وزير الداخلية البلجيكي ينفي وجود علاقة بين مسجد العاصمة ونشر التطرف

مدير المركز وإمام المسجد لـ «الشرق الأوسط» : نسعى لنشر الإسلام المعتدل.. ومنهجنا هو «لا إفراط ولا تفريط»

مدخل المركز الإسلامي في العاصمة بروكسل («الشرق الاوسط»)  -  عبد الهادي عقل إمام مسجد بروكسل (يمين) وبجواره د. جمال صالح مدير المركز الاسلامي ({الشرق الأوسط})
مدخل المركز الإسلامي في العاصمة بروكسل («الشرق الاوسط») - عبد الهادي عقل إمام مسجد بروكسل (يمين) وبجواره د. جمال صالح مدير المركز الاسلامي ({الشرق الأوسط})
TT

وزير الداخلية البلجيكي ينفي وجود علاقة بين مسجد العاصمة ونشر التطرف

مدخل المركز الإسلامي في العاصمة بروكسل («الشرق الاوسط»)  -  عبد الهادي عقل إمام مسجد بروكسل (يمين) وبجواره د. جمال صالح مدير المركز الاسلامي ({الشرق الأوسط})
مدخل المركز الإسلامي في العاصمة بروكسل («الشرق الاوسط») - عبد الهادي عقل إمام مسجد بروكسل (يمين) وبجواره د. جمال صالح مدير المركز الاسلامي ({الشرق الأوسط})

