في عام 1755 فتح البريطاني جيمس كريستي أبواب صالة المزاد التي تحمل اسمه في منطقة سانت جيمس بلندن، وهذا الشهر تحتفل الدار بمرور 250 عاما حفلت بالفن وتقيم معرضا ومزادا استثنائيين يضمان أعمال لأشهر الفنانين البريطانيين.
بالمناسبة التقيت مع ديفيد لينلي رئيس مجلس إدارة الدار الفخري ونيك أورشارد مدير قسم الفن البريطاني المعاصر في الدار. خلال جلسة امتدت لأكثر من ساعة تناول الحديث التغيرات التي شهدتها كريستيز وآليات عمل الخبراء هناك إلى جانب التطورات التاريخية في عمل الخبراء وآلية عقد المزادات.
بداية الحديث يشير ديفيد لينلي، وهو أيضا خبير في صناعة المفروشات، إلى أهمية الجانب التعليمي في نشاط الدار من خلال الدورات والمحاضرات التي يلقيها خبراء وأكاديميون عالميون. يشير إلى تطور ثقافة الاقتناء والمزايدة في منطقة الخليج العربي، ويضيف: «كمراقب وسفير لكريستيز ألاحظ تغييرا كبيرا في الذائقة الفنية هناك وأيضا زيادة لافتة في المعرفة، عندما زرت دبي للمرة الأولى لم تكن فكرة المزادات الفنية منتشرة ولكن الآن وبعد عشر سنوات على فتح فرع لنا هناك أرى أن الأمور تغيرت كثيرا، وقد حققنا الكثير عبر البرامج التعليمية، فنحن نقدم المعرفة لأناس قد يتحولون لمقتنين». يضرب لينلي المثل بنفسه قائلا إنه تعلم أصول حرفة المفروشات مع صديق «كان يأخذني معه فجرا لنزور محال الأنتيكات في شارع (بورتيبيلو رود) وندرسها مستخدمين الكشافات». يتدخل نيك أورشارد في الحديث مضيفا: «بالفعل تكتشف أن دراستك لتاريخ الفن لسنوات طويلة لا تكفي فهناك الجانب العملي الذي نعمل على صقله أيضا».
تقدير قيمة القطع الفنية
الخبرة التي يكتسبها دارس الفن في دار المزادات تمنحه القدرة على تقدير قيمة وسعر اللوحات والأعمال الفنية وهو ما يمارسه أورشارد ولينلي، وهنا يتحول الحديث للقيمة المادية للقطعة الفنية، ما الذي يحرك سعر قطعة ما صعودا وهبوطا إلى جانب المناخ الاقتصادي؟ يقول لينلي: «أعتقد أن الأمر يتعلق بالذائقة وبالتوقيت الذي تظهر فيه القطعة في السوق الفني وأيضا تاريخها». يوضح نقطة أخرى وهي شراء القطع الثمينة من منطلق الاستثمار والادخار.
أورشارد يأخذ الحديث لاتجاه آخر، مشيرا إلى وجود عوامل مختلفة تحدد القيمة المالية للقطعة الفنية: «إذا نظرنا إلى لوحة على سبيل المثال، نبحث أولا عن سمعة الفنان وتاريخه الفني وأعماله المميزة والتي تخصص فيها وتعتبر «بصمة» خاصة به، هناك أيضا المرحلة التي أنجز فيها اللوحة، إذا كانت من فترة أنجز فيها الفنان أفضل لوحاته، وأخيرا ننظر لتاريخ اللوحة وسلسلة المقتنين لها. نضع في الحسبان أيضا المقاس والوسيلة الفنية المستخدمة فمثلا اللوحات المرسومة بالألوان الزيتية تعد أكثر قيمة من تلك المنفذة بالألوان المائية إلا إذا كان الفنان مشهورا بها. إذا جمعنا كل تلك العناصر وأضفنا لها خبرتنا بالأسواق وعبر التناقش مع الزملاء نصل للقيمة المعلنة».
يؤكد على نقطة مهمة وهي أن القيمة النهائية يحددها الجمهور في صالة المزاد، ويضرب مثلا بتمثال «الرجل السائر» للمثال جياكوميتي الذي بيع بسعر 65 مليون جنيه إسترليني في عام 2010: «كان هناك شخصان يزايدان بإصرار في الصالة حتى ارتفع السعر بشكل مدهش لأن الناس تعرف بأن تلك القطعة الاستثنائية لن تظهر في السوق مرة أخرى قبل 20 أو 30 عاما ولهذا كان يجب اغتنام الفرصة». يشارك ديفيد لينلي بالإشارة إلى قطعة استثنائية أخرى حققت سعرا عاليا: «أعتقد أن عرض قطعة في المزاد أمام الراغبين في الشراء هو ما يجعل العملية كلها مختلفة عن بيعها على سبيل المثال عبر أحد المنشئات التجارية، فالفن بطبعه يعتمد على العاطفة ووجود قطعة فنية في غرفة المزاد يضيف عناصر من الدراما والعاطفة. أذكر عندما باعت الدار ماسة زرقاء، استغرقت المزايدة 25 دقيقة فيما تسمر الجمهور في الصالة متابعين مزايدتان على اليمين واليسار بين شخص على الهاتف وآخر بالصالة وتتابع صعود السعر، كان المزايد على الهاتف يزايد بمليون جنيه والآخر يزايد بـ200 ألف جنيه حتى وصل السعر النهائي لأكثر من 57 مليون جنيه إسترليني».
المزاد والدراما ودور الدلال
هنا أتساءل عن دور «الدلال» أو القائم على المزاد، هل تغير عبر السنين خاصة مع دخول المزايدة الإلكترونية والهاتفية على الخط؟ يقول أورشارد: «أعمل كدلال أيضا وأرى أن أبرز فترة في عمل دلال المزاد كانت في القرن العشرين من الخمسينات وحتى السبعينات. الآن يزايد الناس عبر الهاتف وعبر الموقع الإلكتروني، ولهذا لا نرى الدراما المعتادة في الصالة والتي كان يتحكم فيها الدلال. لم يعد هو مركز الحركة في الصالة يمسك بيده خيوط المزايدة ويحركها كما لو كانت مسرحية درامية فلديك الجمهور وأمامه الدلال. الآن أمامه خيارات محددة وحركة مقيدة، فجمهوره بعضهم يطالع المزاد من خلال شاشة أو يتابع على الهاتف».
مزاد «معالم الفن البريطاني»
بالمناسبة تقيم كريستيز مزادا ومعرضا، المزاد يقام في مقر الدار بلندن، يحدثنا أورشارد عنه: «في نهاية العام الماضي بدأنا المناقشة حول ما يمكن أن نفعله للاحتفال ب250 عاما على إنشاء الدار، كانت هناك الكثير من الأفكار وفي النهاية قرر يوسي بيلكانان رئيس كريستيز العالمية أن تحتضن لندن الاحتفال، فالبداية كانت منها، ويجب الاحتفال بالجانب البريطاني من الدار ولهذا قررنا أن ننظم مزادا لأفضل الأعمال الفنية البريطانية ومعرضا لأفضل الأعمال المحلية التي باعتها الدار خلال 250 عاما وسوف تجدي بعض الأسماء المشتركة ما بين المزاد والمعرض. كان الأمر رائعا أن نتحدث لعملائنا حول القطع التي يقتنونها. المعرض لن يكون ضخما، جمعنا فيه 30 قطعا متحفية لفنانين كبار نكون صورة من خلالها لتطور الفن في البلاد، ليس المطلوب أن نقدم رصدا تاريخيا ولكنننا نقدم من خلاله نظرة على هذا الفن».
ينطلق المعرض والمزاد يوم غد الخميس وسيستمر المعرض لمدة شهر، بينما يقام المزاد يوم 30 من هذا الشهر.
يضم المزاد 30 قطعة أيضا، تضم أعمالا لعمالقة الفن البريطاني مثل كونستابل وبيكون وهنري مور ولوسيان فرويد وغيرهم من الفنانين من القرون 18 - 20.
وحسب تعليق بيلكانان: «المزاد سيكون الأول من نوعه إذ يغطي أربعة قرون من الفن البريطاني من أعمال السير جوشوا رينولدز وصولا لفريدريك لورد ليتون ولوسيان فرويد».
لوحة «الساعات الذهبية» (1864) لفريدريك لورد ليتون تظهر في المزاد للمرة الأولى منذ 100 عام وتعبر عن الجمال والشباب والحب. أما لوحة جوشوا رينولد «بورتريه لوسي لونغ، مسز جورج هارينغ» فتعرض في المزاد للمرة الأولى وهي تعد من أعمال الفنان الشهيرة.
يشير أورشارد إلى أن المناقشات كانت حامية حول أسلوب العرض هل يكون أبجديا أم زمنيا أم بالموضوع أم حسب القيمة: «في كل الأحوال نحاول أن نبرز الاستمرارية ما بين المعرض والمزاد فكلاهما يدور حول معالم الفن البريطاني، وهناك ما يرضي كل الأذواق». الإعداد للحدثين تطلب تعاونا ما بين كل الأقسام في كريستيز «وهذا هو الأصعب فكل قسم معتاد على تنظيم مزاداته مستقلا، ولمنهم هنا عملوا سويا».
معرض «معالم الفن البريطاني: أعمال مستعارة»
سيشاهد زوار المعرض روائع خالدة لفنانين بريطانيين منها على سبيل المثال لوحة Portrait of King Henry VIII لهانس هولباين التي بيعت في مزاد نظمته كريستيز عام 1788.
ومن بين الروائع التي يتضمنها المعرض الفريد من نوعه لوحة Monarch of the Glenللسير إدوين لاندسير؛ ولوحة Proserpine لدانتي جابرييل روزيتي؛ ولوحة Huntsmen setting out from Southill لجورج ستابز، ولوحة Fun Fair at Daisy Nook للورانس ستيفن لوري، وجميع هذه اللوحات بيعت في مزادات عقدتها كريستيز على مدى الـ250 عامًا الماضية. وإلى جانب أعمال أعلام الفن البريطاني، يتضمن معرض «معالم الفن البريطاني: أعمال مستعارة» لوحات لفنانين عالميين مستلهمة من زياراتهم إلى بريطانيا عبر السنين، ومنها لوحة The Old Horse Guards from St James›s Park للرسام الإيطالي الشهير كاناليتو.
الجانب الخفي في عملية الإعداد للمعرض هو أصحاب اللوحات الفنية الذين أعاروها للدار لعرضها، وفي هذا الصدد، قال أورلاندو روك، رئيس كريستيز المملكة المتحدة: «ما كان هذا المعرض لينعقد لولا شغف وسخاء المقتنين أصحاب اللوحات المستعارة، من مؤسسات وشخصيات، الذين تكرموا بإعارتنا هذه الأعمال الخالدة لعرضها ضمن هذا المعرض الفريد الممتد لشهر كامل».
«كريستيز» تحتفل بمرور 250 عامًا على إنشائها.. بعرض «معالم الفن البريطاني»
ديفيد لينلي رئيس مجلس إدارة الدار: المزايدة على القطع الفنية تجمع عناصر الدراما والعاطفة
«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر
«كريستيز» تحتفل بمرور 250 عامًا على إنشائها.. بعرض «معالم الفن البريطاني»
«الكراج» لستانلي سبنسر من مقتنيات مؤسسة أندرو لويد ويبر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

