رئيس لجنة العدل والمصالحة في البرلمان الليبي: المجلس النيابي لا يزال منقسمًا على نفسه

عميش قال لـ «الشرق الأوسط» إن التكتل الموالي للسراج يعرقل جلسة منح الثقة

إبراهيم عميش
إبراهيم عميش
TT

رئيس لجنة العدل والمصالحة في البرلمان الليبي: المجلس النيابي لا يزال منقسمًا على نفسه

إبراهيم عميش
إبراهيم عميش

قال إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة وخريطة الطريق في مجلس النواب (البرلمان) الليبي، إن المجلس النيابي ما زال منقسما على نفسه بشأن منح الثقة من عدمه لحكومة فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة الليبية المقترحة من الأمم المتحدة. وأضاف في حوار مع «الشرق الأوسط» أن التكتل الموالي للسراج يعرقل عقد جلسة منح الثقة لهذه الحكومة، ويقف ضد وجود نصاب قانوني لعقد مثل هذه الجلسة.
وتابع عميش، وهو نائب في البرلمان عن مدينة بنغازي التي تشهد حربا بين الجيش الوطني والجماعات المتطرفة، قائلا: «إن الأوضاع في بلاده أصبحت سيئة للغاية، مع وجود مخاوف من أن تتحول ليبيا إلى (عراق جديد)». وكشف من خلال نشاط اللجنة البرلمانية التي يرأسها، عن وجود خلافات بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية بشأن التعاطي مع المشكلة الليبية؛ حيث أوضح أن الحزب الديمقراطي يبدو أكثر مرونة في التعامل مع الأزمة، على عكس الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه مسؤول عن الملف الليبي في الخارجية الأميركية، مشيرا إلى أن قيام المسؤولين في الغرب الليبي بطباعة عملة ليبية في بريطانيا، وقيام المسؤولين في الشرق بطباعة عملة ليبية في روسيا، يعد محاولة لترسيخ فكرة تقسيم الدولة، و«هذه كارثة»، وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار..
* كيف ترى الأوضاع في ليبيا اليوم؟
- للأسف سيئة للغاية، فالشعب منقسم على نفسه، ونحن نمر بظروف أصبحت تشكل مخاوف بالنسبة إلينا من أن نكون مثل العراق، وقد عبَّرنا عن هذه المخاوف للأمم المتحدة، عن طريق مبعوثها لليبيا، مارتن كوبلر.
* هل الأمر يتعلق بالمجلس الرئاسي وحكومته المقترحة من الأمم المتحدة؟
- نحن كلجنة برلمانية مختصة بالمصالحة وبالعدل، وصلنا إلى اتفاقات مع أطراف أساسية تسيطر على مدينة طرابلس وهو المؤتمر الوطني، واستطعنا أن نصل معه إلى حلول وإلى توافقات، لكن للأسف هناك إصرار من الأمم المتحدة ومن عدة أطراف غربية على استمرار حكومة السراج.
* يعني أنتم ضد حكومة السراج؟
- لا.. نحن لسنا ضد السراج، ولكن استمرار حكومته ودعمها دوليا، دون أن تكون قد حصلت على الشرعية من البرلمان، يشكل خطرا على المسار الديمقراطي والمسار التشريعي في ليبيا. وهذا الخطر يخيفنا. السراج كان يمكن أن يكسب مجلس النواب، لكن الإصرار الدولي على دعمه بصرف النظر عن البرلمان، يبدو أنه يشجع البعض على تجاهل المجلس التشريعي صاحب الاختصاص الأصيل في منح حكومته الثقة من عدمه.
* وما مخاوفكم من استمرار عمل السراج بهذه الطريقة؟
- كثيرة.. وكمثال على ذلك فقد أصبحت توجد سلطات متعددة في البلاد، في الغرب وفي الشرق، والشعب يعاني نقص السيولة المالية، هناك أيضا موضوع الأموال الليبية والسيطرة عليها من قبل حكومة لم تزك من البرلمان بعد. ونحن نخشى من حدوث اتفاقات سرية قد يجري توقيعها مع صندوق النقد الدولي، بحيث يغرقنا في حلول وهمية وقتية، ثم نغرق في قضية الديون بعد ذلك. كما توجد معضلة الميليشيات العسكرية التي تدعم حكومة السراج. ومسألة أن يكون هناك جيشان في ليبيا تشكل خطورة كبيرة. المجلس الرئاسي وحكومة السراج انتهكا الاتفاق السياسي الذي جرى توقيعه في الصخيرات بالمغرب أواخر العام الماضي.
* وما الحل أمام هذا الواقع في رأيك؟
- المفروض أن تكون هناك توافقات. وقد بعثت شخصيا بآخر مبادرة بعد حالة من اليأس للسراج ولرئيس مجلس النواب (المستشار عقيلة صالح) وللسيد كوبلر، عرضت فيها أن تلتقي هذه السلطات، أي مجلس النواب (الذي يعقد جلساته في الشرق)، والمؤتمر الوطني (في طرابلس غربا) وحكومة السراج، نلتقي ونضع الحل.
* لكن لا يخفى على أحد أن قضية الجيش الوطني بقيادة الفريق أول خليفة حفتر تعد من نقاط الخلاف الرئيسية بين الشرق والغرب؟
- عندما يطرح الطرف الآخر قضايا، فإنه لا يجب أن تكون هي العائق أمام التوصل إلى حل، أي لا يجب أن تُذكر قضية الأشخاص، خاصة فيما يتعلق بالقيادات العسكرية، نحن نتكلم عن بناء جيش من المحترفين من الضباط والجنود الأكفاء. وفي هذا الإطار لا بد من الحديث عن قضية «الثوار» التي لم تعد واضحة، كما أن معرفة ما الخطوط الفاصلة بين بعض جماعات «الثوار» والتنظيمات المتطرفة؛ لأن هذا أمر أصبح يشكل كارثة.
* ماذا تعني بذلك؟
- في منطقة بنغازي على سبيل المثال، اختلط اسم «الثوار» مع أسماء أخرى، مثل تنظيم «أنصار الشريعة» مع باقي الإرهابيين، وقد قتل الكثير من الناس وأصبح هناك أولياء دم، نحن نريد مصالحة وطنية شاملة وعامة، ونترك الأمور لقوانين العدالة الانتقالية بشكل صحيح.
* وأين ترى موقع جماعة الإخوان الليبية من كل هذا؟
- أريد أن أشير إلى أن لي علاقات مع قيادات من جماعة الإخوان المسلمين منذ زمن، أعرفهم شخصيا ونحن على تواصل، وقد تواجهت معهم كثيرا، وبصراحة فكونهم يسيطرون على الأمور، فإنهم أربكوا المشهد السياسي، وأربكوا الحالة الليبية حتى مع دول الجوار.
* في أي أمور بالتحديد؟
- في كل الأمور.. فهم يسيطرون عليها من خلال التوجيهات التي يوجهونها، وهم أيضا مدعومون.
* كان هناك اتصال مباشر مع مسؤولين أميركيين خلال محاولة التوافق بين البرلمان والمؤتمر الوطني التي جرت في تونس أواخر العام الماضي.. ما تعليقك؟
- أنا لا أثق بالأميركيين، رغم كل المواقف التي وصلتني من الحزب الديمقراطي، ومن السيدة هيلاري كلينتون نفسها (المرشحة للرئاسة)، التي تعبِّر فيها عن وقوفها مع الشعب الليبي. لكن برز لنا مسؤول من الحزب الجمهوري، هو مسؤول الملف الليبي في الخارجية الأميركية، اتخذ مواقف تعبر عن أن قضية الشعب الليبي لا تعنيه، وأن ما يعنيه هو أنه لا بد من أن تُمرَّر حكومة التوافق الوطني برئاسة السراج، أيا كان الأمر.،ووقف ضد أي توافقات أخرى يرتضيها الشعب الليبي.
* وما الضرر الذي تراه من مثل هذه المواقف؟
- نحن نخشى من أن يكون الحزب الجمهوري يسعى بالفعل (إذا فاز مرشحه في الانتخابات الرئاسية في أميركا) لاستخدام العنف والقوة في ليبيا، كما هو معروف عن توجهات هذا الحزب، خاصة مع وجود طرح لتقسيم بعض البلدان العربية إلى دويلات. هذه كارثة لأنه يأتي ضمنها السعي لتقسيم ليبيا أيضا.
* هل توجد مؤشرات فعلية على مسألة التقسيم في بلادك؟
- يمكن أن ترى هذا.. فمثلا هناك مسألة طبع العملة الليبية في بلدين هما روسيا وبريطانيا، فهذه القضية في نظري محاولة لترسيخ فكرة التقسيم؛ حيث يستمر تخصيص الأموال بين الشرق والغرب وكل طرف يسيِّر الأمور في منطقته. وإذا رضخنا لهذه الخطة فستستمر لسنوات، وتظل المنطقة الشرقية كأنها في حكم ذاتي، بينما الحكومة في المنطقة الغربية تسيِر الأمور هناك، وهذا خطر كبير، خاصة أن الحكومة في المنطقة الغربية محمية من الميليشيات.
