مخاوف من ظهور «داعش» في ألبانيا

قلق من انتشار شرارة التطرف في بلد يتمتع بتسامح ديني

مئذنة مسجد ترتفع في سماء العاصمة تيرانا «واشنطن بوست»
مئذنة مسجد ترتفع في سماء العاصمة تيرانا «واشنطن بوست»
TT

مخاوف من ظهور «داعش» في ألبانيا

مئذنة مسجد ترتفع في سماء العاصمة تيرانا «واشنطن بوست»
مئذنة مسجد ترتفع في سماء العاصمة تيرانا «واشنطن بوست»

اسأل بوجار هيسا عن التهم التي أتت به إلى «سجن 302» الضيق بالعاصمة تيرانا، وسوف يمطرك هائجا بوابل من كلمات الإنكار. «لم يحدث مطلقا أن شجعت الإرهاب»، وفق الرجل الذي أدين الشهر الماضي بتجنيد شباب ألباني للانضمام لـ«داعش».
لكن إن ضغطت قليلا فسوف يقر هيسا بدعمه لفصيل يشبه تنظيم داعش، لا في سوريا، لكن في ألبانيا، الدولة العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) والحليف القريب من الولايات المتحدة في جنوب أوروبا.
ولدى سؤاله في غرفة الزوار الضيقة بالسجن عن توقعاته بشأن مستقبل بلاده، توقع هيسا أن الشريعة، أو القوانين الإسلامية، لا محالة سوف تحل محل الحكم الغربي، وهي الكلمات التي استصرخت تابعية من الأعضاء الصغار في السجن.
أضاف الشيخ الملتحي في وجود حارس يقظ خارج الباب أن «الإسلام يستطيع التعايش مع غيره من الديانات، لكن هل في وجود الديمقراطية؟ لا»، مضيفا أن «أي إنسان يقول: إن الشريعة يمكنها التعايش مع الديمقراطية هو حتما منافق».
تلك هي الكلمات التي تصف بكل دقة حال المسؤولين في دولة ألبانيا صغيرة الحجم، التي لا يتعدى سكانها 2.8 مليون نسمة بعد أن دخل مسؤولوها حربا في مواجهة لإخماد شراراتها الأولى التي تسريت من خلال الحدود الشرقية للبلاد.
تقع منطقة البلقان بين البحر الإدرياتيكي المتلألئ وقمم سلسلة جبال الألب ويسكنها غالبية مسلمة، غير أنها تتمتع بتسامح ديني واعتدال متوارث من مئات السنين، لكن هنا وعلى بعد 1200 ميلا من الحرب الدائرة في سوريا، وجد تنظيم داعش أتباعا قليلين لكنهم مخلصون.
سافر أكثر من 100 ألباني إلى الشرق الأوسط للانضمام للتنظيم الإرهابي، واستطاعت قلة منهم جني الشهرة باستخدام الإنترنت ومن خلالها قاموا بإغواء غيرهم من الفلاحين للحاق بهم. ووجد نداؤهم للجهاد في سبيل الإسلام دعوة من بعض المساجد المتشددة التي انتشرت في ألبانيا في السنوات الأخيرة، بعضها بني بتمويل من جمعيات خيرية إسلامية والبعض الآخر عن طريق دعاة من تركيا ومنطقة الخليج العربي.
لكن حكومة ألبانيا تقاوم باستماتة. مرر البرلمان مؤخرا قانون يحظر المشاركة في تنظيم داعش، وشنت أجهزة الأمن حملة مشددة على المجندين الذين يتخذون طريقهم إلى العراق وسوريا. كان بوجار هيسا، الإمام السجين، واحدا من 3 من رجال الدين، وستة آخرين صدرت بحقهم الشهر الماضي عقوبات تصل إلى السجن 18 عاما؛ بسبب تشجيعهم المزعوم للشباب الألبان على اعتناق الجهاد العنيف. لكن هذه الجهود تواجه ريحا معاكسة، بما في ذلك تيار متشدد يأتي من الشرق ويمتد عبر بلد مجاور من البلقان، لا يزال يعاني آثار حرب طائفية في تسعينيات القرن الماضي. وتجد الرسائل المتطرفة أرضا خصبة في الأحياء والقرى الأكثر فقرا؛ حيث يزداد الفساد الحكومي وتتجاوز نسبة البطالة في أوساط الشباب البالغين 40 في المائة أحيانا. وتعمل شرطة الحدود على تعزيز الدوريات لملاحقة المقاتلين الإسلاميين الذين يسافرون شمالا لوسط أوروبا مع المهاجرين السوريين، على الرغم من أن مجموعة صغيرة من المهاجمين هم فقط من امتلكوا الشجاعة لمحاولة الممرات الوعرة في جبال الألب في ألبانيا. قال المتحدث باسم البرلمان الألباني، إلير ميتا، خلال زيارة في واشنطن الشهر الماضي: «لكن حتى الجبال لا تستطيع وقف هذا المد».
ويقر المسؤولون الألبان بأن سلاحهم الفعال ضد التطرف - وهو التنمية الاقتصادية - يظل دون المطلوب، كما هو حال الوعود الغربية بزيادة التجارة والاستثمار مع بلد لا يزال يعاني الفقر بعد 25 عاما على نهاية الحكم الشيوعي.
وقال يلي مانجاني، وزير العدل في مقابلة: «لم يكن الدين أبدا هو المشكلة هنا: إنه التعليم، وغياب المجتمع المدني المتطور. والمشكلة هي الفقر، خاصة في تلك المناطق البعيدة. عندما يكون لديك وضع يشعر فيه الناس بقلة الحيلة، يتمكن المتطرفون من الاصطياد في تلك البركة». إن فكرة الإسلام المتشدد ما زال تواجه صعوبة في بلد يأخذ دينه بيسر دائما.
