مفاجآت حملة اختيار خليفة لكاميرون

غوف يدخل السباق لإيقاف جونسن.. والأخير ينسحب ويخلط الأوراق

يافطة كتب عليها عبارة «بوريس: كذاب، وعنصري وانتهازي»، تركت امام بيت بوريس جونسون الذي اعلن امس انسحابه من السباق على زعامة حزب المحافظين. (رويترز)  -  وزيرة الداخلية تريزا ماي تحسنت فرصها لتصل الى 10 داونينغ ستريت(ا.ب.أ)
يافطة كتب عليها عبارة «بوريس: كذاب، وعنصري وانتهازي»، تركت امام بيت بوريس جونسون الذي اعلن امس انسحابه من السباق على زعامة حزب المحافظين. (رويترز) - وزيرة الداخلية تريزا ماي تحسنت فرصها لتصل الى 10 داونينغ ستريت(ا.ب.أ)
TT

مفاجآت حملة اختيار خليفة لكاميرون

يافطة كتب عليها عبارة «بوريس: كذاب، وعنصري وانتهازي»، تركت امام بيت بوريس جونسون الذي اعلن امس انسحابه من السباق على زعامة حزب المحافظين. (رويترز)  -  وزيرة الداخلية تريزا ماي تحسنت فرصها لتصل الى 10 داونينغ ستريت(ا.ب.أ)
يافطة كتب عليها عبارة «بوريس: كذاب، وعنصري وانتهازي»، تركت امام بيت بوريس جونسون الذي اعلن امس انسحابه من السباق على زعامة حزب المحافظين. (رويترز) - وزيرة الداخلية تريزا ماي تحسنت فرصها لتصل الى 10 داونينغ ستريت(ا.ب.أ)

أمس بدأت حملة خلافة زعيم حزب المحافظين رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بمفاجأتين. أولا جاء إعلان وزير العدل مايكل غوف عن ترشح نفسه لاعتبار حليفه بوريس جونسون، الذي قاد معه غمار حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي بنجاح: «إنه لا يستطيع تولي القيادة أو بناء فريق للمهمة التي تنتظرنا». وبعد ساعات قليلة جاءت المفاجئة الثانية، وهي إعلان بوريس جونسون، الأوفر حظا في السباق، الذي طالما تكلم عن طموحه في أن يصبح رئيس للوزراء منذ إن كان تلميذا مع صديقه كاميرون في كلية ايتون الارستقراطية الشهيرة، وحتى قبل انتقالهما للدراسة إلى أكسفورد. وقال جونسن إنه لن يخوض سباق التنافس على خلافة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون كزعيم مقبل لحزب المحافظين.
وكان غوف وجونسن تعاونا بصورة وثيقة في حملة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي كللت بالنجاح، حيث توقع الكثير من المحللين أن يدعم غوف حملة جونسن لكي يكون الزعيم المقبل لحزب المحافظين. وأوضح غوف في بيان له: «قلت مرارا إنني لا أرغب في أن أكون رئيسا للوزراء». وأضاف: «إلا أن الأحداث التي وقعت منذ (إجراء الاستفتاء) يوم الخميس الماضي، كانت وطأتها شديدة بالنسبة لي»، موضحا أنه في البداية كان يرغب «في المساعدة في تشكيل فريق وراء بوريس جونسون» لضمان وجود زعيم للبلاد يؤيد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال: «إلا أنني توصلت، على مضض، إلى استنتاج مفاده أنه ليس من الممكن لبوريس أن يوفر القيادة أو أن يبني الفريق من أجل المهمة المقبلة». وأضاف: «لذا، قررت أن أرشح اسمي للقيادة».
حزب المحافظين وعد بإتمام عملية الانتخابات بحلول التاسع من سبتمبر (أيلول) المقبل. وسيعرف اسم رئيس الوزراء البريطاني الجديد في التاسع من سبتمبر بعد تصويت أعضاء حزب المحافظين البالغ عددهم 150 ألفا، للاختيار بين مرشحين يعينهما نواب الحزب.
وكان المرشحان الأوفر حظا وزيرة الداخلية تيريزا ماي التي تعد مرشحة توافقية ورئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون. لكن إعلان وزير العدل البريطاني مايكل غوف، صباح الخميس ترشحه يمكن أن يغير الوضع. وأعلنت تيريزا ماي في مؤتمر صحافي ترشيحها لخوض السباق. وكتبت في رسالة نشرتها صحيفة «تايمز» الخميس «بعد استفتاء الأسبوع الماضي، يحتاج بلدنا إلى قائد قوي ومعترف بمؤهلاته لاجتياز هذه الفترة من الغموض الاقتصادي والسياسي، ولإجراء مفاوضات حول أفضل الطرق للخروج من الاتحاد الأوروبي».
وكشف استطلاع للرأي أجراه معهد يوغوس لصحيفة «تايمز» وشمل ألفا من أنصار المحافظين لكنه لا يأخذ في الاعتبار ترشيح غوف، أن وزيرة الداخلية ستحصل على 36 في المائة من الأصوات متقدمة بذلك على جونسن (27 في المائة). وسيحصل المرشحون الآخرون على أقل من سبعة في المائة. لكن تغيرت الصورة الآن، وأصبحت المنافسة مع غوف. وكان وزير العمل ستيفن كراب حتى مساء الأربعاء الوحيد الذي أعلن ترشحه رسميا. وسيكون بين المرشحين أيضا وزير الدفاع السابق ليام فوكس.
وتيريزا ماي معروفة بتشكيكها في جدوى الاتحاد الأوروبي. وقد أثارت مفاجأة بإعلانها الوقوف في معسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي في إطار الانضباط الحكومي. وبما أنها حرصت على ألا تخوض الحملة في الصف الأول، يرى فيها الكثير من المحافظين تسوية يمكن أن تسمح بلم شمل حزب يعاني من انقسامات عميقة.
وستكون المنافسة حادة بين تيريزا ماي التي تبدو «امرأة حديدية» وفي بعض الأحيان قاسية، مع غوف، الذي يعتبر من أذكى أعضاء الحكومة.
ولم تتردد تيريزا ماي في رسالتها في صحيفة «ذي تايمز» في استهداف أشخاص لم تذكرهم. وقالت: «يجب أن يتذكر البعض أن الحكومة ليست لهوا، أنها مسألة جدية لها عواقب حقيقية على حياة الناس». الواضح أنها كانت تقصد بوريس، الذي خرج من السباق من نفسه.
على صعيد المعارضة العمالية، أضعفت الاحتجاجات التي يواجهها زعيم الحزب جيريمي كوربن موقعه، منذ الإعلان عن نتيجة الاستفتاء على عضوية بريطانيا. إذ أخذ عليه كثيرون من أعضاء الحزب أنه لم يبذل جهدا كافيا في الحملة من أجل بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد.
وخسر الثلاثاء تصويتا على الثقة بنسبة 172 صوتا مقابل 40. بعدما خسر دعم ثلثي أعضاء حكومة الظل التي يرأسها.
وقالت النائبة مارغريت بيكت «حزبنا في مأزق. أكثر من ثمانين في المائة من النواب أعلنوا أنهم يرفضون العمل معه». والأربعاء، تلقى كوربن دعوة من سلفيه على رأس الحزب إلى الاستقالة. وقال إد ميليباند بأن كوربن «لا يستطيع الدفاع عن موقفه» فيما قال غوردن براون رئيس الوزراء الأسبق «أعتقد أن عليه الرحيل».
كذلك، دعاه نائبه توم واتسون مساء الأربعاء إلى الاستقالة معتبرا أنه لا يحظى بدعم النواب ولا يمكنه تاليا قيادة أكثرية مقبلة. وقال واتسون «أود أن أعتذر أمام البلاد عن الفوضى التي تشهدها»، لافتا إلى أن حزب العمال يستعد لمعركة. لكن كوربن يرفض التنازل، مؤكدا أنه لن «يخون» ثقة أعضاء الحزب الذين انتخبوه في سبتمبر (أيلول) الماضي. ولا يكفي أن يؤيد غالبية نواب الحزب مذكرة حجب الثقة بل يجب أن يصادق عليها جميع أعضائه.
وأظهر استطلاع للرأي أعدته مؤسسة «يوغوف» لحساب صحيفة «تايمز» أن ثمانية من كل عشرة أعضاء في حزب العمال سيؤيدونه إذا أجريت انتخابات جديدة، علما بأن كوربن يحظى أيضا بدعم النقابات.
وقد أكد كوربن أنه سيترشح لرئاسة الحزب في حال جرت انتخابات جديدة يمكن أن تنافسه فيها أنجيلا إيغل، أحد الأعضاء المستقيلين من حكومة الظل وتوم واتسون نائبه.
وأعلن الخبير الاقتصادي الفرنسي طوما بيكيتي الذي أصبح مستشارا لحزب العمال أنه سيتخلى عن هذه الوظيفة بسبب ضيق الوقت قبل شهر من الاستفتاء. وقال: «حتى لو أن حملة كوربن لم تكن رائعة فعلا، فمن الصعب أن نجعل منه المسؤول الأول» عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended