«7 غرف 7 فنانين - حوارات بيروتية» هو عنوان المعرض الفنّي الذي يقام في بيروت، وفي شارع مار مخايل بالتحديد ويستمرّ حتى الثلاثين من يونيو (حزيران) الحالي.
فمن أصل 7 غرف تشغل منزلاً تراثيًا يتألّف من ثلاثة طوابق كان يعود إلى آل البستاني، افترش 7 فنانين أجانب أرضه ليخاطبوا اللبنانيين بأعمالهم الخارجة عن المألوف إن بالمضمون أو بالشكل، والنابعة من مواضيع لفتتهم في بيروت فانتقدوها على طريقتهم. النحت والرسم والتصميم والتركيب والصور الفوتوغرافية وغيرها، ألّفت مضمون هذا المعرض الذي افتتح به مركز «بيروت آرت هاوس» الفني برامجه ونشاطاته في قلب العاصمة اللبنانية. وكان المركز نفسه قد سبق وافتتح أبوابه في دمشق منذ نحو 10 أعوام.
7 فنانين من الغرب اتخذوا من بيروت عاصمة لهم فأقاموا فيها بعد أن وقعوا في حبّها، فترجموا مشاعرهم وأفكارهم تجاهها من خلال أعمالهم الفنيّة. مارسيلو كاروزيني (إيطاليا) وكورنيليا كرافت (ألمانيا) وآنا سيرانو (إسبانيا) ولي فريديريكس وجيانا ديسبنزا (أميركا) وايفا سودارغايتي (ليتوانيا) ونيلوفار افنان (إيران)، اجتمعوا تحت سقف هذا المنزل القديم الذي بني في أواخر القرن الماضي على يد مهندس إيطالي.
«تعال إلى المنزل وتناول القمر معي».. هذه العبارة تعنون الغرفة الأولى لأعمال المصوّرة كورنيليا كرافت التي تعيش في بيروت منذ 7 سنوات. «لقد شبّهت رغيف الخبز اللبناني بالقمر، وتعمّدت تصويره ساخنًا وطازجًا لأنه في حالته هذه يأخذ أشكالاً عدة كأنه روح تتنفس. فالخبز هو أسلوب حياة بحدّ ذاته نعتمده في كلّ مرة ننتقل فيها من بلاد إلى أخرى». تشرح الألمانية كورنيليا التي وضعت في وسط الغرفة مصباحًا ضخمًا تخرج منه إضاءة خافتة بفعل تغطيته بالخبز المرقوق (من الريف اللبناني) وتتابع: «يبقى الرغيف هدفًا نلهث وراءه ما دمنا نريد أن نحيا، ومن معاناة اللاجئين السوريين في لبنان استوحيت هذا الموضوع».
أما بيروت التي دمّرت 7 مرات واستطاعت في كلّ مرة أن تولد من جديد، كان الموضوع الذي تناولته الفنانة الأميركية جيانا ديسبنزا في أعمالها. «بيروت المقاومة الرائعة جسّدتها في مراحل سبع، مستخدمة كلّ زاوية من زوايا التغيير الشكلي الذي طرأ عليها. فهنا استخدمت الحجر وهناك الحرير ومن ثم السيليكون والبلاستيك والريزين، وما إلى هنالك من مواد تشير إلى الهويّة التي انطبعت بها بيروت في كل مرحلة من مراحلها العمرانية، والتي ألّفت مجتمعة لقاء الحضارات فيها منذ أيام الفينيقيين حتى اليوم». ومن خلال مرايا الإيرانية نيلوفار افنان التي تعكس بزخرفتها ورسومها العربية ولا سيما تلك المستوحاة من فنّ الأرابيسك السوري، المزيج ما بين الفن التقليدي والحديث معًا، قدّمت الفنانة جمال مشهدية بيروت الخائفة من آثار الحرب على بيوتها وعماراتها وعلى طيورها وأزهارها. «المرآة تعكس الوقت وآثاره علينا كما تظهر أيضًا الوجه المضيء المشبّع بالانتصارات اللبنانية».
يأخذنا المعرض الذي يعود قسم من ريعه إلى جمعية «أيادينا» الخيرية، إلى مساحات مطلقة من زمن عبثي إلى آخر، فيشرّح معنى الوقت والحياة والتبدّلات التي طالت بيروت وما زالت ترفرف في سمائها. فبعض الفنانين لفتت نظره حياة عاصمة تختنق من كثافة طبقات الإسمنت التي اجتاحتها، فاستخدم الفيل «فيليبو» ليعبّر عن حزنه لهذا الواقع. فوقف في وسط مدينة مكتظّة بالعمارات (صور ملصقة على الجدران تبيّن مباني بيروت وناطحات السحاب الإسمنتية فيها)، وينظر إلى التحوّلات التي طالتها بكآبة، ثم لا يلبث أن يموت بفعل طلقة رصاص طائشة (يشار إليها من خلال عبارة بانغ على أحد جدران الغرفة). فيما رأت الفنانة آنا جيانو أن بيروت تئنّ تحت وطأة مشكلة فقدان المساحات الخضراء فيها، فاستحدثت نصبًا تذكاريًا لها على طريقة الـ«Installation» نعت فيه الحدائق التي اندثرت، أو تلك الممنوع دخولها من قبل الناس على الرغم من وجودها بينهم. «هذا النصب يبيّن كيف نقوم بدفن الأشياء الجميلة بأيادينا»، ولكنها في الوقت نفسه جعلت الأزهار تنبت على سطح ترابه كي لا نفقد الأمل. «إن أزهار بيروت عزيزة على قلبي»، تقول لنا الفنانة الألمانية: «وعليكم بدوركم تقديرها والاهتمام بها».
