عندما مُني الحزب «الاشتراكي العمالي» الحاكم في إسبانيا بأسوأ نتيجة منذ تأسيسه في الانتخابات الإقليمية الأندلسية، وهي الرابعة في انتخابات إقليمية خلال السنوات الثلاث الماضية.

الرئيس الفرنسي «الاشتراكي» السابق فرنسوا هولاند الراغب في الترشح للانتخابات الرئاسية بعد 10 أعوام على مغادرته «قصر الإليزيه» (رويترز)

أهمية الدلالة التي تحملها هذه الهزيمة أن إقليم الأندلس، فضلاً عن أنه الخزّان التاريخي لليسار الإسباني، خصوصاً الحزب «الاشتراكي»، يعادل البرتغال المجاورة مساحة وسكاناً، وكان دائماً حصناً امتنع على اليمين الذي دكّ أسواره لثاني مرة على التوالي.

فيكتور أوربان مع جورجيا ميلوني وخلفهما أنطونيو غوتيريش (رويترز)

هزيمة «الاشتراكيين» الإسبان في الأندلس تساعد على تشخيص أسباب الداء الذي يعاني منه المعسكر التقدمي الأوروبي الذي يدفع منذ سنوات ثمن عدم تموضعه في الموقع المناسب بمواجهة النظام الرأسمالي الجامح والجوانب المظلمة للعولمة؛ مما دفع بقواعده الشعبية إلى البحث عن الحلول والمخارج، أحياناً على يساره، وفي الغالب عند اليمين المتطرف.

مرشح حزب «فوكس» اليميني يتحدث عن نتائج انتخابات الأندلس في إشبيلية الأحد الماضي (إ.ب.أ)

لكن الأفدح من ذلك أن التقدميين الأوروبيين، الذي تصدروا المشهد السياسي وتناوبوا على السلطة مع أحزاب يمين الوسط المحافظة وحكموا مراراً منفردين في دولهم المختلفة، يبدون عاجزين عن استثمار الركائز المؤسسة لمعتقدهم السياسي والاجتماعي، مثل الدفاع عن نظام الخدمات العامة في الصحة والتعليم، خصوصاً في هذا العصر تحديداً حيث تزداد الحاجة إليها أمام الأزمات الصحية والثورة التكنولوجية التي تستدعي، أكثر من أي وقت مضى، نظاماً تعليمياً يصون القدرة الذاتية على التفكير بعيداً عن الآلة.

رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر ورئيس الوزراء الأسبق غوردون براون (يسار) بعد أن تلقى حزب «العمال» هزيمة تاريخية في الانتخابات المحلية والإقليمية (أ.ف.ب)

تتنوع المشكلات التي يعاني منها التقدميون في أوروبا بتنوع ظروف المجتمعات التي ينشطون فيها، لكنهم يتشاركون مشكلة أساسية؛ هي العجز عن إيجاد الخطاب المناسب، خارج السرد الشعبوي، القادر على بث الحماس والأمل مجدداً بين صفوف القواعد الشعبية التي أضاعت البوصلة وأحبطتها الخيبات المتتالية. هذا العجز، الذي يكاد يكون مأساوياً في عالم بات فريسة القوى الإمبريالية الكبرى والحركات القومية المتطرفة، هو اليوم في أمسّ الحاجة إلى تيار أممي تقدمي معتدل، يمنع تعميق الشرخ الاجتماعي والعرقي والديني الذي تُمعن القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة في تثبيته وتوسيع دائرته.

المرشح «الاشتراكي» الفرنسي إيمانويل غريغور (وسط) محتفلاً بالنصر مع جمهوره ليل الأحد بعد الإعلان عن النتائج (أ.ف.ب)

وما يزيد في الحاجة إلى نهضة تقدمية حقيقية في أوروبا، أن التوافق لم يعد هو الهدف السياسي الأسمى الذي ميّز الأنظمة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والذي يقوم على التفاهمات والاتفاقات الكبرى بين القوى السياسية التقليدية لمواجهة الأزمات الكبرى والحالات المستعصية. ولعلّ الائتلاف الحاكم اليوم في ألمانيا هو المثال الأخير الذي ستشهده أوروبا على هذا التوافق الذي لطالما حال دون الانزلاق إلى متاهات تقف المجتمعات الأوروبية اليوم على مشارفها وتتهيّب هاوياتها.

رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بمهرجان انتخابي في إشبيلية يوم 15 مايو الحالي (رويترز)

واذا أضفنا نيران الحروب المشتعلة على حدود أوروبا وفي جوارها، والأزمة الاقتصادية السائرة بخطى ثابتة نحو مزيد من التفاقم، إلى انتشار الشعور بفقدان الهوية، والتحول السريع في المشهد الاجتماعي بسبب ارتفاع عدد المهاجرين الذي ناهز 65 مليوناً نهاية العام الماضي، تصبح القوى التقدمية، المتنورة والمعتدلة، صمّام الأمان الوحيد الذي يمكن أن يحول دون كارثة أوروبية جديدة.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended