«كريستيز» تحتفل بمرور 250 عامًا على إنشائها.. بعرض «معالم الفن البريطاني»

ديفيد لينلي رئيس مجلس إدارة الدار: المزايدة على القطع الفنية تجمع عناصر الدراما والعاطفة

«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر
«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر
TT

«كريستيز» تحتفل بمرور 250 عامًا على إنشائها.. بعرض «معالم الفن البريطاني»

«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر
«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر

في عام 1755 فتح البريطاني جيمس كريستي أبواب صالة المزاد التي تحمل اسمه في منطقة سانت جيمس بلندن، وهذا الشهر تحتفل الدار بمرور 250 عاما حفلت بالفن وتقيم معرضا ومزادا استثنائيين يضمان أعمال لأشهر الفنانين البريطانيين.
بالمناسبة التقيت مع ديفيد لينلي رئيس مجلس إدارة الدار الفخري ونيك أورشارد مدير قسم الفن البريطاني المعاصر في الدار. خلال جلسة امتدت لأكثر من ساعة تناول الحديث التغيرات التي شهدتها كريستيز وآليات عمل الخبراء هناك إلى جانب التطورات التاريخية في عمل الخبراء وآلية عقد المزادات.
بداية الحديث يشير ديفيد لينلي، وهو أيضا خبير في صناعة المفروشات، إلى أهمية الجانب التعليمي في نشاط الدار من خلال الدورات والمحاضرات التي يلقيها خبراء وأكاديميون عالميون. يشير إلى تطور ثقافة الاقتناء والمزايدة في منطقة الخليج العربي، ويضيف: «كمراقب وسفير لكريستيز ألاحظ تغييرا كبيرا في الذائقة الفنية هناك وأيضا زيادة لافتة في المعرفة، عندما زرت دبي للمرة الأولى لم تكن فكرة المزادات الفنية منتشرة ولكن الآن وبعد عشر سنوات على فتح فرع لنا هناك أرى أن الأمور تغيرت كثيرا، وقد حققنا الكثير عبر البرامج التعليمية، فنحن نقدم المعرفة لأناس قد يتحولون لمقتنين». يضرب لينلي المثل بنفسه قائلا إنه تعلم أصول حرفة المفروشات مع صديق «كان يأخذني معه فجرا لنزور محال الأنتيكات في شارع (بورتيبيلو رود) وندرسها مستخدمين الكشافات». يتدخل نيك أورشارد في الحديث مضيفا: «بالفعل تكتشف أن دراستك لتاريخ الفن لسنوات طويلة لا تكفي فهناك الجانب العملي الذي نعمل على صقله أيضا».
تقدير قيمة القطع الفنية
الخبرة التي يكتسبها دارس الفن في دار المزادات تمنحه القدرة على تقدير قيمة وسعر اللوحات والأعمال الفنية وهو ما يمارسه أورشارد ولينلي، وهنا يتحول الحديث للقيمة المادية للقطعة الفنية، ما الذي يحرك سعر قطعة ما صعودا وهبوطا إلى جانب المناخ الاقتصادي؟ يقول لينلي: «أعتقد أن الأمر يتعلق بالذائقة وبالتوقيت الذي تظهر فيه القطعة في السوق الفني وأيضا تاريخها». يوضح نقطة أخرى وهي شراء القطع الثمينة من منطلق الاستثمار والادخار.
أورشارد يأخذ الحديث لاتجاه آخر، مشيرا إلى وجود عوامل مختلفة تحدد القيمة المالية للقطعة الفنية: «إذا نظرنا إلى لوحة على سبيل المثال، نبحث أولا عن سمعة الفنان وتاريخه الفني وأعماله المميزة والتي تخصص فيها وتعتبر «بصمة» خاصة به، هناك أيضا المرحلة التي أنجز فيها اللوحة، إذا كانت من فترة أنجز فيها الفنان أفضل لوحاته، وأخيرا ننظر لتاريخ اللوحة وسلسلة المقتنين لها. نضع في الحسبان أيضا المقاس والوسيلة الفنية المستخدمة فمثلا اللوحات المرسومة بالألوان الزيتية تعد أكثر قيمة من تلك المنفذة بالألوان المائية إلا إذا كان الفنان مشهورا بها. إذا جمعنا كل تلك العناصر وأضفنا لها خبرتنا بالأسواق وعبر التناقش مع الزملاء نصل للقيمة المعلنة».
يؤكد على نقطة مهمة وهي أن القيمة النهائية يحددها الجمهور في صالة المزاد، ويضرب مثلا بتمثال «الرجل السائر» للمثال جياكوميتي الذي بيع بسعر 65 مليون جنيه إسترليني في عام 2010: «كان هناك شخصان يزايدان بإصرار في الصالة حتى ارتفع السعر بشكل مدهش لأن الناس تعرف بأن تلك القطعة الاستثنائية لن تظهر في السوق مرة أخرى قبل 20 أو 30 عاما ولهذا كان يجب اغتنام الفرصة». يشارك ديفيد لينلي بالإشارة إلى قطعة استثنائية أخرى حققت سعرا عاليا: «أعتقد أن عرض قطعة في المزاد أمام الراغبين في الشراء هو ما يجعل العملية كلها مختلفة عن بيعها على سبيل المثال عبر أحد المنشئات التجارية، فالفن بطبعه يعتمد على العاطفة ووجود قطعة فنية في غرفة المزاد يضيف عناصر من الدراما والعاطفة. أذكر عندما باعت الدار ماسة زرقاء، استغرقت المزايدة 25 دقيقة فيما تسمر الجمهور في الصالة متابعين مزايدتان على اليمين واليسار بين شخص على الهاتف وآخر بالصالة وتتابع صعود السعر، كان المزايد على الهاتف يزايد بمليون جنيه والآخر يزايد بـ200 ألف جنيه حتى وصل السعر النهائي لأكثر من 57 مليون جنيه إسترليني».
المزاد والدراما ودور الدلال
هنا أتساءل عن دور «الدلال» أو القائم على المزاد، هل تغير عبر السنين خاصة مع دخول المزايدة الإلكترونية والهاتفية على الخط؟ يقول أورشارد: «أعمل كدلال أيضا وأرى أن أبرز فترة في عمل دلال المزاد كانت في القرن العشرين من الخمسينات وحتى السبعينات. الآن يزايد الناس عبر الهاتف وعبر الموقع الإلكتروني، ولهذا لا نرى الدراما المعتادة في الصالة والتي كان يتحكم فيها الدلال. لم يعد هو مركز الحركة في الصالة يمسك بيده خيوط المزايدة ويحركها كما لو كانت مسرحية درامية فلديك الجمهور وأمامه الدلال. الآن أمامه خيارات محددة وحركة مقيدة، فجمهوره بعضهم يطالع المزاد من خلال شاشة أو يتابع على الهاتف».
مزاد «معالم الفن البريطاني»
بالمناسبة تقيم كريستيز مزادا ومعرضا، المزاد يقام في مقر الدار بلندن، يحدثنا أورشارد عنه: «في نهاية العام الماضي بدأنا المناقشة حول ما يمكن أن نفعله للاحتفال ب250 عاما على إنشاء الدار، كانت هناك الكثير من الأفكار وفي النهاية قرر يوسي بيلكانان رئيس كريستيز العالمية أن تحتضن لندن الاحتفال، فالبداية كانت منها، ويجب الاحتفال بالجانب البريطاني من الدار ولهذا قررنا أن ننظم مزادا لأفضل الأعمال الفنية البريطانية ومعرضا لأفضل الأعمال المحلية التي باعتها الدار خلال 250 عاما وسوف تجدي بعض الأسماء المشتركة ما بين المزاد والمعرض. كان الأمر رائعا أن نتحدث لعملائنا حول القطع التي يقتنونها. المعرض لن يكون ضخما، جمعنا فيه 30 قطعا متحفية لفنانين كبار نكون صورة من خلالها لتطور الفن في البلاد، ليس المطلوب أن نقدم رصدا تاريخيا ولكنننا نقدم من خلاله نظرة على هذا الفن».
ينطلق المعرض والمزاد يوم غد الخميس وسيستمر المعرض لمدة شهر، بينما يقام المزاد يوم 30 من هذا الشهر.
يضم المزاد 30 قطعة أيضا، تضم أعمالا لعمالقة الفن البريطاني مثل كونستابل وبيكون وهنري مور ولوسيان فرويد وغيرهم من الفنانين من القرون 18 - 20.
وحسب تعليق بيلكانان: «المزاد سيكون الأول من نوعه إذ يغطي أربعة قرون من الفن البريطاني من أعمال السير جوشوا رينولدز وصولا لفريدريك لورد ليتون ولوسيان فرويد».
لوحة «الساعات الذهبية» (1864) لفريدريك لورد ليتون تظهر في المزاد للمرة الأولى منذ 100 عام وتعبر عن الجمال والشباب والحب. أما لوحة جوشوا رينولد «بورتريه لوسي لونغ، مسز جورج هارينغ» فتعرض في المزاد للمرة الأولى وهي تعد من أعمال الفنان الشهيرة.
يشير أورشارد إلى أن المناقشات كانت حامية حول أسلوب العرض هل يكون أبجديا أم زمنيا أم بالموضوع أم حسب القيمة: «في كل الأحوال نحاول أن نبرز الاستمرارية ما بين المعرض والمزاد فكلاهما يدور حول معالم الفن البريطاني، وهناك ما يرضي كل الأذواق». الإعداد للحدثين تطلب تعاونا ما بين كل الأقسام في كريستيز «وهذا هو الأصعب فكل قسم معتاد على تنظيم مزاداته مستقلا، ولمنهم هنا عملوا سويا».
معرض «معالم الفن البريطاني: أعمال مستعارة»
سيشاهد زوار المعرض روائع خالدة لفنانين بريطانيين منها على سبيل المثال لوحة Portrait of King Henry VIII لهانس هولباين التي بيعت في مزاد نظمته كريستيز عام 1788.
ومن بين الروائع التي يتضمنها المعرض الفريد من نوعه لوحة Monarch of the Glenللسير إدوين لاندسير؛ ولوحة Proserpine لدانتي جابرييل روزيتي؛ ولوحة Huntsmen setting out from Southill لجورج ستابز، ولوحة Fun Fair at Daisy Nook للورانس ستيفن لوري، وجميع هذه اللوحات بيعت في مزادات عقدتها كريستيز على مدى الـ250 عامًا الماضية. وإلى جانب أعمال أعلام الفن البريطاني، يتضمن معرض «معالم الفن البريطاني: أعمال مستعارة» لوحات لفنانين عالميين مستلهمة من زياراتهم إلى بريطانيا عبر السنين، ومنها لوحة The Old Horse Guards from St James›s Park للرسام الإيطالي الشهير كاناليتو.
الجانب الخفي في عملية الإعداد للمعرض هو أصحاب اللوحات الفنية الذين أعاروها للدار لعرضها، وفي هذا الصدد، قال أورلاندو روك، رئيس كريستيز المملكة المتحدة: «ما كان هذا المعرض لينعقد لولا شغف وسخاء المقتنين أصحاب اللوحات المستعارة، من مؤسسات وشخصيات، الذين تكرموا بإعارتنا هذه الأعمال الخالدة لعرضها ضمن هذا المعرض الفريد الممتد لشهر كامل».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».