واشنطن تحجب أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب ثمنًا للاتفاق النووي

مسؤولو استخبارات سابقون وأعضاء في إدارة أوباما تحدثوا عن وثائق أبوت آباد:

الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
TT

واشنطن تحجب أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب ثمنًا للاتفاق النووي

الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)
الرئيس باراك أوباما ومستشارة الأمن القومي سوزان رايس يتحدثان على الهاتف مع الأمن الداخلي (غيتي)

في الثاني من مايو (أيار) عام 2011 اقتحمت قوات أميركية منزل أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان. وبعد إطلاق النار على زعيم تنظيم القاعدة وقتله، حصلت هذه القوات على مجموعة ضخمة من الوثائق، وصفت لاحقا بـ«أكبر مجموعة منفردة من المواد المهمة على الإطلاق». وأفاد مايكل بريغنت، الضابط بوكالة الاستخبارات العسكرية، بأن هناك أكثر من مليون وثيقة تدين طهران بالإرهاب،وتؤكد استمرار العلاقة بين نظام خامنئي وتنظيم «القاعدة». وفي الفترة السابقة على الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2012، والتي ترشح فيها الرئيس أوباما لفترة ثانية، كشف البيت الأبيض انتقائيا عن عدد محدود من وثائق أبوت آباد لدعم ادعائه بأن «القاعدة» تعرضت للهزيمة. وفي ذلك العام ، نظم فريق عمل من الضباط والمحللين الاستخباراتيين من القيادة المركزية الأميركية، بتكليف خاص، زيارة إلى أرشيف وثائق أبوت آباد في فرجينيا، ولكن مجلس الأمن القومي ألغى تصريح الاطلاع على تلك الوثائق. يقول ضابط الاستخبارات بريغنت،عضو فريق القيادة المركزية السابق «لو كشفت إدارة أوباما عن بعض الوثائق الخاصة بالعلاقة بين بن لادن وإيران، قبل وأثناء وبعد أحدث 11 سبتمبر (أيلول)، لأفسدت تلك المعلومات،وحقيقة معرفة الإدارة بها، الاتفاق النووي مع طهران». وتزامن التكتم على أدلة تعاون «القاعدة» وإيران مع حملة تشنها الإدارة لتركيز انتباه الأميركيين على ادعاءات بقيام الحكومة السعودية بدور عملي في أحداث 11 سبتمبر . من جهته طالب رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب بالإفراج الفوري عن جميع وثائق أبوت آباد. ويؤكد مسؤول سابق في الاستخبارات والعمليات الخاصة بالمارينز أنه لا يوجد مبرر عملي لاستمرار حجب غالبية الوثائق.
وصفت الحكومة الأميركية المواد السرية المحجوبة التي حصلت عليها قوات أميركية من منزل زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن في أبوت آباد بباكستان، بأنها تجاوزت مليون وثيقة، تدين طهران بالإرهاب، وقال مستشار الرئيس باراك أوباما لشؤون الأمن القومي توماس دونيلون، «أن تلكم المواد محفوظة على 10 أقراص صلبة، ونحو 100 قرص بحجم الإبهام وبطاقات بيانات، إضافة إلى كمية هائلة من المواد والأوراق المطبوعة» . ووفقا لما صرح به دونيلون، يمكن لتلك المواد أن تملأ «مكتبة جامعة».

تكليف فريق من (سي آي إيه) بتحليل المواد
تم تكليف فريق من وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) بتحليل المواد، مع إعطاء الأولوية للاستخبارات التي يمكن اتخاذ إجراءات فورية بشأنها، وبهدف نهائي بفحص المحتوى بالكامل للوصول إلى أقرب قدر ممكن من المعرفة الشاملة بتنظيم القاعدة. كما وعدت الإدارة بجعل معظم المواد متاحة للجمهور عندما يكون ذلك آمنا ومقبولا من الناحية العملية.
ولكن بعد مرور أكثر من خمسة أعوام على مصادرة الوثائق، تم الكشف عن قدر ضئيل للغاية من المواد للجمهور. ويؤكد مسؤولون سابقون في الاستخبارات، كانوا على دراية بالخلافات داخل الأجهزة حول ذلك الأرشيف، أن إدارة أوباما استخدمت قدرا محدودا من المواد التي رفعت عنها السرية لدعم خطابها السياسي بشأن «القاعدة» ولم تثبت صحة أغلبية الوثائق. ومن أبرز التناقضات: الدليل القوي على وجود تعاون بين «القاعدة» والحكومة الإيرانية.
وتنشر {الشرق الأوسط} بالتزامن مع الزميلة «المجلة» لقاءات مع مسؤولين استخباراتيين سابقين وأعضاء عاملين في أرشيف الأمن القومي في واشنطن، وخبراء في سياسات رفع السرية في حكومات أميركية متعاقبة، بالإضافة إلى فحص أكثر من 250 وثيقة من مجمع أبوت آباد.
- وصف بن لادن إيران بأنها «الممر الرئيسي لنا بالنسبة للأموال والأفراد والمراسلات»، وأوصى تابعيه بعدم «فتح جبهة مع إيران والانصراف كليا.. للقتال ضد الصليبيين والمرتدين».
- كان هناك تناقض واضح بين البيانات العامة التي يصدرها تنظيم القاعدة معلنا أن جميع الشيعة (كفار) من جهة، والمداولات الداخلية التي يجريها التنظيم داعا إلى تبادل المنفعة البرغماتي مع ملالي طهران من جهة أخرى.
- شعر بن لادن بالقلق إثر خروج تقارير عن وجود تعاون بين «القاعدة» وإيران في وسائل الإعلام العربية، وحث تابعيه على نفيها بشدة.
- استهدف أبو مصعب الزرقاوي الأماكن المقدسة الشيعية والمدنيين الشيعة في العراق مخالفا لأوامر بن لادن، مما أثار أزمة في العلاقات بين «القاعدة» وإيران.
واتخذت إيران إجراءات صارمة ضد «القاعدة» من بينها احتجاز أفراد من أسرة بن لادن، من أجل التفاوض على إعادة التعاون من مركز قوة.
- استخدمت إيران نفوذها وصلتها بـ«القاعدة» كوسيلة ضغط على الولايات المتحدة في عهد كل من بوش وأوباما.
- في الفترة السابقة على الحملة الانتخابية الرئاسية في عام 2012، والتي ترشح فيها الرئيس أوباما لفترة ثانية، كشف البيت الأبيض انتقائيا عن عدد محدود من وثائق أبوت آباد لدعم ادعائه بأن «القاعدة» تعرضت للهزيمة.
- وفي ذلك العام ذاته، نظم فريق عمل من المحللين الاستخباراتيين من القيادة المركزية الأميركية بتكليف خاص زيارة إلى أرشيف وثائق أبوت آباد في فرجينيا، ولكن ألغى مجلس الأمن القومي تصريح الاطلاع على وثائق.
- تقدم 50 محللا استخباراتيا من القيادة المركزية الأميركية بشكوى رسمية من أن عملهم يخضع لتغيير على يد رؤسائهم ليعطوا صورة وردية عن الحملة الأميركية العسكرية ضد «داعش»، مما أدى إلى تحقيق البنتاغون في تلاعب مزعوم في المعلومات الاستخباراتية.
- يتزامن التكتم المزعوم على أدلة تعاون «القاعدة» وإيران مع حملة سافرة تشنها الإدارة لتركيز انتباه الشعب على ادعاءات بقيام الحكومة السعودية بدور عملي في أحداث 11 سبتمبر (أيلول) .
- يطالب رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب بالإفراج عن جميع وثائق أبوت آباد. ويؤكد مسؤول سابق في الاستخبارات والعمليات الخاصة بالمارينز أنه لا يوجد مبرر عملي لاستمرار حجب غالبية الوثائق.
- وصف خبراء في سياسات السرية في الحكومة الأميركية البيت الأبيض في عهد أوباما بأنه «أكثر الإدارات تكتما في التاريخ الرئاسي الأميركي».
التسلسل الزمني للسرية
في مارس (آذار) عام 2012، مع اقتراب الذكرى الأولى لحملة أبوت آباد، كانت حملة إعادة ترشح الرئيس أوباما في أوجها. وعملت الإدارة عبر كاتب المقالات في «واشنطن بوست» ديفيد إغناتيوس على نشر بعض المقتطفات من الأرشيف والتي تم اختصارها بطريقة ملائمة في عنوان مقال: «أسامة بن لادن: أسد في الشتاء»؛ كتب إغناتيوس: «رأيت عينة صغيرة من آلاف الأشياء التي تم الحصول عليها في ليلة الثاني من مايو عام 2011. ولكن حتى تلك الوثائق القليلة التي أخرجها لي مسؤول بارز في إدارة أوباما، أعطتني فكرة عن كيفية.. فقدان (تنظيم القاعدة) لقوته الدافعة». وأضاف أن بن لادن وجماعته كانوا «مطاردين بلا هوادة من القوات الأميركية لدرجة أنهم وجدوا صعوبة في تبادل أبسط الاتصالات». دعّم المقال، وبعض المقالات الأخرى المعدودة التي اعتمدت على تقديم معلومات بطريقة مشابهة، ادعاء الإدارة الذي كثيرا ما يُذكر بأن تنظيم القاعدة «مطارد». وكانت المواد المقدمة إلى إغناتيوس ضمن أقل من 20 وثيقة من وثائق أبوت آباد التي تم الكشف عنها للعامة أخيرا في الذكرى الأولى للمداهمة التاريخية.
ولكن كشف مدير معهد الصحافة السياسية في جامعة جورج تاون السابق المقرب من ديك تشيني، ستيفن هايز ، عن حالة من الفوضى في رفع السرية والتي نالت أهمية إضافية. قبل الكشف عن الوثائق بفترة وجيزة، تم حجب وثيقة عن الجمهور،وهي تشير إلى وجود تنسيق عملي وثيق بين «القاعدة» وكبار قادة حركة طالبان الأفغانية، ولم يكن ذلك في مرحلة ماضية بعيدة، بل حتى المراحل الأخيرة في حياة بن لادن.
بالإضافة إلى الصورة المتناقضة عن «أسد في الشتاء»، كان من الطبيعي أن تُعَرِّض المعلومات بشأن مخططات طالبان الأفغانية ضد القوات الأميركية والناتو المفاوضات التي كانت دائرة في ذلك الوقت بين إدارة أوباما وطالبان للخطر. لم يتم الإفراج عن الوثيقة، وفي الوقت ذاته، صرح مسؤولون رفيعو المستوى في الإدارة من بينهم وزير الدفاع ليون بانيتا ورئيس «سي آي إيه» جون برينان للشعب بأن هزيمة «القاعدة» باتت وشيكة.
في ذلك الحين اكتشف محللون استخباراتيون في القيادة المركزية الأميركية، والذين كانوا يجرون تحقيقاتهم بشأن «القاعدة»، أنه على عكس ذلك كان تنظيم القاعدة نشطا وبحال جيدة، إذ كان بن لادن مشاركا بنشاط في عملياته حتى آخر لحظة، ولم تتوقف العلاقات التي استمرت طيلة عقود بين قيادات «القاعدة» وإيران.
يقول مايكل بريغنت، الضابط السابق بوكالة الاستخبارات العسكرية والذي كان يركز على إيران طوال فترة خدمته: «بالنظر في أرقام الهاتف والإشارات التي اعترضتها الاستخبارات، وغيرها، بدأنا نرى عملية تسهيل المرور عبر إيران. كانت هناك رسالة ضمن وثائق بن لادن (غير السرية) تشير إلى دور إيران المهم في التنظيم، حيث حذر عناصر (القاعدة) من التلاعب مع إيران. كنا نحاول الحصول على معرفة تاريخية بالتنظيم وكيف كان يعمل، وبدأنا نرى أشياء لم يكن هناك من يتحدث عنها، مثل قيام إيران بتسهيل سفر عناصر (القاعدة) إلى داخل باكستان».
وصرح ديريك هارفي، وهو عضو آخر في فريق القيادة المركزية، بأنه في ذلك الوقت، كانت وثائق بن لادن مُهمَلة: بعد عدة أسابيع أولى أجرى فيها فريق استخباراتي جمع بين وكالات مختلفة بقيادة «سي آي إيه» عمليات بحث عن طريق كلمات مفتاحية للحصول على معلومات فورية يمكن اتخاذ إجراءات بشأنها، ولم يجر أي شخص مراجعة أخرى للمواد لمدة عام أو أكثر. وبعد أن احتفظت بسيطرتها على الوثائق، رفضت وكالة «سي آي إيه» السماح للوكالات الأخرى بمراجعتها.
ما حدث بعد ذلك كان خلافا داخل الحكومة الأميركية حول السماح لفريق القيادة المركزية بالاطلاع على وثائق أبوت آباد أم لا. ودافع مسؤولون رفيعو المستوى في القيادة المركزية بقوة عن السماح بذلك، وفي النهاية وافق جيمس كلابر، مدير وكالة «سي آي إيه» في ذلك الوقت على التراجع.
يذكر بريغنت أن فريقه حصل على تصريح من وكالة «سي آي إيه» للذهاب إلى المركز الوطني لاستغلال الوسائط في ماكلين بفرجينيا للاطلاع على الوثائق. ولكن كما أوضح بريغنت، تم إلغاء الرحلة فجأة. وأضاف: «بناء على ما قيل لي جاء القرار من مجلس الأمن القومي التابع للرئيس. وتم حل الفريق بعد ذلك بأسابيع». ووفقا لمصادر استخباراتية، تم استدعاء بعض المحللين إلى واشنطن وإبلاغهم بالتوقف عن محاولة تحليل الوثائق القليلة التي لديهم.
وأشار بريجنت بانه يعني بذلك ان أكثر من مليون وثيقة، تم الإفراج عن قدر ضئيل للغاية من الوثائق الخاصة ببن لادن، ولدينا كل المؤشرات التي تدل على أنه إفراج انتقائي. وشدد ضابط الأستخبارات العسكرية السابق «لو كانت الإدارة ستكشف عن بعض الأشياء التي تتعلق بالصلة بين بن لادن وإيران، التي تدل على تقديمها دعما ماديا لـ«لقاعدة» قبل وأثناء 11 سبتمبر، لأفسدت تلك المعلومات، وحقيقة معرفة الإدارة بها، الاتفاق النووي مع إيران».
وفي سياق متصل، قال مسؤول سابق بالبيت الأبيض، طلب عدم الكشف عن اسمه: «إن حجب مئات الآلاف من الوثائق التي تؤكد ضلوع طهران في عمليات إرهاب، وتشير إلى دعمها المادي واللوجستي لتنظيم القاعدة، كان هدفه إسكات انتقادات الاتفاقية النووية المعيبة، وإقناع الرأي العام الأميركي والمجتمع الدولي بجدية دولة الملالي في وقف مشروعها النووي، وتغيير سلوكها العدائي تجاه الولايات المتحدة خاصة، والغرب بشكل عام».
وكان ثمن ذلك أيضا نشر الإدارة الأميركية معلومات خاطئة، أو غير مكتملة بشأن السلوك الإيراني.
وجنّد بعض المستفيدين من الصفقة المخزية، إعلاميين وباحثين ومنظمات غير الحكومية للترويج لأجندة إدارة أوباما، وخداع المواطنين نيابة عن الدولة. كل ذلك كان ثمنا لصفقة الرئيس الأميركي مع نظيره الإيراني روحاني، الرئيس الحالي والمفاوض القديم.
وخلال الشهر، نشرت «الأسوشييتد برس» خبرا حول تقديم «صندوق بلوشيرز» - وهي جمعية خيرية معروفة برعايتها للمجلس القومي الإيراني الأميركي،الذي يرأسه في واشنطن الإيراني تريتا بارسي، صديق وزير الخارجية جواد ظريف- هذا الصندوق قدم دعما ماليا لوسائل الإعلام بما في ذلك «الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية في إطار جهوده لدعم صفقة البيت الأبيض مع إيران. ووفقا لتقرير بلوشيرز السنوي الصادر في 2015، منح الصندوق «الإذاعة الوطنية العامة» 100 ألف دولار لمساعدتها على تقديم تقارير حول الصفقة النووية والقضايا المتعلقة بها في 2015.
وتشير التقارير في جميع الأماكن الأخرى إلى أن المؤسسة منحت «الإذاعة الوطنية العامة» 700 ألف دولار خلال العقد الماضي.
وتؤكد كل من «الإذاعة الوطنية العامة» ومؤسسة «بلوشيرز» أن تلك المنحة لم تؤثر على تغطية الاتفاق؛ حيث زعمت الإذاعة التي تحظى جزئيا بدعم عام: «لدينا سياسة تحريرية متشددة لكي نضمن أن نقدم تغطية مستقلة وألا نتأثر بالممولين أو بالمصالح الخاصة». وبدورها، قالت جنيفر أبراهاموس، المتحدثة باسم «بلوشيرز»، في حوار مع «الأسوشييتد برس» إن التمويل «لا يؤثر على المحتوى التحريري للتغطية التي تقدمها الإذاعة على أي نحو كما أننا لا نرغب في ذلك».
وتعليقا على تصريحات أبراهاموس لـ «الأسوشييتد برس» يقول الباحث الأميركي لي سميث فإذا لم تكن «بلوشيرز» ترغب في التأثير على المحتوى التحريري بما يتوافق مع مهمتها - «بناء عالم آمن من خلال تقديم مبادرات والاستثمار في تلك المبادرات لتقليل المخزون النووي بالعالم والحد منه» - يجب عليها إذن أن تقنع مموليها بأسباب إهدارها أموالهم.
وعلى أي حال، يتضح من وثائق «بلوشيرز» الداخلية أن الصندوق يتابع عن كثب ما إذا كانت تلك الأموال تستحق أن يتم إنفاقها على وسائل الإعلام أم لا. ويتضح أيضا أن الشعب الأميركي يدفع وحده ثمن صفقة واشنطن طهران النووية.

رفع السرية عن 250 وثيقة فقط
وبالعودة إلى وثائق بن لادن ، أستمر الضغط الشعبي في التصاعد من أجل رفع السرية عن الوثائق، وكان أغلبه من الكونغرس في جهود قادها العضو عن كاليفورنيا ديفين نيونز رئيس اللجنة الدائمة للاستخبارات بمجلس النواب. وفي عام 2014، طلب «قانون تفويض الاستخبارات» من مكتب مدير الاستخبارات الوطنية إجراء مراجعة للوثائق من أجل الإفراج عنها. وتم تشكيل فريق عمل بين الوكالات من أجل تلك المراجعة، تحت رعاية البيت الأبيض.
وبعد عامين، رُفعت السرية عن أقل من 250 وثيقة فقط من المليون وثيقة. وبعد الإفراج عن أحدث مجموعة منها (113 وثيقة)، في الأول من مارس الماضي، أصدر عضو الكونغرس نيونز البيان التالي: «على الرغم من أنه من الجيد رؤية الإفراج الجديد عن وثائق بن لادن، لا تزال إدارة أوباما في حاجة إلى إخراج المزيد منها. وكان يجب بالفعل أن تقدم وكالة (سي آي إيه) جميع وثائق بن لادن إلى لجنة الاستخبارات في مجلس النواب، وكان يجب أن يتم مكتب مدير الاستخبارات الوطنية عملية مراجعة سرية جميع الوثائق لتحديد ما يمكن الكشف عنه للشعب. أتطلع إلى تسلم الوثائق المتبقية على الفور».
وذكر مكتب مدير الاستخبارات الوطنية أنه «سيتم الإفراج عن جميع الوثائق التي لا يضر إصدارها بالعمليات المستمرة ضد (القاعدة) أو تابعيها».
يثير هذا الالتزام المصرح به تساؤلات تيموثي وارد نيكولز، وهو بروفسور في جامعة ديوك ومتخصص في مكافحة الإرهاب وسياسات الاستخبارات، وشارك سابقا في عمليات خاصة في كل من العراق وأفغانستان. صرح نيكولز بأنه بعد مرور أكثر من خمسة أعوام على الحصول على الوثائق من أبوت آباد: «من الصعب تصور أنها جميعا فيما عدا قدر ضئيل منها لها إمكانية التأثير على العمليات الحالية. إذا كانت هناك معلومات عن مواقع أو أنشطة مخططة، والهدف هو إدخالها في نظام الاستخبارات واتخاذ إجراء واستهداف أشخاص والمنع.. لقد مرت سنوات كثيرة على ذلك، وإذا لم يتم اتخاذ إجراء بالفعل، فمن المحتمل أنه لن يحدث. وعلى الرغم من أن بعض المعلومات قد تستحق البقاء قيد السرية، أشك في أن الغالبية العظمى من المواد لها قيمة استخباراتية مستمرة».
وتثار التساؤلات حول إخفاء أرشيف أبوت آباد في سياق اتهامات واسعة موجهة ضد إدارة أوباما بالتلاعب في التحليلات الاستخباراتية.
في نهاية العام الماضي، أصدر أكثر من 50 محللا استخباراتيا من القيادة المركزية في الجيش الأميركي عددا من الشكاوى زاعمين أن تقاريرهم وتحليلاتهم عن أنشطة «داعش» و«القاعدة» في سوريا تخضع لتغيير كبير على يد رؤسائهم، من أجل إضفاء صورة أكثر وردية عن الحملة الأميركية العسكرية ضد «داعش». تسببت الشكاوى في شروع المحقق العام في البنتاغون في تحقيقات حول التلاعب المزعوم في المعلومات. ووصفت الشكاوى المقدمة رسميا المناخ الخاضع للرقابة والمحيط بعمل المحللين الاستخباراتيين بأنه على الطريقة «الستالينية». وفي تطور كبير في الشهر الماضي، تم الكشف عن فصل اثنين من كبار محللي الاستخبارات في القيادة المركزية من عملهما بسبب التقييمات المتشككة التي قدماها إلى رؤسائهما.
ولدى سؤاله عن تقييم المزاعم الموجهة ضد الصفوف العليا في القيادة المركزية، أشار نيكولز إلى معرفته القديمة بأحد الشاكين الأساسيين وهو مسؤول الاستخبارات غريغ هوكر: «يمكن أن يكون غريغ، الذي أعرفه منذ عشرين عاما، أفضل محلل أميركي لشؤون العراق. وعندما يشعر بالقلق من أن التحليلات الاستخباراتية التي يقدمها يتم التلاعب بها لتبدو أفضل مما هي عليه، أقف إلى جانب غريغ».

تسييس الاستخبارات
وفي تعليق على تسييس الاستخبارات، أشار نيكولز إلى أن المشكلة تبدو كامنة إلى حد كبير في مجلس الأمن القومي: «عندما تدخل الاستخبارات إلى مجلس الأمن القومي، أعتقد أن تسييسا كبيرا يحدث، وهذا يضر بالرئيس أوباما. فهو يضع رجاله في المكان وهم يخبرونه بما يريد أن يسمعه». ولكن ألقى ليفتنانت جنرال مايكل فلين، الذي عمل مديرا للاستخبارات العسكرية قبل تقاعده في عام 2014، باللوم على مستويات عليا في الحكومة، إذ صرح لقناة «فوكس نيوز» بأن «محور هذا التحقيق كان يجب أن يبدأ من الأعلى.. تبدأ الاستخبارات وتنتهي عند البيت الأبيض. يحدد الرئيس الأولويات، وهو الزبون الأول».