وعلى مدار قرون، كان الألبان مزيجا طيبا من المسلمين السنة، والمسيحيين الأرثوذوكس، والرومان الكاثوليك، مع أقلية نافذة من البكتاشيين، وهم فئة من المسلمين الصوفيين المعتدلين الذين يقع مقرهم العالمي في ألبانيا. وعلى مدار ما يقرب من 50 عاما حتى انهيار الشيوعية في 1990. اعتبر قادة البلاد الماركسيين ألبانيا أول دولة ملحدة في العالم؛ حيث حظروا رسميا الشعائر الدينية واضطهدوا الأئمة والقساوسة.
كان من بين المضطهدين الجد المسلم ليلي غورا، وهو رجل دين سني معتدل يرأس اليوم مسجدا بارزا في تيرانا، لا يبعد كثيرا عن التماثيل التي تكرم ذكرى سكانديربرغ، البطل القومي لألبانيا في القرن الـ15، الذي تحول لاعتناق المسيحية.
يرتدي غورا بذلة ويحتسي القهوة في أحد مقاهي تيرانا ذات التصميم العصري، وهو يدين لجده ليس فقط لدينه، بل كذلك لإيمانه باحتضان جيرانه من الأديان الأخرى. ومثل هذا القبول، بحسب قوله، كان دائما من الأركان الأساسية للإسلام الألباني - أو حتى وقت قريب على الأقل.
قال غورا: «لقد كنا دائما فخورين بأننا بلد تستطيع فيه ممارسة معتقداتك كما تحب. لكن الناس الذين نشأوا في عهد الشيوعية لديهم القليل من الفهم لدينهم. والآن، بعد 25 عاما من الديمقراطية والحرية، يجد البعض مشكلات في فهم الحدود بين الأديان». وقد كانت الجماعات الأجنبية تواقة للغاية لتقديم المساعدة في التعليم الديني. بداية من أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وصلت الجمعيات الخيرية الإسلامية، وبعضها مدعوم من الممالك الخليجية الغنية، إلى تيرانا للبدء في بناء المساجد والمدارس الدينية.
في العقد الماضي، شهدت أكبر المدن الألبانية زيادة في عدد المساجد المستقلة، غير المرتبطة بـ«المجتمع الإسلامي الألباني»، وهي المنظمة التي ترأس مراكز العبادة السنية المعتدلة في البلاد. كما نهضت التجمعات الإنجيلية المسيحية كذلك، فعززت من وعي طائفي متزايد يقول كثير من الألبان إنه دخيل على ثقافتهم. واليوم، فإن أحد أكبر المشروعات في تيرانا، هو مسجد ضخم بتكلفة 34 مليون دولار، تموله جزئيا الحكومة التركية، وفي حين أن قليلين هم المسؤولون الحكوميون الذين يشككون علنا في سخاء تركيا، لكن بعضهم عبر في تصريحات خاصة عن سخطه. وتساءل مسؤول كبير: «لماذا مسجد جديد بمثل هذا التمويل السخي في بلد لديه الكثير من الاحتياجات المهمة، بما في ذلك المدارس، والطرق السريعة والبنية التحتية المطلوبة لصناعة السياحة الواعدة في ألبانيا، وإن لم تحقق النمو الكامل بعد؟».
ومؤخرا، ليس المساجد نفسها التي تخشى مسؤولي الأمن الألبان. إنها الرسائل، التي يتداولها عدد صغير من الأئمة المستقلين، وكثير منهم تدرب خارج البلاد.
بدأت المخاوف من التشدد تتراكم قبل عامين عندما بدأت أول موجة من متطوعي «داعش» تغادر باتجاه سوريا، بدعوة من رجال الدين المحليين في بعض الأحيان. وفي بعض القرى البعيدة في جنوب شرقي ألبانيا، بدأت شباب من المسلمين في سنوات المراهقة أو في عشرينيات العمر مغادرة البلاد في مجموعات صغيرة، ويفصحون فيما بعد أنهم وصلوا إلى العراق أو سوريا. انضم بعضهم إلى وحدات مقاتلة من البلقان، تتكون من أفراد من الألبان ومن كوسوفو.
ترقى مقاتل ألباني، هو أبو بلقيسا، الإمام البالغ من العمر 32 عاما من قرية لشنيكا الصغيرة شرقي البلاد، إلى موقع قيادي، ثم أصبح نجما على الإنترنت، حيث ظهر في فيديوهات «داعش»، تحت لقب «ألمير داتشي»، ليحث بني وطنه على تنفيذ هجمات إرهابية في البلاد. قتل بلقيسا في وقت لاحق أثناء القتال، لكن مقاطع الفيديو التي ظهر فيها، التي تم تداولها على نطاق واسع، ساهمت في دفع حملة أمنية مشددة من قبل المسؤولين الألبان على المتشددين الحقيقيين والمشتبه فيهم في أنحاء البلاد.
وتم إغلاق عدد من المساجد التي عرفت بصلتها بالمتشددين، أو أجبرت على تغيير قيادتها، وألقي القبض على كثير من الإسلاميين البارزين. وكان بوجار هيسا بين أولئك الذين ألقي القبض عليهم في حملات الاعتقال الأولى، بجانب 8 من الإسلاميين الآخرين المتهمين بتشجيع المصلين على دعم «داعش».
* «واشنطن بوست»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended