عيسى قاسم.. أربعة عقود من الفتنة

مصادر تؤكد لـ «الشرق الأوسط» اعتماده من خامنئي لجمع الأخماس.. ودأب في التحريض من قبل ثورة الخميني

وثيقة طلب عيسى قاسم الجنسية البحرينية في عام 1962 («الشرق الأوسط»)
وثيقة طلب عيسى قاسم الجنسية البحرينية في عام 1962 («الشرق الأوسط»)
TT

عيسى قاسم.. أربعة عقود من الفتنة

وثيقة طلب عيسى قاسم الجنسية البحرينية في عام 1962 («الشرق الأوسط»)
وثيقة طلب عيسى قاسم الجنسية البحرينية في عام 1962 («الشرق الأوسط»)

كشفت مصادر خليجية مطلعة على الجانب الأمني، عن جانب واسع من حياة عيسى قاسم، رجل الدين البحريني الذي لم يكن رجل دين وحسب، بل كان يعمل على مدار عقود على هدف واحد، وهو زعزعة أمن واستقرار البحرين، على مدى أربعة عقود من الفتنة.
وتكشف المعلومات عن حراك غامض ومثير اتخذه قاسم، من قبل أن تنجح حتى الثورة الخمينية، عندما كان يعمل في الخفاء ويؤسس لحزب يستخدمه كذارع فكرية ومالية ولوجيستية لمخططه المستقبلي، المتمثل في «استيلاء الحكم في البحرين».
عيسى قاسم صاحب عبارة «اسحقوهم» والتي حرض من خلالها المتظاهرين في الأحداث التي شهدتها مملكة البحرين بعد 14 فبراير (شباط) من العام 2011. حصل على الجنسية البحرينية في الستينات من القرن العشرين.
وتؤكد المعلومات أن قاسم لديه تواصل مع السفارة الإيرانية في البحرين، وكان سابقا يشارك في احتفالات السفارة، ولديه مجموعة من المراسلين السريين للتواصل مع القيادة الإيرانية وما يسمى «حزب الله» ومراجع عراقية، وما يسمى «حزب الله الكويتي». وقالت المصادر إنه كان يستلم مبالغ كبيرة جدًا كأخماس شرعية، حيث لديه وكالات شرعية من عدة مراجع وعلى رأسهم خامنئي وبعضها وكالات مطلقة (أي لديه حرية التصرف بالخمس).
ورصدت الأجهزة الأمنية مخالفات مالية ضد عيسى قاسم، استغلها من موقع قوته، إذ يسيطر على جميع مفاصل الحياة الشيعية في البحرين. وفي جميع لقاءات قيادات جمعية الوفاق وغيرها من المعارضة الشيعية مع قيادة ما يسمى «حزب الله» اللبناني ومراجع عراقية، تركز هذه القيادات والمراجع على الالتفاف حول عيسى قاسم وإطاعة أوامره (وهو دليل على تنفيذ الأجندة الإيرانية).
في خطاباته أحيانا يقسم المجتمع البحريني إلى مؤمنين وهم أتباعه وغير مؤمنين وهم السلطة والطائفة السنية. ففي عام 1968 سافر قاسم إلى النجف لدراسة العلوم الدينية، وفي العام نفسه جنده محمد كاظم الحائري (أحد مؤسسي حزب الدعوة الإسلامي) في حزب الدعوة الإسلامي.
وعاد عام 1972 للبحرين، وبناءً على أوامر قيادة الحزب، قام بنشر مبادئ وأفكار «الدعوة»، وكان معه في التوجه نفسه، سليمان المدني وعبد الأمير الجمري (وهما متوفيان الآن)، على أن تقوم مبادئ الحزب على الاستيلاء على الحكم عن طريق تحريك الجماهير من خلال ثلاث مراحل. بقي عيسى قاسم يعمل لصالح حزب الدعوة بمنتهى السرية حتى استطاع أن يكون الرجل الأول ولا يظهر في الصورة، وبناءً على أوامر مسؤوله في الحزب، محمد كاظم الحائري، تلقى قاسم التعليمات لينشئ جمعية دينية ذات طابع تعليمي (مدارس خاصة)، يتمكن من خلالها من انتقاء الكوادر وتدريبها سواء من أعضاء الجمعية أو المدرسين أو الطلبة والطالبات، فأسس جمعية التوعية الإسلامية «تم إغلاقها من قبل القضاء عام 1984».
كانت علاقاته التنظيمية مع قادة حزب الدعوة في العراق وفي عام 1978 جاءته أوامر من الحزب ليعمل تحت إمرة آية الله محمد مهدي الآصفي المقيم في الكويت. طوال هذه الفترة وعيسى قاسم يعمل لصالح حزب الدعوة بشكل سري جدًا (لا يلقي خطبا ولا يصدر كتيبات) بينما دفع بسليمان المدني وعبد الأمير الجمري للظهور في الواجهة وتحمل التبعات التي ستحصل.
وفي عام 1979 وعندما قامت الثورة الإيرانية امتدحها قاسم علنا، واعتبرها خطوة نحو إجراء التغيير في البحرين. بعد عودته من إيران وبتشجيع من قادة الثورة الإيرانية خصوصًا الخميني أخذ عيسى قاسم يلقي الخطب ذات الطابع التحريضي ويدعو للخروج بمسيرات مؤيدة للثورة الإيرانية، واستمر بالعمل السري لصالح حزب الدعوة الإسلامي وكان يعقد اجتماعات في يحضرها قيادات من حزب الدعوة. بعد ذلك، اتخذ الحزب خطوة متقدمة، إذ أرسل في عام 1982 مجموعة من كوادر الحزب لتلقي تدريبات عسكرية سرية في لبنان خاصة معسكرات حركة أمل الشيعية، وفي عام 1992 وبعد أن نجح في إحياء حزب الدعوة الإسلامي في البحرين واطمأن للقيادات الموجودة، أوعز لعلي سلمان بالعودة للبحرين والتحريض على نظام الحكم، وكان سلمان حينها يدرس في قم بإيران، وكان قياديا في حزب الدعوة بين الطلبة البحرينيين الشيعة الدارسين في المجمع العلمي.
وبحجة إكماله دراسته الحوزوية، سافر عيسى قاسم إلى إيران، لكن السبب الرئيس والحقيقي خلف هذا الغطاء هو التقرب من المراجع الدينية الإيرانية، خصوصًا خامنئي، لدعمه ماديا عبر (وكالات كثيرة لجمع الأخماس)، ودعمه السياسي ليتولى قيادة الشيعة في البحرين بدلا من عبد الأمير الجمري، وأثناء وجوده في إيران وعن طريق أشخاص محددين كان يرسل التعليمات لعلي سلمان بالعمل والتهيئة لتحريك الجماهير للزعم بمطالبة حقوقية، ولعب دورا رئيسيا في التحريض على الأعمال الإرهابية وأعمال الشغب والتخريب التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 1994.
وفي مارس (آذار) 1996 طلب عيسى قاسم من القيادة الدينية الإيرانية وبعض المراجع الدينية التدخل في البحرين وإصدار فتاوى تبيح العمل العسكري ضد حكومة البحرين، وفي عام 2001 حصل على عفو أميري وعاد للبحرين وأخذ يقود الشارع الشيعي السياسي ويوجه في خط حزب الدعوة الإسلامي، وخلال وجوده في إيران حصل على وكالات شرعية من كثير من المراجع الدينية، سمحت له عند عودته للبحرين بجمع مبالغ أخماس شرعية كبيرة سخر بعضها لأعمال الشغب والتخريب.
وفي بداية 2002 أخذ يلقي خطبا ذات طابع تحريضي وكان على تواصل مع حركة أحرار البحرين في لندن لتنسيق النشاط ضد حكومة البحرين، وفي العام نفسه، حرض ضد النظام حيث اتهم النظام باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، كما لعب دورًا رئيسيًا في تأسيس جمعية الوفاق والسيطرة عليها حتى الآن.
وتشير المعلومات إلى أنه ألقى خطبة حرض الشيعة فيها على الاستماع لأوامر رجال الدين وليس السلطة، وهي بحسب المصادر «دعوة للتمرد على النظام»، وفي العام نفسه أيضا، وبتعليمات من القيادة حتى يؤطر معارضته للحكم في البحرين والسيطرة على مفاصل الحياة كافة للشيعة البحرينيين، قام بتأسيس المجلس العلمائي (حزب دعوة بغطاء ديني، وتم حله لاحقا عام 2014 بقرار من القضاء) وعمل على تأسيس جمعية التوعية الإسلامية لتكون تحت سيطرته.
ورفض قاسم إصدار بيان ليشجب الأعمال التخريبية، منتقدا الزيارات التي يقوم بها العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى للمناطق الشيعية، ولعب دورا رئيسيًا في مقاطعة الوفاق للانتخابات البرلمانية.
ولعيسى قاسم علاقة وطيدة بما يسمى «حزب الله» اللبناني وأعضاء الحزب في فرع البحرين، ويعد قاسم المحرك الرئيسي لما يسمى «حزب الله البحريني»، ففي 2003 حرض الطائفة الشيعية ضد قانون الأحوال الشخصية وأخرج وتزعم مظاهرات ومسيرات ضد هذا القانون، وحرض مجموعة كبيرة للتوقيع على عريضة رفعها للملك للمطالبة بإلغاء القانون، وفي العام ذاته، عارض بشكل علني تعيين خطباء مساجد شيعة من قبل الأوقاف الجعفرية، كما عمل بشكل تحريضي ضد كادر الأئمة ودفع مؤيدين له لتهديد من يستلمون رواتب من كادر الأئمة حتى تبقى هذه المساجد والقائمين عليها تحت إمرته.
وفي 2004 ألقى خطبة في مسجد الإمام الصادق كال فيها المديح للنظام الإيراني، وطوال عام 2004 ألقى خطبا ذات طابع تحريضي، حيث اتهم السلطة بقمع المتظاهرين والاستخدام المفرط للقوة ووصف القائمين على المال العام بالحمقى في إشارة للنظام.
وفي عام 2005 دافع قاسم عن إيران بخصوص برنامجها النووي، واجتمع مع خامنئي وأخذ منه تعليمات في كيفية التحرك على الساحة في البحرين، مع استمراره في إلقاء خطب ذات طابع تحريضي.
وأثناء وجود عيسى قاسم في إيران، سنة 2006، أصيب بوعكة صحية، وأبدى السفير الإيراني في البحرين استعداد السلطان الإيرانية لتقديم كل الخدمات التي يحتاجها المذكور.
وأصدر فتوى حرم فيها تنفيذ تعليمات وزارة العدل بشأن ضوابط الخطاب الديني.



السعودية: صالح المغامسي إماماً بالمسجد النبوي

الشيخ صالح المغامسي في صوره نشرتها مجلة «الرجل» في حوار سابق (الشرق الأوسط)
الشيخ صالح المغامسي في صوره نشرتها مجلة «الرجل» في حوار سابق (الشرق الأوسط)
TT

السعودية: صالح المغامسي إماماً بالمسجد النبوي

الشيخ صالح المغامسي في صوره نشرتها مجلة «الرجل» في حوار سابق (الشرق الأوسط)
الشيخ صالح المغامسي في صوره نشرتها مجلة «الرجل» في حوار سابق (الشرق الأوسط)

صدر أمر سامٍ في السعودية، السبت، بتعيين الشيخ صالح المغامسي إماماً في المسجد النبوي، وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء (واس).

وأكد الدكتور عبد الرحمن السديس، رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد النبوي، أن هذا التوجيه الكريم يجسّد ما توليه القيادة السعودية من عنايةٍ فائقةٍ بالحرمين الشريفين، وحرصٍ دائم على دعمهما بالكفاءات العلمية المؤهلة، بما يعزز رسالتهما في نشر الهداية والاعتدال وخدمة قاصديهما من الزوار والمصلين.

وهنّأ السديس الشيخ صالح المغامسي بهذه الثقة الكريمة، «سائلاً الله تعالى له التوفيق والسداد، وأن يعينه على أداء هذه الأمانة بما يحقق تطلعات ولاة الأمر، ويخدم رسالة المسجد النبوي الشريف».

ويعد المغامسي خطيباً وداعية سعودياً اشتهر بطرحه المعاصر، وله حضور واسع في التعليم، والخطب، والدروس الشرعية، وعمل في السنوات الماضية إماماً لمسجد قباء في المدينة المنورة، كما كُلف محاضراً في المعهد العالي للأئمة والخطباء بجامعة طيبة، ومديراً لمركز البيان لتدبر معاني القرآن الكريم، كما تقلد مناصب أكاديمية وإدارية أخرى في مسيرته، ويُعرف بتواضعه وعمق عرضه العلمي.

وُلد المغامسي في قرية وادي الصفراء بمحافظة بدر الجنوب (غرب المدينة المنورة) عام 1963، قبل انتقاله إلى المدينة حيث نشأ في بيئة علمية وتخصص بعدئذ في مرحلته الأكاديمية في علوم التفسير، حيث درس المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوي، ثم حصل على بكالوريوس في اللغة العربية والدراسات الإسلامية من جامعة الملك عبد العزيز بفرع المدينة المنورة، فيما أكمل الدراسات العليا لاحقاً.

بدأ حياته العملية معلماً، ثم اشتغل بالإشراف التربوي والتعليم الأكاديمي، وأصبح عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين (كلية التربية بجامعة طيبة) قبل أن يشغل مناصب عدة؛ من أهمها إمام وخطيب مسجد قباء في المدينة المنورة، وقدّم دروساً ومحاضرات في التفسير، والعلوم الشرعية، وله تسجيلات وبرامج علمية معروفة.


من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
TT

من تأسيسها إلى رؤيتها... الدولة السعودية وذاكرتها الشفهية

الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن (إكس)

يُعَدُ العربُ، في تكوينهم الأساس وهويتهم الثقافية وبنيتهم التراثية، أمةً «شفاهيةً» لا «كتابيةً»، مفتونون بالشعر، يسحرهم الكلام، وتحركهم العبارة، يحتفون بالكلمة ويجسدون بها صوراً حية عن حياتهم وبيئتهم وقيمهم وأخلاقهم، وظلت أشعارهم وأمثالهم وحكاياتهم؛ بل وحتى أنسابهم وتواريخ أيامهم تترجمها منطوقاتهم، تناقلها الألسن وتصغي لها الآذان، وما زالت «العنعنات»، وسلسلة «الأسانيد» في أمهات كتب المغازي والسير والتاريخ، علاوة على الإجازات في التلاوات القرآنية وفي روايات الأحاديث النبوية، شاهداً حياً على محورية «الشفهية» في الثقافة العربية؛ كل ذلك مستمر رغم اتساع آفاق ثقافة العرب وتطور طرائق التدوين والكتابة العربية في شتى الفنون والعلوم والآداب.

الذاكرة الوطنية بوصفها عنصر شرعية

الدول لا تستند إلى الأرض والسلطة فحسب، بل إلى سردية مشتركة تمنحها المعنى والاستمرار. والذاكرة الشفهية السعودية أسهمت في تكوين سردية وطنية، إذ رسخت صورة دولة القانون والعدل بعد الفوضى، وأكدت رمزية التأسيس ونقلت قيم الولاء والتكاتف بين الأجيال.

غير أن الدولة الحديثة لا يكفيها أن تبقي هذه الروايات في نطاقها الاجتماعي التقليدي؛ بل تستطيع أن تُحوّلها إلى رأسمال رمزي مؤسسي، يُدار ويُوظف ضمن مشروع وطني. وهنا يبدأ الانتقال من الحفظ إلى الرؤية.

ففي أزمنة التحولات، تتعرض الهوية الوطنية لتحديات متجددة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة. والرؤى الوطنية لا تبني اقتصاداً فقط بل تعيد تعريف المواطنة والانتماء، ومن ثم فإن التحدي ليس في صون الرواية الشفهية بل في تفعيلها، والانتقال من مجرد حفظ القصص إلى إعادة قراءتها وتأويلها وإدماجها في التعليم وتحويلها إلى محتوى رقمي تفاعلي، وربط الذاكرات المحلية بسردية وطنية جامعة. بذلك تصبح الذاكرة طاقةً مُحركةً للهوية لا مجرد حنين إلى الماضي.

تحرير المصطلحات

قبل الإكمال، لا بد من تحرير ثلاثة مصطلحات تتعلق بالتاريخية «الشفهية» أو «الشفوية»، وكلاهما صحيحٌ لغةً، لكننا سنقتصر على استخدام «الشفهي» في هذا البحث:

1-التراث الشفهي: وهو ما ينقل شفهياً بالكلام أو الرواية أو الأداء من جيل إلى جيل ويشمل: القصص، والأمثال، والشعر، والحكايات، والأغاني، والأهازيج، والأساطير.

2-الرواية الشفهية: تعد مصدراً من مصادر التاريخ، وهي التي تروى عن طريق المشافهة والنقل من شهود العيان والمعاصرين إلى من بعدهم.

3- التاريخ الشفهي: مصطلح حديث ويعد علماً، وفرعاً من فروع التأريخ، وتعريفه: طريقة علمية تقوم بها جهات متخصصة لتوثيق الروايات الشفهية لأشخاص عاصروا حوادث تاريخية وفق معايير علمية وعبر مقابلات مسجلة ومصورة، مع إخضاعها للمراجعة والتدقيق والتمحيص.

لذا نرى أن التراث الشفهي يشمل كل أشكال التعبير الشفهي، كما لا يمكن عد كل رواية تاريخية تاريخاً شفهياً.

وكثيراً ما يخلط الباحثون والمؤرخون بين مصطلحات «التراث الشفهي»، و«الرواية الشفهية»، و«التاريخ الشفهي»، مما يوقع المتلقين في اللبس.

الرواية الشفهية والتدوين

لعلنا نبدأ بالرواية الشفهية التي تعد أساس التدوين التاريخي، ومع تطور علم التاريخ غدت مكملة للوثيقة التاريخية، وهي دائماً ما توضح بعض الجوانب المرتبطة بتاريخ معين وتضيف إليها. وتفسر بعض الحوادث، وتجلي الغموض عن بعضها، كما تعكس سلوك المجتمع وقيمه وسماته، وتشمل الذكريات الشخصية والروايات والقصص المجتمعية التي تتناول جوانب من الحياة اليومية ونمط العيش وأساليب الحياة، وتمتد إلى توصيف العلاقات الاجتماعية والمهن والحرف، والأنماط والممارسات في شتى المناحي كالزراعة والتجارة والرعي والتعليم، وغيرها.

بينما تركز التواريخ الرسمية والمدونات المكتوبة على التاريخ السياسي والعسكري، نجد أن الرواية الشفهية تَبرزُ كتاريخ منطوق وتركز على العادات والتقاليد والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبحر في تفاصيل الأطعمة والأشربة والأزياء والعلاجات، والفنون والألعاب، وأحاديث السمر وروايات السفر وحكايات الحب والحياة؛ بل وحتى قصص المعاناة والأمراض والموت، وتعبر عن الأحاسيس والعواطف، وتترجم المشاعر والأفكار، التي قد نجد شيئاً منها في بعض السجلات، والمذكرات الشخصية والوثائق العائلية والأوراق الخاصة.

وحتى لا يُظن أن العناية بالتراث الشفهي عموماً، والرواية الشفهية خصوصاً، وتدوينها عند العرب، أمر طارئ أو حديث؛ لا بد من التأكيد أنهم سبقوا غيرهم من الأمم في وضع أسس لجمع التراث الشفهي ومنهجية لتدوينه عبر جمع السنة النبوية وتدوينها في مصنفات وفق أسس وضوابط محددة، يقول الدكتور عبد الله العسكر: «ويرجع الفضل إلى العلماء المسلمين الذين قننوا قواعد علمية للاستفادة من الروايات الشفهية. أصبحت تلك القواعد فيما بعد علوماً مستقلة مثل: علم الإسناد، وعلم الرجال، وعلم الجرح والتعديل، ومصطلح الحديث، وغير ذلك كثير».

التراث الشفهي

أما ما يتعلق بالتراث الشفهي الأدبي من شعر وأخبار وغيرها، فيقول الدكتور عمر السيف: «حين بدأ استشعار خطر اندراس التراث الشعري الشفهي، جُمع التراث الشفهي، وتأسست أنظمة للفرز والتوثيق، ومن ثم الدراسة والتحليل. والرواة حينما أرادوا جمع المادة اللغوية وضعوا ضوابط ومحدِّدات أساسية رغبة في تحقيق الغاية المنهجية لجمع المادة وضعوا محددات صارمة للأخذ، فالغاية التي يريدون تحقيقها جمع اللغة الصافية من العرب الخُلص الذين لم يختلطوا بالأعاجم، كما حددوا ضوابط زمنية بتحديد عصر للاحتجاج، على اعتبار أن السليقة اللغوية تغيرت بعد اختلاط العرب بغيرهم مع اتساع الدولة الإسلامية. وبعد جمع المادة بدأت حركة تأليف غزيرة في اللغة والأدب والتاريخ والحديث لنقل الشفهي إلى الكتابة، وصدرت الكثير من المدونات التي كانت حصيلة مهمة، أعقبتها مراحل لا تزال باقية لدراسة تلك النصوص المجموعة وتحليلها واستنباط الدلالات المخبوءة ولذا، لا يمكن أن نزعم أن جمع التراث الشفهي وتدوينه أمور جديدة على العرب، بيد أن تحول ذلك التراث من الشفهي إلى الكتابي وهبه الاحترام والتقدير الذي يفتقر إليه التراث الشفهي الحالي».

ولو توقفنا عند الحالة السعودية تحديداً نجد أن كثيراً من التراث الشفهي لم يدون مما يجعله منجماً تاريخياً لم ينقب في مواده، وحقلاً معرفياً لم يستخرج إلا القليل من كنوزه.

منهج المؤرخين السعوديين

حيث إن التاريخ السعودي هو الامتداد للتاريخ العربي الإسلامي بمكوناته المتعددة وقنواته الكثيرة وتراثه الضخم، وتنوع عناصره ومحتوياته وأبعاده، سنتناول الرواية الشفهية، التي اعتمد المؤرخون السعوديون عليها منذ نشأة الدولة السعودية قبل ثلاثة قرون وتلقوها بطرق متعددة، وأفادوا منها في تدوينهم للتاريخ السعودي وفق مناهج متباينة لكل مؤرخ. يقول الدكتور عبد اللطيف الحميد في بحثه الذي استقصى فيه منهج 18 مؤرخاً منذ تأسيس الدولة السعودية وحتى عهد الملك عبد العزيز، وتتبع منهج أولئك المؤرخين في توثيق الرواية الشفهية، أنه يمكن تصنيفهم إلى ثلاث مدارس؛ الأولى: ابن بشر، محمد العبيّد، عبد الرحمن بن ناصر، الزركلي، محمد العقيلي: «مؤرخون أفادوا من الرواية الشفهية وطبقوا منهجاً علمياً دقيقاً في توثيقها، تجلى في تلقي صفة الوقائع من شهود العيان أو ممن نقل عنهم وتحري الصدق والحق من أفواه الثقات من الرواة، وذكر اسم الراوي والمكان وصفة الخبر ومكانه».

المدرسة الثانية وهم الأكثر : ابن غنام، البسام، ابن عيسى، الريحاني، مقبل الذكير، خالد الفرج، حافظ وهبة، سعود بن هذلول، أحمد عطار، محمد آل عبدالقادر: «مؤرخون لم يطبقوا منهجاً في توثيق الرواية الشفهية، واكتفوا بالتنويه عنها بوصفها مصدراً من المصادر في مقدمات مؤلفاتهم». أما المدرسة الثالثة، وهم الأقل: ابن عباد، الفاخري، ابن ضويان: «مؤرخون لم يذكروا مصادرهم الشفهية أو منهجهم في توثيقها».

أوعية التراث الشفهي

حين ننظر إلى مرحلة تأسيس الدولة السعودية، نجد في الذاكرة الجمعية للمجتمعات المحلية عديداً من القصص المتناقلة عن الفوضى وغياب العدل قبل تأسيس الدولة والتحول الذي حصل بعد التأسيس، يماثل ذلك قصص متداولة عن الأمر ذاته قبل عهد الملك عبد العزيز واستتبابه بعد ذلك. كما نجد توصيفاً لجوانب من معيشة الناس وحياتهم اليومية. إضافة إلى الروايات التي تتناقلها الأسر والقبائل عن تاريخهم وأدوار بعض رموزهم وشخصياتهم.

أما عن «المجالس»، فيمكن وصفها بمنصات التاريخ، تتداول فيها الأخبار، وتروى القصص، وتلقى الأشعار، ولها ضوابطها وأعرافها وتقاليدها التي لا يمكن تجاوزها.

الجانب الآخر الذي لم يحظ بكثير من الاهتمام هو دور المرأة ليس فقط حافظةً للرواية الشفهية؛ بل وراوية للقصص المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة للحياة الاجتماعية للأسر وعلاقاتهم وحكاياتهم التاريخية، ترويها «الجدات» عبر الأجيال وهذا مستمر حتى اليوم.

أما الأشعار والحكم والأمثال فتعد من خزائن التاريخ التي حفظت لنا تاريخ حوادث ووقائع واختزلتها في قصيدة أو بيت من الشعر أو حكمة أو مثل.

هذه كلها مع غيرها يمكن عدها من أوعية التراث الشفهي، التي حفظت لنا تاريخاً لم يرد له ذكر في المدونات الرسمية.

تاريخ عزوة آل سعود (أخو نورة)

ولعلي أدلل بمثال واحد فقط، يتعلق بعزوة آل سعود (أخو نورة)، إذ يظن كثيرون أنها خاصة بالملك عبد العزيز، وأن نورة المقصودة هي شقيقته الأميرة نورة بنت عبد الرحمن، والحقيقة أنها عزوة قديمة لآل سعود وردت في القصيدة الطويلة (39 بيتاً)، التي أرسلها الأمير عمر بن سعود بن عبد العزيز بن الإمام محمد بن سعود لأخيه الإمام مشاري (تُوفي 1820)، ويقول فيها:

(عند أخو نوره عشير الغانمين

مثل عد ما يغور من الشراب)

كما جاءت في قصيدة ناصر الهزاني وعدد أبياتها تسعة عشر، التي يمدح فيها الإمام عبد الله بن فيصل (توفي 1889)، بقوله:

(وإن قيل من هو قلت غش السلاطين

عباد مرجام الحريب أخو نوره)

إذ لولا مثل هذه الشواهد الشعرية لصعب إيجاد الدليل العلمي على قِدم هذه العزوة.

إشكالية الموثوقية والانحياز والذاكرة الانتقائية

الرواية الشفهية لا تنقل الحدث كما وقع حرفياً، بل تعيد صياغته وفق الزمن ووعي الراوي وهوية الجماعة. لذلك لا تُؤخذ بوصفها حقيقة جاهزة، بل يفترض أن تُقرأ بعين نقدية عبر ثلاث نقاط.

الموثوقية: الذاكرة تتغير مع الوقت وتتأثر بتكرار الحكاية والسياق الذي تُروى فيه. الحل ليس استبعادها، بل اختبارها بمقارنتها بروايات أخرى، ومراجعتها على الوثائق إن وجدت، وفهم زمن وظروف ظهورها.

الانحياز: الراوي يتكلم من موقع اجتماعي/فئوي/سياسي، وقد يُجمّل دور جماعته أو يبرّر أو يضخّم الرمزية. لذلك تُقرأ الرواية باعتبارها تكشف عن منظور الراوي بقدر ما تكشف عن الحدث.

الانتقائية: المجتمعات تحفظ ما يخدم سرديتها وقد تسكت عما يربكها، والصمت هنا قد يكون دلالة. لذا يلزم التنبه للفجوات وما لم يُذكر، وتفكيك رموز الرواية لا الاكتفاء بسردها. بهذه القراءة تتحول الرواية الشفهية من مجرد حكاية إلى مادة تحليل يمكن الاستفادة منها علمياً.

وحول ذلك يقول الدكتور عبد الله العسكر: «من هنا تتضح أهمية أن يقوم المؤرخ بفحص الروايات الشفهية وتقويمها ومعرفة الدوافع من ورائها وكذلك طريقة تناقلها، ولعل هذا العمل يقود إلى فحص آخر لا يقل أهمية عن الأول، وهو فحص الحبكة الأسلوبية والهدف والخلفية للراوي، كما على المؤرخ أن يفحص كذلك البناء الداخلي والخارجي للرواية الشفهية من خلال المنهج المعروف لدى المؤرخين، فإذا تم كل ذلك بنجاح يمكن عندئذ تدوين الرواية الشفهية، ومن ثم تصبح وثيقة تاريخية مثلها مثل الوثائق المعروفة».

جهود توثيق التراث والروايات الشفهية

مع كل ذلك يمكننا القول إنه منذ تأسيس الدولة السعودية كانت هناك جهود لتوثيق الرواية الشفهية تحديداً، كجهود بعض المؤرخين التي وردت معنا، وهناك جهود فردية ومؤسسية أسهمت في توثيق التراث الشفهي عموماً والرواية الشفهية، أبرزها دور وسائل الإعلام من صحف ومجلات وإذاعة وتليفزيون من خلال المقابلات التي أجريت مع العديد من أصحاب الشأن في كثير من المجالات. ويأتي كذلك دور الرئاسة العامة لرعاية الشباب من خلال إشرافها على قطاع الثقافة والفنون آنذاك، إذ وثقت خلال ثمانينات القرن المنصرم جوانب من التراث الشفهي.

أما الجهود الفردية التي قام بها كتاب وباحثون ومؤرخون وغيرهم فيصعب حصرها، لكننا سنتوقف عند الدور البارز للدكتور سعد الصويان في هذا المجال، الذي وثق بين عامي 1983 و1990 مئات الساعات المسجلة من الروايات الشفهية عن حياة البادية شملت التاريخ والأشعار والأنساب والقصص والوسوم والديار والموارد وغيرها، وأنتج منها مشروع جمع الشعر النبطي من مصادره الشفهية.

وكذلك دور الأديب والمثقف السعودي عبد المقصود خوجة من خلال صالونه الأدبي (الإثنينية 1982 - 2015) التي أعُدها إضافة لدورها الأدبي، منصة تاريخية من خلال تكريمها لأكثر من خمسمائة شخصية من العلماء والمفكرين والأدباء والمثقفين، وتوثيق سيرهم وتجاربهم من خلال روايات المكرمين أنفسهم أو عن طريق مداخلات وتعليقات الضيوف الدائمين أمثال الأساتذة محمد حسين زيدان وعزيز ضياء وعبد الله بلخير وهاشم زواوي ومحمد عبده يماني وعبد الله مناع وغيرهم، والتي وردت فيها معلومات تاريخية نادرة. ومثلت إثنينية عبد المقصود خوجة ذاكرة تاريخية وثقافية، لكن الأهم في تقديري أن خوجة اضطلع بدور مهم في تدوين الرواية الشفهية حينما فرّغ تلك الروايات بكل ما حوته من معلومات ومداخلات ودونها في إصدارات أحسبها تجاوزت الثلاثين مجلداً، علاوة على أنه جمع مداخلات وتعليقات كل من الأستاذ محمد حسين زيدان والدكتور محمد عبده يماني في إصدارين مستقلين. وبهذا الجهد الكبير قدم خوجة ألوف الصفحات من الشهادات والروايات الشفهية إلى ذاكرتنا الوطنية.

التاريخ الشفهي

التاريخ الشفهي، مصطلح حديث كما أسلفنا له منهجه وقواعده وأصوله، ويركز على التاريخ المعاصر. وفي هذا المجال تبرز جهود المؤسسات مثل:

  • مركز أبحاث الحج: إبان تبعيته لجامعة الملك عبد العزيز قام بتسجيل مقابلات، خلال السبعينات الميلادية من القرن المنصرم، مع أرباب المهن والطوائف الذين يقدمون الخدمات للحجاج والمعتمرين، وهم: المطوفون والأدلاء والزمازمة والوكلاء، وحوت تلك التسجيلات معلومات مهمة عن تاريخ تلك المهن والخدمات التي كانت تقدم للحجاج وغيرها من المعلومات التاريخية المتعلقة بالحج والحجيج.
  • الحرس الوطني: إبان إشرافه على المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، قام بتسجيل عشرات المقابلات خلال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن المنصرم مع مجموعة من رجالات الملك عبد العزيز الذين صحبوه وعملوا معه أو مع أبنائهم، وثقت تلك المقابلات جوانب من حياة الملك المؤسس، ومراحل تأسيس وبناء الدولة. فُرغّت تلك المقابلات ونشر بعضها في عدد من الإصدارات. وآلت تلك التسجيلات مؤخراً إلى دارة الملك عبد العزيز.
  • مكتبة الملك فهد الوطنية: قامت المكتبة بتدشين مشروعها للتوثيق الشفهي في عام 1994، وسجلت أكثر من 350 مقابلة مع عدد من المثقفين والأدباء ووجوه المجتمع في مختلف مناطق المملكة، لكنها لم تنشر أياً من تلك المقابلات.
  • المئوية: أثناء الاستعداد لاحتفالات المملكة العربية السعودية بالمئوية عام 1999، قامت عدد من الجهات الحكومية، منها وزارة التعليم ووزارة المواصلات، إذ قامت كل وزارة بالتسجيل مع عدد من منسوبيها وأصحاب العلاقة لتوثيق مسيرة التعليم ومسيرة المواصلات والاتصالات في المملكة العربية السعودية، واستفادت كلتا الوزارتين من المعلومات التي سجلتها في إصداراتها بمناسبة المئوية. وقد تكون وزارات أخرى قامت بأعمال مشابهة.
  • مؤسسة الملك خالد الخيرية: سعت المؤسسة إلى توثيق جوانب سيرة الملك خالد من خلال توثيق شهادات حوالي مائة شخصية من الأمراء والوزراء ورؤساء الدول والحكومات وغيرهم من المسؤولين السعوديين، ومستشاري وأطباء الملك وموظفي القصر ومرافقي وسائقي الملك، وغيرهم. ونشرت نصوص تلك المقابلات في قاعدة معلومات الملك خالد بن عبد العزيز.
  • دارة الملك عبد العزيز: بتوجيه من الملك سلمان إبان رئاسته لمجلس إدارتها، أنشأت الدارة أول مركز متخصص في التاريخ الشفهي عام 1995، وإن كان للدارة جهود سابقة في هذا المجال. كما استفادت من تجربة جامعة كاليفورنيا لوس أنجليس الرائدة في مجال توثيق التاريخ الشفهي، ووضعت منهجية علمية ومعايير وقواعد وآليات دقيقة لعمل المركز وسجلت حوالي 8000 مقابلة غطت جوانب متعددة من سير الملوك والأمراء، ورجالات الدولة ومسؤوليها، ونشأة وتطور مؤسساتها، كما شملت جوانب متعددة من التاريخ السعودي. كل ذلك أسهم في ترسيخ الرواية الشفهية بوصفها مصدراً أصيلاً ومكمّلاً للوثائق المكتوبة، ورافداً مهماً لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في تاريخ المملكة العربية السعودية.

الأرشيف الوطني الرقمي

إذا كانت الذاكرة الشفهية قد حفظت وقائع التأسيس ونقلت قيمه، كما حفظت جوانب متعددة من التاريخ السعودي عبر قرون، فإن التحدي اليوم لم يعد في جمع الروايات فقط؛ بل في إدارتها بوعي مؤسسي يعزز توثيق الذاكرة الوطنية بوصفها ركيزةً من ركائز السردية التاريخية للدولة السعودية، وينقلها من أرشيف محفوظ في أكثر من جهة إلى أرشيف وطني رقمي يُدار وفق معايير وطنية موحدة للتسجيل والتصنيف، وربطه ببيانات وصفية دقيقة وإتاحته رقمياً بضوابط تحمي الخصوصية والحقوق، مع توظيف أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي لاستخراج الأنماط والدلالات.

ومما يحفز على مثل هذه الخطوة تدشين مشروع «رجالات الملك عبد العزيز»، بالتعاون بين دارة الملك عبد العزيز ووزارة الحرس الوطني، وذلك ضمن فعاليات النسخة الأولى من «ملتقى التاريخ الشفوي» في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2025.

كما يمكن حوكمة الأرشيف الشفهي؛ ما يعني تحويل الذاكرة من تراكم معلومات إلى منظومة معرفة تخدم الهوية الوطنية، وتدعم البحث العلمي، وتبني سردية متوازنة تعكس التعدد. وبذلك لا تبقى الذاكرة مجرد حفظ للماضي بل تصبح ركيزة استراتيجية لإدارة المعرفة الوطنية في العصر الرقمي، وأرى أن دارة الملك عبد العزيز هي الأقرب والأقدر على تبني مثل هذه المبادرة امتداداً لدورها مؤسسةً مرجعيةً للإرث السعودي ونافذةً للتاريخ الوطني وحافظةً لذاكرة الأمة وخزانةً للوثائق التاريخية للمملكة العربية السعودية.


ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
TT

ختم الدولة السعودية الأولى... اعتراف رسمي وتوثيق إداري

فارس المشرافي (الشرق الأوسط)
فارس المشرافي (الشرق الأوسط)

أكد الدكتور فارس بن متعب المشرافي، رئيس قسم التاريخ في جامعة الملك سعود، أنه في يوم التأسيس لا تقتصر الكتابة التاريخية الرصينة على استعادة الحدث أو تمجيد البدايات، بل تتجه إلى تفكيك أدوات الدولة؛ تلك العلامات الصغيرة التي تكشف كيف فكَّرت السلطة، وكيف عرَّفت نفسها، وكيف مارست حضورها السياسي والإداري. ومن بين هذه الأدوات، يبرز الخَتْم بوصفه وثيقة مادية مكثّفة الدلالة، تختصر مفهوم الدولة في أثر واحد.

وأوضح المشرافي لـ«الشرق الأوسط» بالقول: ولأن الختم لا يُقرأ بمعزل عن سياقه السياسي والإداري، فإن الوقوف عند بنيته وصيغته يفتح باباً لفهم أعمق لطبيعة الدولة التي تنتجه. الختم المنسوب إلى الإمام سعود بن عبد العزيز (ت. 1229هـ/1814م)، ثالث أئمة الدولة السعودية الأولى، استُخدم لتوثيق المكاتبات الرسمية، ومنها رسالة موجّهة إلى والي الشام في العقد الأول من القرن الثالث عشر الهجري. يحمل الختم نصّاً مركزياً هو: «عبده سعود بن عبد العزيز»، ويتضمّن تاريخاً (1223هـ)، مع صياغة كتابية محاطة بإطار دائري يوحي بالاكتمال والضبط، كما لا يُنشأ الختم للزينة، بل للاعتراف الرسمي، فوجوده يعني أن هناك سلطة مركزية تحتاج إلى توثيق قراراتها ومراسلاتها، وإدارة واعية بالتمثيل؛ إذ إن كل رسالة مختومة تقول ضمناً: هذه دولة تتكلم باسمها، ونظام للشرعية؛ فلا تُكتسب الرسالة قوتها من مضمونها فقط، بل من الأثر المطبوع عليها.

طغراء السلطان سليمان القانوني (حكم 1520 - 1566) مكتوبة بالحبرين الذهبي والأزرق

وأشار إلى أن صيغة «عبده سعود» تتجاوز بُعدها الشخصي لتدخل في لغة الشرعية السياسية، فاختيار لفظ «عبده» يعكس تصوراً للسلطة لا ينفصل عن المرجعية الدينية؛ حيث تُقدَّم القيادة بوصفها تكليفاً أخلاقياً قبل أن تكون امتيازاً سياسياً. هذه اللغة ليست عفوية، بل تعبير عن نموذج حكم يرى أن القوة السياسية لا تكتمل إلا بشرعية قيمية، وأن الدولة لا تعلو على منظومة الاعتقاد، بل تعمل داخلها.

الختم ووظائف الدولة: الداخل والخارج

يشدد رئيس قسم التاريخ بجامعة الملك سعود على أن أهمية الختم تتضاعف حين نعلم أنه استُخدم في مراسلة خارج المجال المحلي؛ إلى والي الشام. هنا يُصبح الختم أداة علاقات سياسية خارجية، يعبّر عن وعي الدولة السعودية الأولى بنفسها بوصفها فاعلاً سياسياً يتواصل، ويخاطب، ويُعرّف ذاته بلغة رسمية معترف بها في عالم المكاتبات السياسية آنذاك. وبذلك، لم يكن الختم موجّهاً للداخل فقط، بل أدّى وظيفة سيادية تجاه الخارج.

وفي الوقت نفسه، فإن وجود التاريخ الهجري على الختم ليس تفصيلاً شكلياً، بل مؤشر على «زمننة» العمل الإداري، فالدولة التي تؤرّخ وثائقها دولة تدرك أهمية التسلسل، والأسبقية، والحجّة، وتعي أن الفعل السياسي لا يكتمل دون ضبطه في الزمن. وهنا تبرز ملامح مبكرة لما يمكن تسميته بالعقل الإداري للدولة السعودية الأولى.

وتحدّث المشرافي عن الختم في سياقه الإقليمي المعاصر، موضحاً أن دلالة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز تتضح على نحو أدق عند مقارنته بأختام دول إسلامية معاصرة له في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. ففي الدولة العثمانية، كانت الطغراء السلطانية تُستخدم بوصفها توقيعاً سيادياً مركّباً، يحمل اسم السلطان وألقابه بصياغة بصرية كثيفة، ويؤدي وظيفة رمزية عالية تُبرز المقام الإمبراطوري والتراتبية السلطانية قبل أي بُعد إجرائي، بحيث يغدو الختم بيان سيادة بصرياً - بلغة ذلك العصر - بقدر ما هو أداة توثيق. كذلك في إيران القاجارية، تظهر الأختام الرسمية مرتبطة باسم الشاه وألقابه، مع حضور واضح للوسم الشخصي والشرعية الملكية، بما يجعل الختم امتداداً لهيبة الحاكم وتمثيله الرمزي للدولة، أكثر من كونه أداة ضبط إداري محايدة.

وفي مصر في عهد محمد علي باشا، ورغم ملامح التحديث الإداري المبكر، ظل الختم الرسمي يعمل داخل لغة سلطة ومقام لا تُستمد من صيغة الختم وحدها، بل من البنية السيادية التي ينتمي إليها الحاكم بوصفه والياً عثمانياً. فحتى حين استخدم محمد علي صيغة «عبده محمد علي»، فإن هذه العبارة لا تؤدي وظيفة تعريف تأسيسي للشرعية، بل تعمل بوصفها صيغة تهذيب إجرائية ضمن تقاليد الكتابة العثمانية، تُخفَّف بها نبرة المقام داخل الختم، على أن تُستعاد كاملة خارجه عبر منظومة الألقاب والرتب الرسمية التي تُحدد موقع الحاكم ووظيفته، من قبيل لقبه «باشا» بوصفه رتبة عليا في الهرم الإداري والعسكري العثماني، و«والي مصر» باعتباره اللقب القانوني والسيادي المعترف به، إضافة إلى الصياغات البروتوكولية من نوع «والي مصر المحروسة». وعليه، فإن الختم في الحالة المصرية يظل إعلاناً للمقام السياسي بقدر ما هو أداة توثيق، ولا ينفصل عن منظومة سلطة أعلى يتحدد داخلها موقع الحاكم ووظيفته.

وشدد بالقول في مقابل هذه النماذج، يقدّم الختم السعودي صيغة مختلفة؛ إذ تكتفي عبارة «عبده سعود بن عبد العزيز» المقترنة بالتأريخ الهجري بأداء وظيفة الاعتراف الرسمي والتوثيق الإداري، دون استعراض رمزي أو تضخيم للألقاب، ودون إحالة إلى سيادة أعلى خارج إطار الدولة نفسها. هنا تتقدّم وظيفة الختم بوصفه أداة دولة على كونه بيان مقام، ويبرز نموذج سيادي يقوم على الاقتصاد في الرموز، والوضوح في التمثيل، والضبط الإداري، وهو فارق دالّ في فهم طبيعة الدولة السعودية الأولى ومنطق تشكّلها المبكر، بوصفها دولة تُعرّف نفسها من خلال وظيفتها وممارستها، لا عبر فخامة الرمز وحدها.

طغراء السلطان عبد العزيز (حكم 1861 - 1978)

الختم ووظيفة الدولة السعودية الناشئة

يُشير المشرافي إلى أنه، وفي ضوء هذه المقارنة الإقليمية، لا يمكن قراءة ختم الإمام سعود بن عبد العزيز بوصفه مجرد أداة توثيق إدارية معزولة، بل ينبغي فهمه في سياق وظيفة الدولة السعودية الناشئة آنذاك. فهذه دولة لم تتشكّل بوصفها كياناً احتفالياً أو رمزياً، بل بوصفها سلطة معنية بالضبط، وتنفيذ الأحكام، وتأمين المجال، وتنظيم العلاقة بين الداخل والخارج. وفي هذا السياق، يغدو الختم انعكاساً مباشراً لوظيفة الدولة نفسها: أداة لإقرار القرار، وتثبيت المراسلة، وضبط الفعل السياسي ضمن إطار شرعي واضح.

إن بساطة صيغة الختم، واقتصاده في الألقاب، وحضوره المقترن بالتأريخ الهجري، كلها عناصر تُشير إلى دولة ترى في السلطة ممارسة مسؤولة قبل أن تكون استعراضاً سيادياً. فالدولة التي تُكثّف رموزها إلى الحد الأدنى هي دولة تُقدّم الفعل على الخطاب، والتنظيم على الزخرفة، والوظيفة على التمثيل. ومن هنا، لا يُقرأ الختم بوصفه علامة شخص الإمام، بقدر ما يُقرأ بوصفه أداة دولة تعمل، وتخاطب، وتُلزم، وتُؤرّخ.

بهذا المعنى، يُصبح ختم الإمام سعود بن عبد العزيز شاهداً على طبيعة الدولة السعودية الأولى بوصفها دولة ممارسة، تُعرّف نفسها من خلال ما تنفّذه، لا من خلال ما تستعرضه، وتُثبّت حضورها عبر الضبط الإداري والشرعي، لا عبر الفخامة الرمزية وحدها.

وخلص المشرافي إلى القول: يعلّمنا ختم الإمام سعود بن عبد العزيز أن الدولة لا تُقرأ فقط في المعارك أو الاتفاقيات الكبرى، بل في تفاصيلها الصامتة: ختم، وتوقيع، وصيغة لغوية. وفي يوم التأسيس، فإن استحضار هذا الختم ليس احتفاءً بأثر قديم، بل قراءة واعية للحظة تُشكّل الدولة السعودية بوصفها كياناً منظماً، ذا شرعية ووعي بالتمثيل السياسي. هكذا، يصبح الختم شهادة تاريخية تقول: هنا دولة، وهنا سلطة تعرف نفسها، وتعرف كيف تُثبت حضورها.