ملامح علاقة معقدة ولكنها مستمرة بين «القاعدة» وإيران
جاءت الإشارات إلى دور إيران في أنشطة «القاعدة» على مستوى تنظيمي عرضي في رسائل متبادلة بين بن لادن وتابعيه في الميدان. على سبيل المثال، في تقرير يرجع إلى أبريل (نيسان) عام 2011 أرسله إلى بن لادن أحد العناصر الموجودة في مكان آخر في باكستان، وردت إشارات إلى زملاء استقروا في إيران: «كان قد خرج الأخ (أبو السمح) المصري وهو الآن باقٍ في إيران. ويبدو أنه استأنف ممارسة نشاط إعلامي واتصالات بعنوان (جماعة الجهاد) كما ترون في ملفٍ مرفق. كذلك خرج الأخ عبد الله رجب الليبي (أبو الورد قديما) وهو هناك في إيران كذلك».
وفي رسالة كتبها بن لادن بتاريخ 27 أغسطس (آب) عام 2010، توجد إشارة إلى «إخوة قادمين من إيران» بالإضافة إلى الحديث عن «إخوة (آخرين) سيذهبون إلى إيران للمحافظة عليهم».
وفي رسالة مختلفة لا تحمل تاريخا، توجد إشارة إلى عناصر «القاعدة في اليمن»، الذين تم اعتقالهم في باكستان عندما كانوا في الطريق إلى إيران. وهكذا يبدو أن إيران كانت وجهتهم وليست مجرد نقطة مرور.
وفي رسالة غير مؤرخة تتعلق بـ«العمليات الخارجية»، كتب أحد العناصر لبن لادن أنه كان يفكر في فتح مكتب بإيران: «لو جئنا لنقيم ما قمنا به في هذا الباب، فأول ما واجهنا هو أننا في صدد عمل تنظيم كامل وهو ما لا نقدر عليه لا ماديا ولا من ناحية الكوادر المطلوبة ونحن عملنا في الأساس كما نظن تنفيذي إلا بعض الأمور الخاصة بنا.. فلا بد أن تكون تابعة لنا، حتى أننا فكرنا في عمل مكتب لنا في إيران لاستقبال من يأتينا أو تسفيره». وتابع عنصر «القاعدة» حديثه عن مخاوف بسبب ارتفاع تكلفة ذلك في الوقت الحالي.
قد تكون واحدة من أهم الوثائق هي رسالة من بن لادن يرجع تاريخها إلى 18 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2007، والتي أعرب فيها عن رفضه لأحد تابعيه – على الأرجح أنه في العراق - والذي تبنى خطابا عدائيا ضد إيران. «إنكم لم تشاورونا في هذا الأمر الخطير، الذي يمس مصالح الجميع. وقد كنا نتوقع منكم المشورة في هذه المسائل الكبيرة. فأنت تعلم أن إيران هي الممر الرئيسي لنا بالنسبة للأموال والأفراد والمراسلات، وكذلك مسألة الأسرى». وقال بعد ذلك، «لا داعي لفتح جبهة مع إيران إلا إذا كنتم مضطرين.. فالرأي عندي تأجيل فتح الجبهة معها والانصراف كليا.. للقتال ضد الصليبيين والمرتدين. وكذلك رأيي بالنسبة للجبهات الأخرى كلبنان وغيرها».
من المعروف أن نصيحة بن لادن لم تلق اهتماما من أبو مصعب الزرقاوي، زعيم تنظيم القاعدة في العراق أثناء الأعوام الأولى من الاحتلال الأميركي للبلاد بعد الإطاحة بصدام حسين. وكما ذكرت تقارير واسعة، كان قرار الزرقاوي باستهداف الأماكن الشيعية المقدسة والمواطنين الشيعة أحادي الجانب، وذلك على عكس نصيحة بن لادن. ولكن عندما تسببت الأحداث الدموية في حدوث صدع في العلاقات بين «القاعدة» وإيران، تقابل وسيط إيراني مع عنصر بارز في «القاعدة» في محاولة لحل الخلافات واستكمال التعاون. يأتي وصف لذلك الجهد في رسالة غير مؤرخة، وفيما يبدو أنها وردت من العراق ومكتوبة بخط اليد، نقل فيها عنصر «القاعدة» ما حدث في نقاش مع وسيط إيراني حيث قال: «الإيرانيون مهتمون لعمل ارتباط مع أحد من طرف العمدة (بن لادن).. إذ إنهم يعتقدون أن الإخوة هناك وبالذات الأزرق (في إشارة إلى الزرقاوي) ومجموعته لهم دخل في الاعتداءات على الأماكن والعتبات المقدسة لدى الشيعة، لذا يرغبون إما بمقابلة مندوب من طرف العمدة لمناقشة هذا الأمر والاستيضاح حوله، وإمكانية التعاون إذ إنهم (الإيرانيون) يرغبون بتقديم نوع من الدعم والمساعدة.. وهم يرغبون بالحصول على رسالة بتوقيع العمدة يؤكد فيها أن الأماكن المقدسة لدى الشيعة ليست مستهدفة من قبل الإخوة. وأنها ليست من الأهداف المراد ضربها، وأن ما يحصل إنما هو نتيجة التخطيط، الحاصل هناك، وأن العمدة وأصحابه غير راضين وغير موافقين على استهداف مثل هذه الأماكن».

مبرر آيديولوجي لتعاون «القاعدة» مع إيران
تلقي مجموعة أخرى متاحة من وثائق أبوت آباد نظرة على الرؤية الآيديولوجية التي تبناها أسامة بن لادن والتي يبدو أنها تبرر التعاون مع إيران الشيعية، حتى بالنسبة لحركة تكفيرية على خلفية سنية متشددة متطرفة ترى أن المذهب الشيعي يقترب من درجة (الشرك). وُجد أن بن لادن أكد بطرق متعددة على أن المصلحة العامة التي تقتضي مواجهة الولايات المتحدة تجعل من الحكمة تنحية تلك الخلافات جانبا والتعاون مع إيران، ما دامت إيران ملتزمة أيضًا بإلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة. ووفقا لمذكرة كتبها بن لادن ولا تحمل تاريخا: «المصلحة في هذه المرحلة تقتضي ألا يدخل المجاهدون حربا عسكرية مع إيران، لما في ذلك من تشتيت للجهد الوحيد الموجه إلى رأس الكفر أميركا. وأحسب أننا بفضل الله تعالى في فترة الإجهاز على أميركا، إلا أنه كما لا يخفى عليك أن الدول الكبرى لا تنهار في عشية وضحاها، وأن الانشغال عن عدو مُنهَك وإعطائه الفرصة لالتقاط أنفاسه والدخول في حرب طويلة المدى مع عدو آخر أمر مناف للحكمة».
ورد أحد الأمثلة الأخرى العلنية على التعاون مع إيران ضد عدو مشترك في رسالة بدون تاريخ إلى «الإخوة المسلمين في العراق والأمة الإسلامية»، حيث كتب بن لادن: «العراقي الذي يجاهد ضد الكفار الأميركيين أو حكومة علاوي (المرتدة) فهو أخونا وولينا، وإن كان فارسيًا أو كرديًا أو تركمانيًا. والعراقي الذي ينضم إلى هذه الحكومة (المرتدة)، ويقاتل معها المجاهدين المقاومين للاحتلال فقد ارتد وكفر، وإن كان عربيا».

ثورات الربيع العربي
في عام 2011، عندما بدا أن الإطاحة بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي تبشر بموجة من الثورات في العالم العربي، ظهر أسامة بن لادن حريصا على وضع بصمته على التغيير الهائل، وربما على توجيه الثوار من خلال كتاباته ونصائحه. وبحثا عن مقارنة يقدم من خلالها نصائحه، أشار بن لادن أكثر من مرة في كتاباته بإيجاب إلى الثورة الإيرانية ضد الشاه. على سبيل المثال في رسالته «إلى الأمة الإسلامية عامة» والتي كتبها بعد اندلاع الثورة في تونس، أشاد بن لادن بـ«نجاح الثورة الإيرانية في إسقاط نظام الشاه».
وفي رسالة أخرى إلى «أمتي المسلمة»، والتي يبدو أيضًا أنها صدرت في أعقاب الثورة التونسية، ذكر بن لادن أيضًا الثورة الإيرانية كنموذج على فكرته بوجوب التخلص التام من فلول النظام القائم؛ حيث استشهد بـ«الثورة الإيرانية التي أصر قائدها على أن يحرر البلاد من النظام تحريرًا تامًا، فحتى بعد أن خرج الشاه وترك شهبور يدير الأمور ويخادع الناس ليعود الشاه، لم تقف الثورة وإنما استمرت رغم سفك النظام للدماء إلى أن أزيل تمامًا».

حساسيات حول التعاون العلني مع إيران
لم تمر المؤشرات على وجود توافق بين «القاعدة» وإيران مرور الكرام في العالم العربي الواسع. في بعض المراسلات، علم قادة «القاعدة» بشأن إدراك بعض الدول العربية لشراكة «القاعدة» مع إيران. وبدا أن قيادات «القاعدة» تتفهم أن ذلك الإدراك يثير المشكلات ويجب مواجهته بطريقة ما.
في رسالة بتاريخ 17 ديسمبر (كانون الأول) عام 2007، قدم بن لادن نصيحة في الإعلام والاتصالات العامة إلى أبو عبد الله الحاج عثمان. قال إنه في حين ينبغي تجاهل بعض الاتهامات التي توجهها الحكومات العربية لـ«القاعدة»، يجب الرد على تقارير وسائل إعلام «الضرار» العربية حول وجود علاقة بين إيران و«القاعدة».
يبدو في الوقت ذاته، أن بعضا من أتباع أسامة بن لادن، الذين انغمسوا في تيار الكراهية التكفيرية تجاه الشيعة، يحتاجون إلى الاطمئنان إلى أن زعيم التنظيم لا يتعامل بـ«مرونة» مع الطائفة الشيعية. في رسالة دون تاريخ إلى بن لادن، سأله أحد عناصر «القاعدة» بشأن تردده المربك في انتقاد الجمهورية الإسلامية حيث كتب: «وأترك بقية القضايا لمراسلات قادمة، ومنها سكوتكم عن المخطط الإيراني الصفوي، في المنطقة العربية وطبيعة العلاقة معه خاصة بعد تكرار حث الدكتور أيمن المسلمين للوقوف مع (حزب الله) مع أنه جزء من هذه الأجندة الإيرانية الرافضية».
وهكذا يظهر التشعب بين المداولات السرية البرغماتية بشأن قيمة نظام طهران بالنسبة لـ«القاعدة» من جهة، والبيانات العدائية المخصصة للاستهلاك العام بشأن نبذ «القاعدة» للشيعة في الجهة المقابلة. على سبيل المثال، في رسالة ترجع إلى الأول من مارس عام 2004 (9 - 1 - 1425 هجرية)، أعلنت أن الشيعة تقترب من الشرك.
وحتى في النقاش العام، وفي أشد الكتابات المعادية للشيعة التي صدرت عن «القاعدة»، بذل التنظيم جهدا لتهدئة حدة الخطاب، فيما يبدو أنه احترام للتعامل بين التنظيم والقيادة الإيرانية. في مسودة لكلمة عن الشيعة، على الرغم من شدة الاتهامات الموجهة للطائفة، أكد الكاتب قائلا: «لست متعصبا لقوم دون قوم، لمجرد الجنس والانتساب العرقي القومي والحمد لله على نعمة الإيمان، فسلمان الفارسي وبلال الحبشي من أوليائنا وسادتنا رضي الله عنهما وإن كانا من العجم. وابن سلول الخزرجي وأبو لهب الهاشمي من أعدائنا وإن كانا من العرب وأقرب إلينا نسبا، فالعبرة بالإسلام والتقوى وليست بالوطن والقربى. وذكر الكاتب في المسودة أن السنة والشيعة جميعا معرضون للوقوع في الضلال حيث كتب: «وهنا أوجه نصيحة لطائفة أهل السنة وأخرى لطائفة الشيعة وأقول: علم الله أنني أحب أن أوصل الحق إلى كل الناس ليعرفوه فيتمسكوا به عسى أن ندخل الجنة جميعا بإذن الله، ورحمته وفضله».

ريبة متبادلة وضباب الحرب
لا تعني الإشارات الكثيرة على وجود تعاون بين «القاعدة» وإيران في صور مختلفة أن قادة الكيانين يتعاملان بثقة متبادلة، بل على النقيض، ذكر بن لادن في وثائق أبوت آباد أنه لا يجب الوثوق في الإيرانيين. وبين عدد من الوثائق، ركز القدر الأكبر على محاولة تنظيم القاعدة التعامل مع اعتقال بعض العناصر – من بينهم زوجة بن لادن شخصيا وابنه وأحفاده – على يد الحكومة الإيرانية. ومن وجهة نظر سياسية، يبدو أن الوثائق تنفي ظاهريا الدليل على التعاون بين «القاعدة» وإيران. ولكن تحت السطح تظهر صورة أكثر تعقيدا.
في بعض المراسلات، أعرب كاتبو الرسائل من وإلى أبوت آباد عن شعور بالصدمة لاعتقال الحكومة الإيرانية بعض عناصر التنظيم. في رسالة بتاريخ 27 - 12 - 1431ه، يطلب الكاتب- يبدو أنه بن لادن - من «الأخ الشيخ محمود» إفادته بأسباب اعتقال عناصر معينة من «القاعدة» في إيران. ويذكر، بناء على معلومة من عنصر آخر في التنظيم على علم بالتفكير الاستراتيجي الإيراني، أن «الإيرانيين يخشون الضغوط». ويحث بن لادن محاوريه في إيران على معالجة الأمر بحرص – فيمارسون ضغوطهم من الأجل الإفراج عن العناصر ولكن «بشكل تدريجي».
علاوة على ذلك، في الرسالة ذاتها، يتحدث بن لادن عن عناصر أخرى في إيران تتحرك بحرية واضحة في البلاد – لدرجة أنه يدخل في نقاش لوجيستي عن تبادل المراسلات بين مجمع أبوت آباد وداخل «الجمهورية الإسلامية»: «سنخبر الوسيط من طرفنا بأن يتصل عليكم على رأس كل شهر شمسي في مثل هذا التاريخ لترسلوا لنا رسالة إن كان هناك شيء مهم لا يحتمل التأخير، ونظرا لاحتمال مجيء أحد من أهلي في إيران، فأرجو الترتيب بأنه متى اتصل صاحبنا على صاحبكم وهو عندكم أن يأتوا معه مباشرة».
تقدم رسالة مختلفة فكرة أخرى عن طبيعة «الضغوط» التي قد تواجهها إيران لوضع بعض عناصر «القاعدة» قيد الإقامة الجبرية حيث جاء فيها: «اضطرتهم إلى ذلك حملة أميركا الظالمة على أفغانستان فقد كانت تستهدف أسر المجاهدين العرب نساء وأطفالا عن عمد مرات ومرات، فبعض الذين نجوا منهم ذهبوا إلى إيران دون تنسيق مع طهران ثم بعد ذلك قامت باعتقالهم..».
ويبدو أن كاتب الرسالة يعتقد أن بن لادن يملك نفوذا كافيا في إيران للتفاوض حول الإفراج عنهم: «وقد طالبنا بهم مرارا حتى يخرجوا إلى باكستان فلم تستجب طهران لذلك، فعسى أن يتيسر لك السعي في إخراجهم..».
تشير وثائق أخرى إلى وجود صلة بين اعتقال عناصر «القاعدة» في إيران واستياء حكومة طهران من العنف ضد الشيعة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي. ولعل أكثر الوثائق المؤثرة عن «الاعتقال» - التي تتحدث عن احتجاز أهل بن لادن في إيران في الأعوام الأخيرة من حياته - تلك التي تزامنت مع فترة التقارب المكشوف إلى حد ما بين إدارة أوباما ونظام طهران. لم يكن من الصعب على بن لادن أن يلاحظ في الأعوام الثلاثة الأخيرة من حياته غصن الزيتون الذي مده أوباما إلى الملالي في أول «رسالة بمناسبة عيد النوروز» – أو حقيقة أن أوباما لم يعرب عن دعمه لـ«الحركة الخضراء» في إيران في عام 2009.
وهكذا تسللت إلى مراسلات بن لادن الخاصة باعتقال أسرته في إيران في أثناء الفترة ذاتها مشاعر ارتياب متزايدة بشأن نيات النظام تجاه أحبائه. وفي رسالة يرجع تاريخها إلى فبراير (شباط) عام 2011، بعنوان «رسالة إلى أهلي الكرام»، يرد بن لادن على رسالة من أحد أقاربه الذين تم الإفراج عنهم بعد الاعتقال في إيران ووصلوا إلى وزيرستان. يتضح من الرسالة أن زوجته تلقت علاجا للدوخة الشديدة على يد طبيبة إيرانية.
وطلب منها بن لادن الذهاب إلى طبيبة في وزيرستان لتحديد «هل كانت (الأعراض) تستدعي العلاج الذي وصفته طبيبة إيران أم لا؟».
كذلك كان يشعر بالقلق تجاه حشو أسنان وضعته لها طبيبة أسنان إيرانية – فيما يبدو أنه كان يتساءل حول وجود جهاز تنصت أو تعقب مخبأ في الحشوة. (في رسالة منفصلة، أعرب عن قلقه من «زرع شريحة») وتناولت رسالة سبقت الرسالة المذكورة آنفا بعدة أشهر، ويرجع تاريخها إلى 26 سبتمبر عام 2010، عن الشك في الإيرانيين ومسألة زرع شرائح: «قبل تحرك أم حمزة إلينا ينبغي أن تترك أي شيء كان معها من إيران بما في ذلك الكتب والملابس.. كل شيء يدخل فيه مقدار رأس المخيط إذ إنه قد تم تطوير شرائح للتنصت صغيرة جدا تدخل داخل حقن العلاج، وبما أن الإيرانيين غير مؤتمنين فمن الممكن زرع شرائح في بعض المقتنيات التي أحضرتموها معكم».

الخيانة الإيرانية
في الحقيقة يبدو في بعض المراسلات أن بن لادن كان يشعر بالخطر من أن تستغل الحكومة الإيرانية، في النهاية، تواصلها مع تنظيمه وقدرتها في التأثير عليه كمصدر للنفوذ في بعض مفاوضاتها مع الولايات المتحدة. بتاريخ أغسطس عام 2009، كتب بن لادن رسالة مطولة إلى الكاتب والمفكر المتشدد المصري مصطفى حامد وكنيته أبو الوليد المصري، والتي يفند فيها بعض كتابات حامد بشأن طبيعة النظام الإيراني.
يبدو أن بن لادن شعر بالقلق إلى درجة ذكر مواقف الخيانة الإيرانية لعدد من حلفائه المجاهدين السنة - وأبرزهم طالبان - مقابل الحصول على مميزات من الولايات المتحدة.
على سبيل المثال كتب بن لادن عن قصف معاقل طالبان في أفغانستان في فترة ما بعد الغزو الأميركي للبلاد في 11 - 9: «إن الحكومة الإيرانية بعد شهر من القصف المتواصل على معاقل طالبان دون جدوى قدمت للأميركيين خريطة عسكرية للمواقع التي يتعين عليهم التركيز عليها لكسر الخط، وبالفعل لما أخذ الأميركيون بالنصيحة الإيرانية انكسر الخط، كما صرحت بذلك ممثلة الولايات المتحدة في اللجنة المشتركة».
* بالإتفاق مع مجلة {المجلة}



الملاحة عبر هرمز لا تزال عند حدّها الأدنى

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة شاطئ مسندم بعُمان الأربعاء (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة شاطئ مسندم بعُمان الأربعاء (رويترز)
TT

الملاحة عبر هرمز لا تزال عند حدّها الأدنى

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة شاطئ مسندم بعُمان الأربعاء (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة شاطئ مسندم بعُمان الأربعاء (رويترز)

أظهرت بيانات الشحن، الأربعاء، أن ست سفن على الأقل عبرت مضيق هرمز خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، في نسبة ضئيلة من حركة الملاحة المعتادة، بينما لا يزال الخلاف قائماً بين الولايات المتحدة وإيران بشأن التوصل إلى اتفاق يعيد فتح هذا الممر المائي الحيوي.

ووفقاً لبيانات تتبع السفن من شركة «كبلر» وتحليل بيانات الأقمار الاصطناعية من شركة «سينماكس»، جرت معظم حركة السفن عبر المياه الإيرانية، وشملت ناقلة المواد الكيميائية «فاست بلس»، الخاضعة لعقوبات أميركية.

وكانت معظم السفن ناقلات بضائع سائبة جافة. وأفادت «رويترز» بأنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كانت أكثر من ست سفن قد عبرت المضيق، لكن متوسط حركة الملاحة البحرية بلغ نحو سبع سفن يومياً خلال الأيام القليلة الماضية.

ويمثل ذلك نسبة ضئيلة للغاية من التدفق الطبيعي عبر الممر المائي الحيوي الواقع عند مدخل الخليج العربي، الذي كان يتراوح بين 125 و140 عبوراً يومياً قبل بدء الحرب مع إيران في 28 فبراير (شباط).

وحث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إيران، الأربعاء، على «التعقل سريعاً» وتوقيع اتفاق، بعد أيام من الجمود في الجهود الرامية إلى إنهاء الصراع، وبعد تقرير إعلامي أفاد بأن الولايات المتحدة ستمدد حصارها على الموانئ الإيرانية.

وقال مركز المعلومات البحرية المشترك، الذي تقوده البحرية الأميركية، في أحدث تقرير تقييمي له هذا الأسبوع: «رغم وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في الثامن من أبريل (نيسان) 2026، لا تزال حركة المرور التجارية محدودة، مع تقييد العبور واستمرار حالة عدم اليقين بشأن المسارات».

وطرح المسؤولون الإيرانيون اقتراحاً بفرض رسوم على السفن التي تمر عبر المضيق.

وقالت وزارة الخزانة الأميركية، في بيان استشاري، الثلاثاء، إن شركات الشحن التي تدفع أي مبالغ لإيران مقابل المرور عبر مضيق هرمز ستتعرض لعقوبات، حتى لو كانت هذه الشركات غير أميركية.

وأكدت الوزارة أنه لن يُسمح للأميركيين، بما في ذلك المؤسسات المالية الأميركية، أو للكيانات الأجنبية المملوكة أو الخاضعة لسيطرة الولايات المتحدة، بدفع أي مبالغ لحكومة إيران أو «الحرس الثوري»، سواء «بشكل مباشر أو غير مباشر»، مقابل المرور الآمن عبر مضيق هرمز.

وأضافت: «تؤدي هذه المدفوعات أيضاً إلى تعرض غير الأميركيين لعقوبات كبيرة».


ترمب يلوّح بحصار طويل على إيران لدفعها إلى اتفاق

جندي يقف فوق سيارة خلال مظاهرة نظمتها السلطات لدعم المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
جندي يقف فوق سيارة خلال مظاهرة نظمتها السلطات لدعم المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

ترمب يلوّح بحصار طويل على إيران لدفعها إلى اتفاق

جندي يقف فوق سيارة خلال مظاهرة نظمتها السلطات لدعم المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)
جندي يقف فوق سيارة خلال مظاهرة نظمتها السلطات لدعم المرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران الأربعاء (إ.ب.أ)

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنذاراً جديداً إلى طهران، الأربعاء، مطالباً إياها بـ«التعقل سريعاً» وإبرام اتفاق، في وقت يخطط البيت الأبيض لإبقاء الحصار على الموانئ الإيرانية لأشهر، وسط جمود مساعي إنهاء الحرب، واستمرار التوتر حول مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.

وكتب ترمب على منصة «تروث سوشيال» أن إيران «لم تتمكن من تسوية أمورها»، مضيفاً: «إنهم لا يعرفون كيفية توقيع اتفاق غير نووي. من الأفضل لهم أن يتعقلوا سريعاً!»، من دون أن يوضح ما الذي سيتضمنه مثل هذا الاتفاق. وأرفق منشوره بصورة مركبة له وهو يرتدي نظارات داكنة ويحمل سلاحاً آلياً، مع تعليق يقول: «لا مزيد من السيد اللطيف».

يتصدر مضيق هرمز مسار التصعيد بين واشنطن وطهران، بعدما حدّت إيران إلى حد كبير من عبور السفن غير التابعة لها من الخليج العربي عبر الممر الضيق منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط). وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة هذا الشهر فرض حصار على السفن الإيرانية، في محاولة لزيادة الضغط على صادرات النفط والاقتصاد الإيراني.