وأنت تتنقّل في الغرف السبع من هذا المعرض تعيش التاريخ والجغرافيا معًا. فبيروت تطلّ منها بمختلف مراحل تاريخها الحديث والقديم، أما فنانوها الذين جاءوا من مختلف بقاع العالم مختصرين المسافات الطويلة التي كانت تبعدهم عنها، فتحدثّوا عما يخالجهم تجاهها بعينهم الثاقبة وبريشة قلبهم الذي عشق بيروت إلى ما لا نهاية. فاستقرّوا فيها معلنين اعتزالهم حبّ العالم بأكمله من أجل عينيها.
أما الغرفة السابعة التي يتوسطّها مجسّم سيارة «جيب» ضخم تمّت تغطيته بالقماش الأسود، فقد صمّمته الفنانة الليتوانية ايفا سودارغايتي، للإشارة إلى ظاهرة نافرة في بيروت ألا وهي مركبات السياسيين المصفّحة ذات الزجاج الداكن. وعندما تدعوك مصممته للدخول تحته، تكتشف أنك داخل هيكل سيارة أحد الزعماء الذين يختبئون فيها من قدر أسود قد يطالعهم بين لحظة وأخرى، فيطلقون العنان لأبواق سياراتهم المغلّفة بصراخ حرّاسهم الشخصييّن، ويحدثون البلبلة والضوضاء لدى مرورهم على الطرقات غافلين أنهم بذلك يلفتون نظر جلادهم أيضًا.
وعن فكرة المعرض وهدفه تحدّث توفيق الزين صاحب شركة «اينوف أكشن» المنظّمة له: «الفكرة ترتبط بهذا المنزل التراثي ارتباطًا وثيقًا، فهو يمثّل عراقة بيروت الأصيلة. أما المعارض التي ستقام فيه فستجمع في حناياها ما بين القديم والجديد معًا». ويضيف: «7 غرف 7 فنانين» كان خير انطلاقة لمركز «بيروت آرت هاوس» في لبنان الذي أخذ من هذا المبنى مركزًا له. وعما لفته في أعمال الفنانين الأجانب الذين انتقدوا بيروت على طريقتهم أجاب: «هم آتون من مدن متطوّرة فقارنوا ما بينها وبين بيروت بعينهم الثاقبة، ونقلوا ما لفتهم فيها بأسلوب انتقادي مشبّع بالفنّ ولامسونا عن قرب». أما غياث المشنوق صاحب مشروع «بيروت آرت هاوس»، الذي سبق وافتتح فرعين له في فيينا ودمشق قال: «طالما كانت بيروت منارة الشرق ولذلك أردناها منصّة انطلاقة جديدة لنا، تحمل مستقبلاً فنّيًا واعدًا بنشاطات عدّة، فنكون على موعد دائم مع أعمال مواهب فنيّة حديثة وأخرى مخضرمة لتسليط الضوء عليها ومساندتها وتشجيعها».
بين هؤلاء الفنانين من تزوّج واستقر في بيروت ومن اختارها مدينة يعمل فيها (كأستاذ جامعي مثلاً)، فاستوحى منها في الوقت نفسه أفكارًا فنيّة ترجمها في أعمال لافتة. ورغم أن بينهم من سيضطر إلى مغادرة بيروت، على مضض، بسبب عقد عمل جديد سيربطه ببلد آخر، فإنهم جميعهم متفّقون في قرارة أنفسهم أن بيروت هي مدينة لا تشبه غيرها، وستبقى تسكن ذاكرتهم مهما حاولت الظروف أن تبعدهم عنها.
«7 غرف 7 فنانين».. حوار بين الشرق والغرب في حضن بيروت
معرض في منزل تراثي يحيي تاريخ وجغرافيا «ست الدنيا»
تصميم للفنانة الألمانية آنا سيرانو ويحكي عن نصب تذكاري لحدائق بيروت - مجسّم «فيليبو» الفيل الحزين على مدينة بيروت التي تجتاحها عمارات الأسمنت - الفنانة كورنيلا كرافت أخذت من رغيف الخبز اللبناني عنوانًا لأعمالها
«7 غرف 7 فنانين».. حوار بين الشرق والغرب في حضن بيروت
تصميم للفنانة الألمانية آنا سيرانو ويحكي عن نصب تذكاري لحدائق بيروت - مجسّم «فيليبو» الفيل الحزين على مدينة بيروت التي تجتاحها عمارات الأسمنت - الفنانة كورنيلا كرافت أخذت من رغيف الخبز اللبناني عنوانًا لأعمالها
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