نفى وزير الداخلية البلجيكي جان جامبون ما تردد في الفترة الأخيرة، من وجود مشكلة كبيرة تتعلق بالفكر المتشدد مرتبطة بالمسجد الكبير، الموجود في المركز الإسلامي والثقافي ببروكسل.
وكان الوزير قد صرح، عقب تفجيرات باريس في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بأنه طلب من أجهزة الأمن الاستخباراتية الداخلية إعداد تقرير حول مسجد بروكسل المركزي، ولكنه عاد وقال، في تصريحات تلفزيونية لبرنامج في محطة «آر تي إل»، مساء أول من أمس، إنه بعد تصريحاته نهاية العام الماضي اتضح له أن المسجد لا يشكل مشكلة، وأن ما يحدث في المسجد لا يختلف عن باقي المساجد الأخرى المعترف بها في بلجيكا، وأوضح الوزير أن الفكر المتشدد الذي يتعلق بفكرة القتال في الخارج ينتشر بين الشباب على الإنترنت، أو في بعض المساجد الصغيرة التي تعمل بشكل غير معلن.
وقال مدير المركز الدكتور جمال بن صالح لـ«الشرق الأوسط»: «نحرص دائما على الرسالة الوسطية المعتدلة، ونهتم بالشباب وتوعيتهم، ويكفينا فخرا والحمد لله أنه لم يثبت حتى الآن أن أحدا من الشباب الذين سبق أن ترددوا على المسجد سافر للقتال بالخارج، بل إن هؤلاء كانوا يترددون على مساجد أخرى».
ورحبت فعاليات وقيادات إسلامية ببروكسل بتصريحات الوزير، وقال الداعية نور الدين الطويل، أمس، إن تصريحات الوزير هامة جدا، وهي تؤكد على أن المركز كسائر المساجد الأخرى المعترف بها، وأشار الطويل إلى أن الوزير في تصريحاته أكد على أنه التقى بأولياء أمور الشباب الذين ذهبوا للقتال في سوريا، وأخبروه بأن أبناءهم لا يترددون على مسجد المركز الإسلامي لأن رسالة المسجد وسطية، ولا تلائمهم، وأنهم وقعوا في براثن التطرف عبر الإنترنت.
واعتادت بعض وسائل الإعلام وشخصيات حزبية، ومنها أعضاء في أحزاب يمينية متشددة، على الإشارة إلى وجود علاقة بين المسجد ونشر الفكر الإسلامي المتشدد، وهي أمور سبق أن نفاها مرارا وتكرارا المسؤولون داخل المركز الإسلامي.
وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، قال عبد الهادي عقل، إمام مسجد المركز الإسلامي ببروكسل، إن خطب الجمعة في المركز الإسلامي دائما تدعو إلى التعايش والتسامح ونشر الإسلام الوسطي، مشددا على أن منهج المركز الإسلامي هو «لا إفراط ولا تفريط»، مضيفا: «وندعو في هذه الفترة بضرورة التحلي بالصبر وضبط النفس لأنه سيكون هناك ردود أفعال غير مقبولة».
ويحرص المركز الإسلامي في بروكسل، شأنه شأن المساجد والمراكز والجمعيات الإسلامية خلال الشهر الفضيل، على تنظيم فعاليات مثل الإفطار المجاني للصائمين وليال رمضانية فيها قراءة للقرآن والوعظ، وتوزيع الزكاة، ومسابقات دينية، وأنشطة أخرى. وفي تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، قال مدير المركز الإسلامي في بروكسل إن هناك أنشطة عدة منها إفطار الصائم، والدروس الدينية، بحضور علماء وشيوخ من الأزهر الشريف والمملكة العربية السعودية، لنشر الفكر الوسطي المعتدل. وأضاف أن هذا الأمر لا يقتصر على رمضان فقط، بل حرص المركز على تقديم الرسالة الوسطية المعتدلة للشباب طوال الفترة الماضية.
وقال الدكتور جمال بن صالح، مدير المركز الإسلامي، إن هناك أنشطة أخرى، ومنها مسابقات للشباب في علوم الدين وقراءة القرآن، وأيضًا زيارات للمساجين من المسلمين، وأيضًا المرضى في المستشفيات خلال الشهر الكريم، وأيضًا توزيع الزكاة وغيرها. وعقب تفجيرات باريس، تردد في بلجيكا أن السلطات تنوي مراقبة، بل وإغلاق بعض المساجد، وقال مدير المركز الإسلامي والثقافي ببلجيكا، إنه لا يعتقد أن السلطات البلجيكية ستقوم بإغلاق مساجد لأنها تتفهم الوضع جيدا، وتعلم جيدا ما يدور في المركز الإسلامي هنا، وفي المراكز والمساجد الأخرى.
وأضاف بن صالح أنه يرى أن مراقبة المساجد بشكل جيد أفضل من إغلاقها لأن الإغلاق لن يصب في مصلحة المسلمين، ومن الأفضل مراقبتها بوضع نظام جيد يحكم الأداء، وهذا أفضل. وشدد صالح على أن الخطاب الديني في الوقت الحالي خطاب معتدل، منوها بأن المركز الإسلامي يقيم دورات للأئمة والدعاة لتجديد الخطاب الديني، ووضعه في القالب الصحيح الذي يتناسب مع الوقت الذي نعيش فيه.
واختتم مدير المركز كلامه قائلا: «نشعر ببالغ الحزن والأسى بسبب الأحداث الأخيرة التي وقعت في فرنسا وبلجيكا». وحول إمكانية إغلاق مساجد في بلجيكا، قال إمام المسجد الشيخ عبد الهادي: «لم نر شيئا حتى الآن، وربما سمعنا عن ذلك من بعض وسائل الإعلام، ولكن حتى الآن الأمور تسير في مجراها الطبيعي، والمساجد تؤدي دورها، والأئمة يؤدون دورهم بحرية. وأضاف أن إغلاق المساجد ليس هو الحل، ولكن بدلا من ذلك، يجب أن تتضافر جهود المؤسسات الدينية، والمجتمع المدني، والمنظمات المعنية بالشباب، لحل مشكلات هؤلاء الشباب، حتى نتفادى وقوع مثل هذه الأحداث في المستقبل.
وبعد أيام من تفجيرات باريس، خضع إمام مسجد المركز الإسلامي ببروكسل، ومعه باقي الموظفين للفحص الطبي، عقب وصول خطابات مشبوهة، كانت تحمل مسحوقا غامضا، وكانت هناك مخاوف من أن تحتوي على الجمرة الخبيثة، وجرى إخلاء المكان من الموظفين والمصلين، حتى إنهاء عملية تأمين المكان.
وحول استهداف المساجد بالتهديد، قال الشيخ عبد الهادي إن ما نشهده يعتبر محنة، وعلينا الصبر حتى تمر العاصفة على خير إن شاء الله، وسوف يستمر المركز في أداء رسالته الوسطية المعتدلة، التي تدعو إلى التسامح وليس العنف.
وعقب تفجيرات باريس، أعلنت الحكومة في بروكسل عن إجراءات تهدف إلى تعزيز الأمن وتشديد الرقابة على الحدود الخارجية وتدابير أخرى. وتضمنت الإجراءات الجديدة نشر المئات من عناصر الجيش، وتخصيص أموال إضافية لتعزيز الأمن ومواجهة مخاطر الإرهاب ومكافحة التشدد على الإنترنت، وفي مراكز العبادة غير القانونية.
يذكر أنه في عام 1967، قام الملك البلجيكي الراحل بودوان الأول، بإهداء العاهل السعودي الملك‌ فيصل جزءا من متحف الآثار الدائم لمدينة بروكسل، الذي يقع على بعد أمتار معدودة من مقر المفوضية الأوروبية، ليكون بعد ذلك مسجدا ومقرا للمركز الإسلامي والثقافي. واعترفت الحكومة البلجيكية إثر هذه المبادرة بالدين الإسلامي دينا رسميا في البلاد، مما يعد سابقة في تاريخ تعامل الحكومات والدول الأوروبية مع الحضور الإسلامي في أوروبا.
وصادقت مملكة بلجيكا عام 1975 على إدخال دروس التربية الإسلامية، ضمن البرامج المدرسية لأبناء الجالية، مما زاد من ثقل ومسؤوليات المركز الإسلامي والثقافي في بروكسل‌. وفى عام 1978، افتتح جلالة الملك خالد بن عبد العزيز المركز الإسلامي الجديد، الذي بدأت رابطة العالم الإسلامي بالإشراف عليه اعتبارا من عام 1982.
وحسب التقديرات الرسمية، من المتوقع أن يشكل المسلمون نصف سكان بروكسل (عاصمة بلجيكا والاتحاد الأوروبي)، في أفق عام 2050، ويعيش مليون مسلم تقريبا في بلجيكا التي يبلغ تعداد سكانها 11 مليون نسمة، ويؤدون شعائرهم في 300 مسجد في مدن مختلفة. وكان أول فوج من الجاليات الإسلامية قد وصل إلى بلجيكا في نهاية الخمسينات، الذين جاءوا كعمال لإعادة إعمار ما دمرته الحرب العالمية الثانية، وشكل المغاربة والأتراك العدد الأكبر منهم، وأصبح هناك جيل ثان وثالث منهم.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...