وأودى الصراع بحياة الآلاف، وألقى بأسواق الطاقة في حالة اضطراب، وعطل طرق التجارة العالمية. وارتفعت أسعار النفط وسط مخاوف من استمرار انقطاع الإمدادات عبر مضيق هرمز، بينما يواجه ترمب ضغوطاً داخلية بسبب ارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبيته في استطلاعات الرأي.

وكان ترمب قد قال في وقت سابق إن طهران يمكنها الاتصال به إذا أرادت التحدث، مشدداً مراراً على أن إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً. وقال: «إذا أرادوا التحدث، فبوسعهم القدوم إلينا أو الاتصال بنا. لدينا هاتف، ولدينا خطوط جيدة وآمنة». وأضاف: «يعرفون ما يجب أن يتضمنه الاتفاق. الأمر بسيط للغاية... لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي، وإلا فلا يوجد سبب للاجتماع».

وخلال مأدبة عشاء رسمية في البيت الأبيض للملك البريطاني تشارلز الثالث، أقحم ترمب ملف إيران في كلمته، قائلاً: «نبذل بعض الجهود في الشرق الأوسط حالياً، ونحقق نتائج جيدة جداً».

وأضاف: «هزمنا هذا الخصم عسكرياً، ولن نسمح له أبداً بامتلاك سلاح نووي». وقال إن الملك تشارلز «يتفق معي في ذلك أكثر مني شخصياً»، فيما لم يتطرق الملك في كلمته اللاحقة إلى إيران أو الحرب.

الحصار استراتيجية

في الأثناء، نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول في البيت الأبيض، الأربعاء، أن ترمب التقى، الثلاثاء، كبار المسؤولين في شركة «شيفرون» وشركات طاقة أخرى، لبحث الخطوات الممكنة لتهدئة أسواق الطاقة إذا استمر الحصار على الموانئ الإيرانية أشهراً.

وأضاف المسؤول أن المحادثات ركزت على إنتاج النفط الأميركي، وعقود النفط الآجلة، والشحن، والغاز الطبيعي. وقال المتحدث باسم «شيفرون» إن الرئيس التنفيذي للشركة مايك ويرث حضر الاجتماع لمناقشة أسواق النفط العالمية التي عصفت بها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران.

وكان موقع «أكسيوس» أول من أورد أن الاجتماع حضره نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخزانة سكوت بيسنت، ورئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر صهر ترمب.

سفن وقوارب في مضيق هرمز قبالة شاطئ مسندم بعُمان الأربعاء (رويترز)

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب أصدر تعليمات لمساعدين بالاستعداد لحصار مطول على موانئ إيران، في محاولة لإجبارها على الاستسلام.

وقالت الصحيفة إن ترمب فضّل الاستمرار في الضغط على اقتصاد إيران وصادراتها النفطية عبر منع الشحن من وإلى موانئها، لأنه يرى أن الخيارات الأخرى، وهي استئناف القصف أو الانسحاب من الصراع، تنطوي على مخاطر أكبر.

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن المسؤولين التنفيذيين في قطاع الطاقة أشادوا بالإجراءات التي اتخذها ترمب «لإطلاق العنان لهيمنة الولايات المتحدة في مجال الطاقة»، وقالوا إن الرئيس «يتخذ جميع الإجراءات السليمة حالياً». ومددت الإدارة الأميركية الأسبوع الماضي إعفاءً من قانون متعلق بالشحن، يعرف باسم «قانون جونز»، لمدة 90 يوماً، للسماح للسفن التي ترفع أعلاماً أجنبية بنقل سلع مثل المنتجات النفطية والأسمدة بين الموانئ الأميركية.

وفعّلت الإدارة هذا الشهر قانون الإنتاج الدفاعي، الذي يخول البنتاغون ووزارة الطاقة اتخاذ إجراءات، تشمل عمليات شراء لدعم قطاع الطاقة المحلي في محاولة لخفض الأسعار للمستهلكين. وقال مسؤول البيت الأبيض إن ترمب يجتمع بانتظام مع مسؤولي شركات الطاقة التنفيذيين لسماع آرائهم بشأن الأسواق المحلية والعالمية.

دبلوماسية متعثرة

جاءت هذه التطورات بعدما قدمت إيران أحدث عرض لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهرين، والمتوقفة منذ الثامن من أبريل (نيسان) بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار. ويقترح العرض الإيراني، وضع مناقشة برنامجها النووي جانباً حتى يتم إنهاء الصراع رسمياً وحل الجوانب المرتبطة بالشحن. لكن هذا الاقتراح لم يلب مطلب ترمب بمناقشة القضية النووية منذ البداية.

وتريد إيران نوعاً من الاعتراف الأميركي بحقها في تخصيب اليورانيوم لما تقول إنها أغراض سلمية ومدنية. ولدى إيران مخزون يبلغ نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة نقاء 60 في المائة، وهي درجة يمكن استخدامها في صنع عدد من الأسلحة النووية إذا خضع ذلك لمزيد من التخصيب.

وقال مسؤولون إيرانيون، الثلاثاء، إن طهران قادرة على الصمود في وجه الحصار لأنها تستخدم طرقاً تجارية بديلة، وإنها لا ترى أن الحرب انتهت.

قوات الأمن الإيرانية خلال مسيرة حكومية دعماً للمرشد الجديد مجتبى خامنئي في طهران (أ.ف.ب)

انحسرت آمال التوصل إلى حل سريع للصراع عندما ألغى ترمب، قبل أيام، زيارة صهره جاريد كوشنر ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف إلى باكستان، التي تضطلع بالوساطة. وكان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد زار إسلام آباد مرتين متتاليتين مطلع الأسبوع، ثم توجه إلى سلطنة عمان، وعاد لفترة وجيزة، قبل أن يغادر إلى روسيا.

وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إن حكومته تواصل جهودها للمساعدة في تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران. وأضاف، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في إسلام آباد، أن «جلسة ماراثونية» عُقدت في العاصمة خلال جولة أولية من المحادثات المباشرة بين الجانبين في 11 أبريل، مما أدى إلى إحراز تقدم بشأن وقف إطلاق النار الذي لا يزال سارياً.

وقال شريف إن عراقجي زار باكستان خلال عطلة نهاية الأسبوع أثناء وقف إطلاق النار، حيث جرت جولة أخرى مطولة من المحادثات بين إيران وباكستان. وأضاف أن عراقجي تحدث إليه هاتفياً قبل مغادرته إلى موسكو، و«أكد لي أنه بعد التشاور مع قيادته سيرد في أقرب وقت ممكن»، من دون أن يحدد ما الذي سيرد عليه الوزير الإيراني.

في موازاة ذلك، أجرى عراقجي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار، بحثا خلاله آخر التطورات المرتبطة بوقف إطلاق النار، والعلاقات الثنائية، والتطورات الإقليمية والدولية.

جبهة الداخل

زاد دور «الحرس الثوري» في إدارة الحرب والتفاوض، بعدما لم يعد لدى إيران حاكم واحد غير منازع على قمة السلطة، عقب مقتل عدد من الشخصيات السياسية والعسكرية الإيرانية الكبيرة في الغارات الأميركية - الإسرائيلية، وبينهم المرشد علي خامنئي، وفق تحليل جديد نشرته «رويترز» الثلاثاء.

وقال مسؤولون إيرانيون ومحللون للوكالة إن مقتل المرشد في أول أيام الحرب، وتعيين نجله مجتبى خلفاً له، منح مزيداً من السلطة لقادة «الحرس الثوري»، وهم من المحافظين المتشددين. ويرى هؤلاء أن هذا التحول قد يؤدي إلى تصلب موقف طهران التفاوضي، في وقت يواجه فيه ترمب ضغوطاً داخلية لإنهاء حرب، قدّم للرأي العام الأميركي مبررات متباينة بشأنها.

وفي مواجهة الحديث الأميركي عن انقسام داخل القيادة الإيرانية، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف قوله، في رسالة صوتية إلى الإيرانيين، إن المسؤولين العسكريين والسياسيين يمضون في إدارة الملفات «بوحدة كاملة» حول أوامر المرشد الإيراني، متهماً الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالسعي إلى دفع إيران نحو الاستسلام عبر «الخلاف الداخلي والحصار البحري».

