تململ و«تصفية حسابات» حزبية بريطانية

تململ و«تصفية حسابات» حزبية بريطانية

كاميرون يستبق الأمور ويستقيل.. وزعيم العمال اليساري كوربن مطلوب رأسه
السبت - 20 شهر رمضان 1437 هـ - 25 يونيو 2016 مـ رقم العدد [ 13724]
رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون وهو يغادر بيته أمس (إ.ب.أ) - زعيم حزب الاستقلال نايجل فراج يحتفل بنتائج الاستفتاء في لندن أمس (رويترز)

في الصباح الباكر، اصطفت وسائل الإعلام البريطانية والدولية أمام مقر رئاسة الوزراء في «داوننينغ سترين»، بوسط لندن، في انتظار ما سيقوله لهم رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، زعيم حزب المحافظين الحاكم، بعد هزيمة معسكره وإعلان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء التاريخي. كاميرون تبرع ليقدم نفسه الضحية السياسية الأولى لنتيجة الاستفتاء. قدم استقالته ابتداء من نهاية الصيف، كما علق أحد المراقبين، في محاولة منه لطمأنة السوق، ووضع حد للتناحر السياسي في حزبه، حتى يكون هناك «تعايش سلمي وفترة انتقالية هادئة»، قبل بدء المنافسة على الزعامة وتصفية الحسابات، خصوصا أن الاستفتاء كان وعد كاميرون بتنظيمه عام 2013 لإرضاء الجناح اليميني في حزب المحافظين.

هذا التناحر على السلطة و«تصفية الحسابات» ليست محدودة بحزب المحافظين الحاكم. حزب العمال المعارض، الذي يتزعمه جيريمي كوربن، يواجه هو الآخر تحركات داخلية وقد يستغلها خصوم كوربن، من جناح توني بلير، الزعيم السابق لحزب العمال، ويجدونها فرصة لمنافسته هو الآخر، وربما الإطاحة به، مع نهاية الصيف، عندما تعقد الأحزاب السياسية مؤتمراتها السنوية.

وأفادت وكالة الأنباء البريطانية، «برس أسوسيشن»، أن مشرعا بارزا، في مجلس العموم، من حزب العمال، لكنها لم تذكر اسمه، قدم اقتراحا بسحب الثقة من زعيم الحزب كوربن. لكن دافعت زميلته اليسارية ديانا أبوت عن كوربن في مقابلة مع «بي بي سي» قائلة إن هناك محاولات يائسة ومستميتة للنيل من شخصيته، مضيفة أنهم «سيوجهون اللوم لجيرمي على طلوع الشمس من الشرق».

نتيجة الاستفتاء، أحدثت «حربا أهلية» في داخل حزب العمال، كما وصفت الحالة جريدة «الإيفنينغ ستاندرد» في مقالها أمس تحت عنوان «كوربن على النار ويجب أن يغادر»، مقتبسة من أقوال أحد كبار زعامة الحزب دون أن تذكر اسمه. وقالت بعض التقارير إن أكثر من 55 عضوا سيوقعون على رسالة الأسبوع المقبل تطالب جيرمي كوربن بالتنحي. «هذه فرصة يجب ألا تضيع. إما أن يستمر الحزب أو يبقى جيرمي زعيما له». وكان قد هاجم توني بلير، وكثيرا من جناحه السياسي في الحزب، جيرمي كوربن، الذي حصل على أغلبية الأصوات في المنافسة على زعامة الحزب الأخيرة. كما عين جيرمي كوربن صديقه جون ماكدونال اليساري المخضرم وزيرا لخزانة الظل، والمعروف بعدائه لسياسة السوق والنظام الرأسمالي. البعض يرى أنه يستغل خروج بريطانيا من أوروبا ليوجه اللوم إلى زعامة الحزب على أدائها ومن ثم التخلص من هذه القيادة، التي قيل إنها أصبحت غير مقبولة للناخب البريطاني ولن توصل الحزب إلى سدة الحكم في المستقبل.

المعروف عن جيرمي كوربن أنه غير متحمس لأوروبا، ولكن ليس من وجهة نظر اليمين في حزب المحافظين أو حزب الاستقلال، الذي يتزعمه اليميني نايجل فراج. اليمين في هذه الأحزاب يركز على موضوع الهجرة وموضوع السيادة البريطانية، أما المعارضة اليسارية للاتحاد الأوروبي فتتخذ من موضوع الديمقراطية أساسا لها. وقال كوربن قبل أيام إن حماسه لأوروبا لا يتعدى سبعة من عشرة.

وأضاف، أمس، الجمعة، أن البريطانيين أيدوا الخروج من الاتحاد الأوروبي لغضبهم من المعاملة التي تلقوها من الحكومات المتعاقبة. وقال لتلفزيون «بي.بي.سي» «كثير من المجتمعات المحلية سئمت خفض النفقات وسئمت الاضطراب الاقتصادي وتشعر بغضب عارم لما لقيته من خديعة وتهميش على أيدي الحكومات المتعاقبة في المناطق شديدة الفقر في البلاد». ونبه كوربين إلى العواقب التي سيسببها خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي على فرص عمل البريطانيين، مشيرا إلى أنه يتعين على الحكومة العمل على تقليص هذا الأثر لأقل درجة ممكنة.

وأضاف: «يجب وضع المادة 50 من معاهدة إنشاء الاتحاد الأوروبي موضع التنفيذ حتى نتمكن من التفاوض على الخروج من الاتحاد الأوروبي». ولم يحدث من قبل أن خرجت أي دولة من الاتحاد. ولا تحوي المادة 50 التي تحدد كيفية خروج دولة ما من التكتل الأوروبي كثيرا من التفاصيل.

النتيجة المخيبة للآمال جاءت لتلقي بظلالها على جميع النواحي السياسية والحياتية والاقتصادية البريطانية. السوق في حالة من التخبط، والإسترليني يترنح أمام الدولار، وقيمة الأسهم في السوق تخسر مئات المليارات من قيمتها خلال ساعات، والانفصاليون الاسكوتلنديون يصطفون من جديد للمطالبة باستفتاء يعطيهم الفرصة للاستقلال عن المملكة المتحدة.

وأمام داونينغ ستريت أعلن ديفيد كاميرون، أمس الجمعة، أنه سيستقيل من منصبه قريبا. وقال كاميرون إن «البريطانيين اتخذوا قرارا واضحا وأعتقد أن البلاد بحاجة لقائد جديد يأخذها في هذا الاتجاه»، موضحا أنه سيبقى في منصبه حتى الخريف إلى حين تعيين من سيخلفه خلال مؤتمر حزب المحافظين في أكتوبر (تشرين الأول). وقال في محاولة لطمأنة الأسواق: «أود أن أطمئن الأسواق والمستثمرين إلى أن الاقتصاد البريطاني قوي جدا». وأضاف: «أريد أيضا طمأنة البريطانيين المقيمين في دول أوروبية والمواطنين الأوروبيين المقيمين في بريطانيا أنه لن يحصل تغيير فوري بخصوص أوضاعهم».

وتابع: «لن يحصل تغيير فوري في الطريقة التي يسافر فيها مواطنونا أو التي تؤمن فيها خدماتنا»، مؤكدا أن المباحثات ستبدأ مع الاتحاد الأوروبي للتفاوض حول الخروج وتطبيق المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تحدد مثل هذه المفاوضات. وقرر ترك هذه المفاوضات للشخصية التي ستخلفه على رأس المحافظين.

وأضاف: «سأبذل كل ما بوسعي بصفتي رئيسا للوزراء لاستمرارية السلطة خلال الأسابيع والأشهر المقبلة، لكنني لن أكون الشخص الذي يقود البلاد نحو وجهتها الجديدة». وقالت صحيفة «ديلي تليغراف» اليمينية إن ديفيد كاميرون انتهى، وفي طريقه لمكان في التاريخ باعتباره رئيس الوزراء الذي قامر بمكانة بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، كما قامر بتاريخه وخسر. وأضافت الصحيفة في تعليق لها، أمس الجمعة، أن السؤال الوحيد المطروح هو إلى متى سوف يستمر كاميرون في منصبه، وهذا أمر لن يقرره هو، ولكن سيقرره خصومه في حزب المحافظين الذي يتزعمه.

وقالت الصحيفة إنه لا يهم أن نتيجة الاستفتاء متقاربة. ولكن المهم هو أن كاميرون دعا إلى هذا الاستفتاء وخسره. فقد طلب من بريطانيا البقاء في الاتحاد الأوروبي، واختارت بريطانيا الخروج منه، ولا يستطيع أي رئيس وزراء البقاء في منصبه بعد ذلك. وقبل إعلان نتيجة الاستفتاء حاول حزب كاميرون الظهور بأنه متحد ومتماسك. ووقع 84 عضوا من أعضاء الحزب على رسالة تطالبه بالبقاء في منصبه بغض النظر عن النتيجة. ويرى كثيرون أن بورس جونسون عضو البرلمان ورئيس بلدية لندن السابق هو الأوفر حظا لخلافة كاميرون. قال جونسون، أحد قادة أنصار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إن بريطانيا لن تدير ظهرها لأوروبا وستبقى أمة متحدة، كما كانت قبل التصويت لصالح خروجها من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء التاريخي الذي جرى أمس.

وقال جونسون للصحافيين إن التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي «لا يعني أن المملكة المتحدة ستكون أقل اتحادا... أو أقل أوروبية». وأضاف: «لا يمكننا أن ندير ظهورنا لأوروبا، فنحن جزء منها»، وأشاد بالقرار «الشجاع المرتكز على المبادئ» من جانب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون بالدعوة للاستفتاء.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة