بعد 43 عامًا في ظل الاتحاد الأوروبي.. بريطانيا أمام المجهول

بعد 43 عامًا في ظل الاتحاد الأوروبي.. بريطانيا أمام المجهول

هل تكون الدولة العظمى الواثقة.. أم تتراجع لتكون إنجلترا الصغرى
الأحد - 21 شهر رمضان 1437 هـ - 26 يونيو 2016 مـ رقم العدد [ 13725]

بعد الاستفتاء على البقاء أو المغادرة قررت بريطانيا التخلص من عضويتها البالغة 43 عاما في الاتحاد الأوروبي، مما يتركها في مواجهة السؤال الأكثر تعقيدا: أي نوع من الأمم سوف تكون الآن؟
فهل سوف تكون بريطانيا الدولة الواثقة، المعنية بالتجارة والأعمال، والمتطلعة إلى الخارج، والتي تشق طريقها المستقل بمفردها في العالم، كما يصر قادة حملة المغادرة على ذلك؟ أم، سوف تتراجع بريطانيا لأن تكون إنجلترا الصغرى، المفعمة بالنزعات القومية، وموجات الكراهية للأجانب، في استجابة للناخبين الذين دفعوا بها دفعا للخروج من الاتحاد الأوروبي؟ والأهم من ذلك: هل سوف تتماسك بريطانيا مجددا؟ مع اسكوتلندا ذات التوجه الأوروبي الشديد، حيث تتزايد الضغوط من أجل استفتاء جديد للاستقلال الذي من شأنه أن يضح حدا نهائيا للمملكة المتحدة.
بريطانيا، الدولة التي اشتمل تاريخها المروي على ميلاد الحكومة الدستورية، والإمبراطورية العالمية، والأبهة الملكية، والدفاع البطولي ضد الفاشية، تدخل في الوقت الراهن إلى أراض مجهولة.
ويمكن للسؤال المتعلق بمسارها الجديد أن يبقى من دون إجابة لسنوات قادمة. وفي صبيحة الجمعة، على أدنى تقدير، كانت بريطانيا عضوا في الاتحاد الأوروبي متمتعا بالوضعية الكاملة، تماما كما كانت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية. ولكن تأثير الاستفتاء الأخير من المرجح له أن يكون عميقا ومستديما، وإلى ما وراء الاضطرابات العاجلة في الأسواق المالية، والتساؤلات المتزايدة حول المستقبل البريطاني سوف تلقى إجاباتها على خلفية الاضطرابات السياسية والقانونية والاقتصادية المحتملة.
لقد مزقت حكومة المحافظين، ذات الأغلبية الأولى التي حققتها منذ عام 1992، نفسها وبشدة على المسرح العالمي ومنيت إثر ذلك بأضرار بالغة. ولقد أعلن رئيس الوزراء ديفيد كاميرون على الفور أنه سوف يتنحى عن منصبه بمجرد ما أن يستقر حزبه على خليفة له، مما يثير احتمال اندلاع معركة حامية حول القيادة داخل الحزب. كما أن انعقاد الانتخابات العامة المبكرة ليس من الأمور غير الواردة.
فور شروع بريطانيا في عملية الانسحاب الرسمية من الاتحاد الأوروبي من خلال تنفيذ المادة 50 من المعاهدة التي تحكم العضوية في الكتلة الأوروبية - وهي الخطوة التي قال السيد كاميرون إنه سوف يتركها لرئيس الوزراء المقبل - فسوف تبدأ عملية المفاوضات التي سوف تستمر لمدة عامين، وهي الفترة التي تكون بريطانيا (بما في ذلك ملايين من المواطنين الأوروبيين الذين يعيشون في بريطانيا والمواطنين البريطانيين الذين يعيشون في الاتحاد الأوروبي) خلالها في طي النسيان.
وإذا كانت وزارة الخزانة البريطانية، وبنك إنجلترا، وصندوق النقد الدولي، ومعهد الدراسات المالية محل الثقة والتقدير، فإن الاقتصاد البريطاني سوف يواجه صدمة شديدة. حيث تقدر وزارة الخزانة أن الناتج المحلي الإجمالي البريطاني، الذي يمثل حجم الاقتصاد الكلي، سوف يهبط بواقع 3.5 نقطة مئوية، مما يعصف بعائدات الضرائب وبمنتهى القسوة، وأن هناك نصف مليون مواطن سوف يفقدون وظائفهم، وأن أسعار المساكن (وكذلك الثروات الشخصية لأصحاب المنازل) سوف تنخفض بمقدار 10 نقاط مئوية.
تلك التقديرات لاقت انتقادات كبيرة من جانب حملة مغادرة الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك كبار أعضاء الحكومة، ووصفوها بأنه مخاوف مروجة ولا أساس لها من الصحة. والآن، سوف تعرف بريطانيا مدى دقة تلك التقديرات في الواقع. كان التصويت الأخير بمثابة صدمة قاسية للطبقة السياسية البريطانية من الناخبين الذين يشعرون بالغضب والارتباك والحيرة وانعدام الثقة العميق في النخبة الحاكمة.
لقد انضم حزب العمال إلى السيد كاميرون في حملته من أجل البقاء في الاتحاد الأوروبي، تماما كما فعلت أغلب الأحزاب الأخرى التي يضمها البرلمان البريطاني، مع استثناء حزب الوحدويين الديمقراطيين وحزب الاستقلال بالمملكة المتحدة، الذي أنشئ على أساس مغادرة الاتحاد الأوروبي. لكن ورغم ذلك الجدار الراسخ من الأصوات الأساسية - أو ربما بسبب تلك الأصوات - صوتت بريطانيا لصالح التغيير الجوهري في مسارها وتوجهاتها.
يقول توني ترافيرس أستاذ الحكومة في كلية لندن للاقتصاد «ينبغي على الطبقة السياسية البريطانية أن تولي اهتماما مزيدا. فهناك الكثير من الاستياء في الأحزاب الرئيسية كلها». وفي عام 1955، فاز حزب المحافظين وحزب العمال بنسبة 97.5 في المائة من مجموع الأصوات، ولكن في دورتي الانتخابات الأخيرتين، لم يفز كلا الحزبين إلا بنسبة 66 في المائة فقط من مجموع الأصوات، كما قال.
واستطرد السيد ترافيرس متسائلا: «لا بد أن يتحرك شيء ما إلى داخل ذلك الفراغ، ولكن ماذا؟ ينبغي على الطبقة السياسية أن تتساءل عن الوسيلة التي تتقارب بها من أولئك الذين يشعرون وبشكل متزايد بأنهم مستبعدون من النظام، وكيفية وقف الشعور لدى الأعداد الكبيرة من الناخبين بأنهم خارج سرب التغيير الاقتصادي والنجاح».
وينقسم حزب المحافظين بالفعل على نفسه بين شخصيات المؤسسة التقليدية مثل السيد كاميرون وآخرين ممن يتبنون الموجة المناهضة للنخبة السياسية، ويتخذون مواقف صارمة مناهضة للهجرة من أنصار حملة المغادرة، ومن أبرزهم العمدة السابق لمدينة لندن بوريس جونسون، وأحد أبرز أعضاء مجلس الوزراء البريطاني الحالي، وهو مايكل غوف. ولكن السيد كاميرون يتبني وجهات نظر أكثر وسطية من الكثيرين في القاعدة الشعبية لحزبه الحاكم، حيث دفع المحافظين إلى تأييد القضايا الاجتماعية مثل زواج المثليين وتبني تيمات وحدوية على غرار «أمة واحدة محافظة».
ومن المرجح أن يحل محله شخصية أكثر نزوعا إلى تيار اليمين وأكثر مناهضة للاتحاد الأوروبي، مثل تيريزا ماي، وزيرة الداخلية الحالية، أو السيد جونسون، والذي يرى نفسه بأنه «محافظ الأمة الواحدة»، ولكن بنمط يضاهي تشرشل، كما أن طموحه السياسي لم يعد سرا مخفيا عن أحد.
ويجب على حزب العمال أن يجد وسيلة لاحتضان ناخبي الطبقة العمالية من المواطنين والذين يشعرون باستياء واضح من تأثيرات العولمة والهجرة على حياتهم ويجدون أنفسهم منجرفين رغما عنهم بحملة مغادرة الاتحاد الأوروبي. ولقد كان زعيم حزب العمال جيريمي كوربين فاترا إلى حد ملاحظ في دعمه لحملة البقاء في الاتحاد، مما يعكس ازدواجية موقفه حول ما إذا كان البقاء في أوروبا سوف يكون القرار الصحيح عندما يتعلق الأمر بمساعدة مواطني الطبقة العاملة في البلاد.
كما عكس هذا الاستفتاء أيضا عن صدع كبير داخل النخبة المدنية البريطانية وبين بقية أطياف المواطنين في البلاد، حيث تسبب بالأساس في تأليب الأغنياء مقابل الفقراء على غرار الانقسام الطبيعي الذي يعاني منه الحزب. كتب جون هاريس يقول في صحيفة الغارديان ذات الميول اليسارية، التي تؤيد حملة البقاء في الاتحاد: «هناك دولتان، باختصار، يحدقان في بعضهما البعض عبر فجوة سياسية هائلة»، غير أن جيمس بارثولوميو قد أعرب عن نفس النقطة في مجلة سبكتاتور، التي تؤيد مغادرة الاتحاد الأوروبي.
حملة المؤهلات العليا أيدوا البقاء في الاتحاد الأوروبي وبأعداد كبيرة، وفقا لاستطلاعات الرأي التي سبقت الاستفتاء، مع العلم أن أصحاب الدراسات العليا يؤيدون مغادرة الاتحاد وبأعداد كبيرة على حد سواء. أما في المدن الكبيرة، والتي تتميز بتعدد الثقافات وتزخر بالمهاجرين، تميل إلى تأييد البقاء في الاتحاد، بينما الريف البريطاني والمناطق الفقيرة إلى جانب الساحل الشرقي من البلاد كانوا يؤيدون مغادرة الاتحاد الأوروبي وبقوة.
والمواطنون الأكثر من 45 عاما، ولا سيما المتقاعدين منهم، يؤيدون وبشدة مغادرة الاتحاد الأوروبي، بينما الفئات الأصغر سنا من البريطانيين يؤيدون البقاء في عضوية الاتحاد.
يخشى الذين اعتادوا حياة المدينة والمال أن يفقدوها، وأولئك الذين تنحصر حياتهم ضمن إنجلترا ويعانون من ضغوط العولمة والهجرة يبحثون عن عودة إلى الماضي الهادئ والأكثر تجانسا من الواقع الحالي. ولذا، فإن الانقسامات المشاهدة هي ثقافية بقدر ما أنها اقتصادية، كما أنها تثير تساؤلات جدية حول التماسك السياسي والوحدة البريطانية، وحول الوقت المستغرق في تضميد الجراح الحالية أو المعاد افتتاحها في خضم تلك الحملة الصاخبة، والمفزعة في كثير من الأحيان.
ولقد تسبب الاستفتاء أيضا في تفاقم التوترات ضمن الدول الأربعة المشكلة للمملكة المتحدة، وسبب هزة قوية في القومية الإنجليزية، والتي كانت في تصاعد مشهود منذ فشل الاستفتاء على الاستقلال الاسكوتلندي عن المملكة في عام 2014، وإضافة إلى المطالب المكثفة من أجل إجراء استفتاء اسكوتلندي جديد، فمن شأن نتائج التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي أن تزيد من المطالب في إنجلترا، التي تشكل 85 في المائة من مجموع الشعب البريطاني، حيال البرلمان من أجل التصويت على القوانين المتعلقة بإنجلترا فقط، تماما كما تفعل برلمانات اسكوتلندا وويلز وآيرلندا الشمالية من أجل مناطقهم في الوقت الحالي.
وفي خضم حالة الارتباك الواضحة حول السنوات القليلة القادمة، فسوف يستغرق الأمر المزيد من مجرد بضع كلمات مطمئنة حول مهرجان الديمقراطية للبدء في لم الشمل البريطاني مرة أخرى. وكما حذر السيد هاريس «إننا في وسط فوضى عارمة ورهيبة، ومن المحتمل أن يستغرق الأمر عقودا حتى تبدأ الأمور في العودة إلى نصابها الصحيح».


اختيارات المحرر

فيديو