وقال قاليباف إن «العدو» كان يسعى، منذ اليوم الأول، إلى إنهاء وضع النظام خلال ثلاثة أيام عبر اغتيال المرشد وقادة عسكريين، لكنه «فشل». وأضاف أن «العدو» اتجه بعد ذلك إلى ما وصفه بـ«فنزلة إيران»، لكنه فشل مرة أخرى.

جنود من الجيش الإيراني يقفون أمام صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مسيرة حكومية في طهران (أ.ف.ب)

وتابع قاليباف أن «العدو» كان يريد إدخال قوات إلى البلاد، وجرّب هذا المخطط في أصفهان، لكنه تحول إلى ما وصفه بـ«فضيحة طبس 2». وقال أيضاً إن محاولات تفعيل جماعات انفصالية في غرب البلاد فشلت «بفضل الله وجهود القوات العسكرية والاستخبارية».

وأضاف قاليباف أن «العدو دخل مرحلة جديدة»، ويسعى عبر الحصار البحري والحملات الإعلامية إلى تفعيل الضغط الاقتصادي وإثارة الخلافات داخل البلاد، بهدف إضعاف إيران من الداخل أو حتى دفعها إلى الانهيار.

وقال إن ترمب «يقسم البلاد صراحة إلى متشددين ومعتدلين»، ثم يتحدث مباشرة عن الحصار البحري، بهدف إجبار إيران على الاستسلام عبر الضغط الاقتصادي والانقسام الداخلي.

وعد قاليباف أن مواجهة ما وصفه بـ«المؤامرة الجديدة» لا تكون إلا عبر «حفظ الانسجام»، مضيفاً أن أي خطوة تؤدي إلى إثارة الخلاف «تقع تماماً ضمن خطة العدو الجديدة».

وقال قاليباف: «بصفتي شخصاً في وسط الميدان، أقول للشعب الإيراني إننا جميعاً تابعون لأمر قائد البلاد»، مضيفاً أن «خير الدنيا والآخرة» يكمن في اتباع أوامره.

وأكد أن المسؤولين العسكريين والسياسيين يعملون «بوحدة كاملة» في إدارة الملفات، قائلاً إن «محور وحدتنا هو أوامر المرشد».

تهديدات المضايق

في طهران، نقلت شبكة «برس تي في» عن مصدر أمني إيراني رفيع المستوى قوله إن ما وصفه بـ«القرصنة والعدوانية البحرية» المستمرة للولايات المتحدة سيواجه «رداً عملياً وغير مسبوق». وأضاف المصدر أن القوات المسلحة الإيرانية ترى أن «للصبر حدوداً»، وأن استمرار واشنطن في حصارها يجعل «الرد المؤلم ضرورياً».

وقال المصدر إن إيران تمكنت، بفضل «صمود شعبها وقواتها المسلحة وقيادة قائد الثورة»، من تحييد وإفشال جميع الخيارات الأميركية. وأضاف أن ضبط النفس الذي أبدته القوات المسلحة كان يهدف إلى إتاحة الفرصة للدبلوماسية، ومنح واشنطن مهلة لاستيعاب الشروط الإيرانية.

ووجّه المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرفاني، رسالة إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، دعا فيها إلى «إدانة» الإجراءات الأميركية بشدة في الاستيلاء على السفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط، مطالباً بالإفراج الفوري عنها.

ووصف إيرفاني الاستيلاء على السفن الإيرانية أو إعادتها بأنه «قرصنة»، وعدّ هذه الإجراءات الأميركية «قرصنة في المياه الدولية». وأكد في رسالته أن «لجمهورية إيران الإسلامية الحق الكامل، بموجب القانون الدولي، في مواجهة هذه الأعمال الوقحة».

إيرانيون يقفون أمام مكتب صرافة مع انخفاض قيمة الريال الإيراني في طهران (رويترز)

وقال نائب رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني علاء الدين بروجردي إن إيران «صاحبة اليد العليا» في المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مضيفاً أن المحللين الأميركيين والأوروبيين والعالميين يعرفون ذلك، وينبهون ترمب إلى أنه «هُزم في هذه الحرب»، وألا يجعل وضع الولايات المتحدة أسوأ اقتصادياً ومن حيث المكانة.

ووصف بروجردي الحصار البحري بأنه «حركة سلبية لا قيمة لها»، قائلاً إن نحو 120 سفينة تنتظر على الجانب الآخر من مضيق هرمز للعبور، وإن كثيراً من السفن الإيرانية تواصل العبور، ولم تجرؤ القوات الأميركية على التعرض لها، على حد قوله.

وأضاف أن القوات المسلحة الإيرانية قادرة «بكل سهولة»، في مواجهة أي «قرصنة بحرية أميركية»، على احتجاز سفن الدول المعادية ونقلها إلى السواحل الإيرانية. وقال إن «حيلة ترمب» ليست سوى «حركة يائسة وعديمة التأثير».

وأكد بروجردي أن إيران «ما زالت تمتلك اليد العليا»، مضيفاً: «لم نكشف بعد عن أوراقنا الجديدة». وقال إن أهمية باب المندب لا تقل عن أهمية مضيق هرمز، وإن «اليمنيين ينتظرون إغلاق هذا المضيق وتوجيه ضربة أخرى إلى الولايات المتحدة».

وقال المتحدث باسم الجيش الإيراني، الأمير أكرمي نيا للتلفزيون الرسمي إن غرب مضيق هرمز يخضع لسيطرة «الحرس الثوري»، بينما يخضع شرقه لسيطرة الجيش، في تنسيق كامل بين الجانبين.

وقال المتحدث إن «العدو لم يجد الجرأة لشن هجوم بري على إيران»، مضيفاً أنه رغم التهديدات المتكررة، لم يتمكن العدو طوال فترة الحرب من تنفيذ هجوم بري. وعدّ الجاهزية العالية للقوة البرية في الجيش، والأداء المشترك مع «الحرس الثوري»، عاملين رئيسيين في هذا الردع.

وأضاف أكرمي‌ نيا أن التقديرات الاستخباراتية توقعت مسبقاً احتمال شن العدو هجوماً عسكرياً، وأن جميع الوحدات كانت في حالة جاهزية كاملة. وقال إن القوات البرية انتشرت في نقاط مختلفة من البلاد، وكانت مستعدة لمواجهة أي تهديد.

وقال المتحدث باسم الجيش إن وحدات الجيش ردت سريعاً واستهدفت «طائرة أميركية معادية»، عادّاً أن هذا الإجراء أدى إلى إفشال عملية «العدو».


«البنتاغون»: تكاليف حرب إيران 25 مليار دولار حتى الآن

جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون»: تكاليف حرب إيران 25 مليار دولار حتى الآن

جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)
جولز هيرست خلال جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي الأربعاء (أ.ف.ب)

قال وكيل وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) للشؤون المالية بالإنابة جولز هيرست، اليوم الأربعاء، أمام جلسة استماع بمجلس النواب الأميركي، إن التكلفة التقديرية للحرب مع إيران تبلغ 25 مليار دولار، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأوضح هيرست أنه تم إنفاق معظم تلك الأموال على الذخائر. وأنفق الجيش أيضاً أموالاً على إدارة العمليات واستبدال المعدات.

ويبدو أن إيران والولايات المتحدة عالقتان في حالة جمود، حيث من غير المرجح أن يقبل ترمب العرض الأخير من طهران لإعادة فتح المضيق إذا أنهت الولايات المتحدة الحرب ورفعت الحصار البحري وأرجأت المحادثات النووية.

وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران يوم 28 فبراير (شباط)، دون موافقة من الكونغرس.

وفشل الديمقراطيون في مجلسي النواب والشيوخ في تمرير عدة قرارات تتعلق بصلاحيات الحرب، والتي كان من شأنها أن تلزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بوقف القتال إلى حين حصوله على تفويض من الكونغرس لمواصلة أي إجراءات إضافية.