«عربة الحواديت» تجوب القرى المصرية لتشجيع الأطفال على القراءة

معلم مصري يوزع 11 ألف كتاب في 54 قرية

المعلم هيثم عبد ربه يحكي القصص لأطفال القرى المصرية و أطفال يحملون ما حصلوا عليه من كتب وقصص («الشرق الأوسط»)
المعلم هيثم عبد ربه يحكي القصص لأطفال القرى المصرية و أطفال يحملون ما حصلوا عليه من كتب وقصص («الشرق الأوسط»)
TT

«عربة الحواديت» تجوب القرى المصرية لتشجيع الأطفال على القراءة

المعلم هيثم عبد ربه يحكي القصص لأطفال القرى المصرية و أطفال يحملون ما حصلوا عليه من كتب وقصص («الشرق الأوسط»)
المعلم هيثم عبد ربه يحكي القصص لأطفال القرى المصرية و أطفال يحملون ما حصلوا عليه من كتب وقصص («الشرق الأوسط»)

بشعار «لن أوزع التمر أو العرقسوس والتمر هندي» يجمع المعلم المصري هيثم عبد ربه كل ما يستطيع من كتب وقصص ويوزعها على أطفال قرى محافظة الشرقية ذات الطبيعة الزراعية وإحدى مدن دلتا مصر، يجوب القرى التي تعيش في عزلة ثقافية تامة بسيارته الخاصة التي أطلق عليها «عربة الحواديت»، ليبدأ في إعطاء الأطفال ما في جعبته من قصص ومجلات، يلتف حوله عشرات الأطفال المتعطشين للقراءة والاطلاع حفاة القدمين، رغبة في الحصول على قصة تؤنسهم في ظل الفقر الثقافي، والغياب التام من الدولة.
وتحت ظلال الأشجار في القرى المنسية، يجلس هيثم ليوزع الكتب والمجلات وأقلام التلوين وكراسات الرسم، فهو يقوم أيضًا بدور «الحكّاء المتجول» يروي القصص على الأطفال، متحديًا نظرات الأهالي الذين كانوا يكيلون له الانتقادات، منتقدين قيامه بتوزيع الكتب بدلا من توزيع الطعام والشراب على الأطفال، إلا أنه صمد وانضم إليه عدد من طلابه لدعمه في توزيع الكتب في القرى المحيطة بقريته، ونجحت مبادرته «عربة الحواديت»، وأتمت عامها الأول.
يعيش هيثم عبد ربه في قرية دوامة، بمركز فاقوس، بمحافظة الشرقية وهي تبعد عن القاهرة نحو ثلاث ساعات، يقول عبد ربه لـ«الشرق الأوسط»: «نجحنا في توزيع أكثر من 11 ألف كتاب في 54 قرية، وما يدفعني لاستكمال ومواصلة دوري هو السعادة التي أجدها في عيون الأطفال بحصولهم على القصص حتى الأطفال الذين لا يعرفون القراءة والكتابة بدأوا في تعلمها لكي يتمكنوا من قراءة القصص». ورغم الطقس الحار في نهار رمضان هذا العام إلا أنه وزع 900 كتاب خلال الأيام الأولى من شهر رمضان.
بدأت الفكرة لدى هيثم الذي يعمل حاليًا معلما للغة الإنجليزية حينما التقى ذات يوم بطفلة سألته بدهشة كبيرة عما يحمله بين يديه وكانت إجابته «مجلة»، فلم تعي الطفلة ما معنى «المجلة»، وهو الأمر الذي دفعه بقوة لمحاولة محو الأمية الثقافية في قريته، وفي ظل معرفته بما يعانيه الطلاب من عدم وجود مكتبات مدرسية ولا مراكز ثقافية، يؤكد عبد ربه: «أقرب مركز ثقافي يبعد مسافة ساعة ونص بالسيارة، فكيف يصل إليه أطفال لا يملكون وسيلة للتنقل، ويعملون مع آبائهم في الحقول طوال النهار ويعودون إلى بيوتهم في غاية الإنهاك؟». لذا قرر أن يبدأ مشروعه في أول أيام رمضان 2015، يروي عبد ربه: «في البداية هاجمني عدد من الأهالي الذين طلبوا مني توزيع اللحوم والمأكولات والمشروبات بدلا من الكتب، وحاولت أن أرسخ لديهم أن القراءة غذاء الروح وهي أهم لأطفالهم، وبالتدريج بدأ الأهل يجدون أطفالهم في غاية السعادة بل ويرون لهم القصص، وأصبحوا أكثر حرصا على التعلم واستذكار دروسهم»، ومع الوقت شعر صاحب «عربة الحواديت» بضرورة ممارسة الحكي للأطفال الذين يعانون من غياب المرافق الأساسية، حتى إن متعة مشاهدة الأفلام الكارتونية لا يملكونها، فقرر أن ينتقي الحكايات التي تغذي مخيلتهم وتدفعهم للقراءة، منها: «كليلة ودمنة»، «ألف ليلة وليلة»، «سندباد»، وحكايات المكتبة الخضراء التي تروي قصصا من الأدب العالمي بأسلوب مبسط.
إلى جانب عمله كمعلم ورسالته في تثقيف أبناء قريته، كتب عبد ربه عدة قصص للأطفال، وكتب في أدب الطفل صدرت له وحاز بها على جوائز أدبية، ويقول عبد ربه بحماس شديد: «أحاول أن أرفع عن هؤلاء الأطفال المعاناة من الشعور بأنهم خارج الدنيا، فهم بالمقارنة بينهم وبين أقرانهم في المدن لا يعرفون أي شيء، وهو ما عانيت منه حينما ذهبت للمدرسة الثانوية ووجدت الطلاب يعرفون (شكسبير) و(ابسن)، والأدب الغربي، والسينما، وأنا لا أعلم عنهم شيئا. لن تتخيلي أن هناك أطفالا تحولوا من عدم معرفة بالقراءة والكتابة إلى أطفال يكتبون قصصًا قصيرة من خيالهم، وهناك أطفال يجسدون الشخصيات التي يستمعون لقصصها بمجسمات من الطين، هؤلاء يدفعونني لاستكمال المشروع». وبأسي شديد يقول: «منذ فترة ذهبت لقرية (بحر البقر) التي تعرضت لمذبحة كبرى على أيدي العدو الإسرائيلي، ووجدتها في حالة مزرية، فهي كما هي منذ 40 عامًا لم تمتد إليها يد التطوير أو التنمية».
الدور الفعال الذي تقوم به «عربة الحواديت» هي أنها تحث الأطفال على تبادل الكتب التي قاموا بقراءتها مع أقرانهم، حتى إن الأطفال أصبحوا يهرولون وراءها بمجرد رؤيتهم لها حفاة الأقدام، أو بملابس المنزل، ويدفعون عبد ربه للتوقف للحصول على ما لديه من كتب، حتى إن عدم وجود كتب العربة أصبح يثير حزنهم لدرجة البكاء.
لم يكتف عبد ربه بدوره في قريته والقرى المحيطة به، بل بدأ في التوجه لمدن صعيد مصر التي تعاني أيضا من الفقر الثقافي، وبدأ مؤخرا بزيارة لمحافظة المنيا، ويحدوه الأمل في أن يجوب جميع محافظات مصر.
وتأتي مبادرة عبد ربه في ظل تدهور تام للعملية التعليمية في مصر، وهو يرى أن دور الاهتمام بتوظيف المعلمين المتخصصين خريجي كلية التربية أمر مهم للحفاظ على العملية التعليمية، مشيرًا إلى أن أحد أسباب تدهور التعليم هو تعيين معلمين في تخصصات غير تخصصاتهم، بل وتعيين أشخاص غير مؤهلين في مهنة المعلم.
يحاول عبد ربه الترويج لمبادرته بهدف الحصول على دعم متمثل في مزيد من الكتب وقصص الأطفال، ودشن صفحة على موقع «فيسبوك» لهذا الغرض، وهي حاليا تضم ما يزيد على 3 آلاف عضو، يقول: «ما يعينني على مواصلة رسالتي هي الكتب، فإذا نفدت مني لن أستطيع استكمال ما بدأته»، ويشير: «لولا الكتب التي يرسلها لي عمر أحمد صاحب مكتبة (عمر بوك ستور) بوسط القاهرة، والتي تبلغ نحو 400 كتاب كل شهر، ومساهمته في عمل تخفيض خاص لمن يريد المساهمة بالمشروع تصل إلى 80 في المائة، لما استطعنا المواصلة، كما يشارك معنا أيضا الناشر بهاء الحسيني، رغم أنه مقيم في أميركا فإنه يرسل لنا عن طريق دار نشر «بوكهاوس» مجموعة قيمة من الكتب التي تصدر عن مؤسسة محمد بن راشد، وأيضًا بعض المبادرات الفردية كالتي يقوم بها الأستاذ صابر إدريس زوج الصحافية المصرية مني الشيمي الذي يرسل لنا بعض الكتب رغم اغترابه في ألمانيا».
«سقف طموحاتنا لا ينتهي».. هكذا لخص هيثم عبد ربه، رغم ما لقيناه من عدم تعاون من الدولة، ممثلة في وزارة الثقافة التي من المفترض أنها الجهة المعنية بالتثقيف والتنوير، يقول: «التقينا وزير الثقافة المصري بعد توسط من الكاتبة الصحافية أماني ضرغام، إلا أن تلك المقابلة لم تسفر عن جديد، فقد قال لنا إن الوزارة لن تتمكن من إعطائنا الكتب ما دمنا لسنا جهة رسمية أو كيانا قانونيا، وطالبنا بتأسيس جمعية خيرية». يقول عبد ربه: «للأسف مفهوم الجمعية الخيرية في مصر أو في القرى تحديدا يعني الإعانات المادية والأكل والشراب، وخرجنا من المقابلة بإحباط شديد، رغم أن أحد الموظفين في الوزارة ساهم بـ30 كتابا، وساهم معنا صندوق التنمية الثقافية التابع للدولة بنحو 250 كتابا، والهيئة العامة لقصور الثقافة بنحو 80 كتابا، لكن هذا العدد لا يمكن أن يكفي مئات القرى المهمشة».
يطمح المعلم هيثم عبد ربه في الحصول على الكتب بشكل دائم، لكنه مع ذلك يسعى لتأسيس مركز ثقافي شامل، يضم مسرحا ومرسما وناديا أدبيا وقاعة موسيقى، كما يسعى لتقديم برنامج تلفزيوني يساهم في استعادة الحكي الذي غاب عن الأطفال وتركهم لتلقي ثقافة مغايرة عن ثقافتهم عبر مسلسلات الكارتون المدبلجة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».