* قد يفهم البعض من هذا أن البرلمان يريد أن يبعد الأمم المتحدة عن القضية الليبية؟
- لا.. نحن نريد أن نعمل تحت مظلة الأمم المتحدة. ولكن أصبحت لدينا ريبة وخوف. لماذا هذا الإصرار على ألا يكون هناك توافق. لماذا لا يقال للسرج اذهب إلى مجلس النواب واطرح مشاريعك وتكلم معهم واطلب منهم العون؟ مجلس النواب اعترض على بعض الوزراء؛ بسبب علامات استفهام عليهم، أو لأي سبب كان. من حق مجلس النواب أن يعترض، فلماذا لم يتم تغيير الأسماء التي اعترض عليها؟ للأسف الأمور معقدة.
* لكن هناك من يرى أن مجلس النواب نفسه ليس خاليا من العيوب.. ما رأيك؟
- لا أنكر أن هناك عيوبا كثيرة موجودة في مجلس النواب موجودة في المنطقة الشرقية كما هي موجودة في المنطقة الغربية. توجد لدينا في المنطقة الشرقية، مثلا، قضية تعميق النزعة القبلية والعشائرية والنزعة العنصرية. وهذه موجودة لدى البعض بعنف وبقوة، وهذا يشكَّل مصدر إزعاج للقوى الوطنية المعتدلة الواضحة الليبرالية والديمقراطية. ومع ذلك فإن ما هو موجود في الشرق يأتي تخوفا من التشدد الموجود في الغرب.
* مثل ماذا؟
- مثل وجود قوى في الغرب تعمل تحت اسم تنظيمات يُخشى منها. عندما نقول: «الجماعة الليبية المقاتلة»، فمن هي هذه الجماعة؟ هذا يعيدنا إلى قضية أفغانستان وقضية علاقتها مع تنظيم القاعدة. أيضا قضية الإخوان المسلمين التي تهدف إلى تعميق هذا الصراع، بحيث تعقد هذه الجماعة تحالفات مع ميليشيات وقوى عسكرية لتكون ذراعا لها، كذلك موضوع سرقة الأموال الليبية بشكل رهيب وأيضا التدخل الدولي.. أي أن يكون لعدة دول إقليمية دور كبير وتمويل أطراف ضد أطراف وزراعة الانشقاق.
* إذن متى يعقد البرلمان جلسة لحل كل هذه المشكلات؟ أم أنك ترى أن الكُرة أصبحت في ملعب المجلس الرئاسي؟
- للأسف هي ليست كرة واحدة، بل عدة كرات تلعب بها كل الأطراف. البرلمان أعتقد أنه لا يستطيع أن يعقد جلسة كاملة النصاب.
* لماذا؟
- لأنه منقسم على نفسه، ولأن هناك قوى تدعم حكومة السراج بأي شكل، وترى أنه طالما تبنتها الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، فإن الأمر انتهى ولا تفكر في القضايا الأخرى، مثل نظرية المؤامرة التي نخشاها.
* هل عدد مؤيدي حكومة السراج في مجلس النواب كبير؟
- هم يشكلون عددا لا بأس به، فقد كسبنا منهم عددا أصبح على الحياد، لكن ما زال الآخرون يشكلون قوة، كما أنه مضغوط عليهم أيضا من جماعة السراج لكي لا يحضروا إلى المجلس حتى لا تكون هناك جلسة فيها نصاب قانوني لانعقادها، هناك مؤامرة تحاك ضد مجلس النواب أيضا.
* بصفتك نائبا عن مدينة بنغازي.. ما تقييمك لحرب الجيش ضد التنظيمات الإرهابية بعد عامين من بدءها في المنطقة الشرقية؟
- الجيش الليبي أعاد بناء نفسه أخيرا، وأصبح له وجود قوي في المنطقة الشرقية وعناصر موالية له في المنطقة الجنوبية وفي المنطقة الغربية أيضا، لكن إمكانياته ضئيلة. لا يوجد تمويل جيد، ولا يوجد سلاح. هناك حظر دولي على تسليحه، وعلى الرغم من ذلك يعمل على مكافحة الإرهاب، وتحرير مدينة بنغازي ومدينة درنة حتى تستقر المنطقة الشرقية بالكامل. والآن يسعى إلى أن يكون له دور أساسي في قضية تحرير سرت، وحماية المنشآت النفطية. عليه أعباء كثيرة مع إمكانياته القليلة، لكنه يحاول توظيف كل ما لديه لتنفيذ هذا البرنامج.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.