المستشرقة بربارا ميخالاك بيكوسيا: مشروعي تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الإنجليزية

ألفت كتبا عن الأدب الكويتي والإماراتي والعماني والبحريني وتطمح لتأليف كتب أخرى عن الأدب القطري والسعودي

المستشرقة بربارا ميخالاك بيكوسيا: مشروعي تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الإنجليزية
TT

المستشرقة بربارا ميخالاك بيكوسيا: مشروعي تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الإنجليزية

المستشرقة بربارا ميخالاك بيكوسيا: مشروعي تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الإنجليزية

* لدي سلسلة من الكتب واظبت على تأليفها منذ عشرين عاما عن الأدب الخليجي. وأحرص في هذه الكتب على أن أنقل للقارئ الأوروبي البيئة الثقافية للبلد الذي أكتب عنه، سواء صحافته أو شعره بشقيه العمودي والتفعيلة ونماذج من قصيدة النثر، وبعد ذلك أخصص جزءا للقصة والرواية

* حركة الترجمة من العربية إلى البولندية بدأت من خلال اللغة الإنجليزية. لا تزال هذه الترجمة ضعيفة حتى الآن. وما زلنا نترجم لبعض المشاهير أي إننا لا نترجم أدب الأجيال الشابة، وهذا نقص كبير نعاني منه. فقد حصل الانقطاع عن الآداب العربية مع بولندا الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية

تحمل المستشرقة البولونية بربارا ميخالاك بيكوسيا مشروعا طموحا وهو تقديم الأدب الخليجي الحديث إلى قراء الإنجليزية لأنها الأوسع انتشارا، ومن أجل ذلك أصدرت كتابين عن الشعر والنثر الحديثين في الإمارات، وكتابا عن الأدب الإماراتي الحديث. وسبق لها أن أصدرت كتبا أخرى عن الأدب الحديث في الكويت وعمان والبحرين وتريد أن تستكمل تأليف كتب أخرى عن الأدب في قطر والمملكة العربية السعودية. هنا لقاء معها عن سبب اهتمامها بالثقافة العربية، وخصوصا بالنتاج الخليجي، والترجمة عن العربية، ومشاريعها في هذا المجال:

* كيف توجهت إلى تعلم اللغة العربية ومن ثم الترجمة منها؟
- كان المشجع لي في تعلم اللغة العربية هو الرجل الذي تعرفت عليه في الكويت وأصبح فيما بعد زوجي. ومن ثم شجعني على دراسة الأدب الخليجي، وخصوصا عندما حصل لي على بعض المنح لتحقيق هذا الطموح بفضل عمله في وزارة التعليم العالي في بولندا. بدأت دراستي في الجامعة في ثمانينات القرن الماضي. وكان تعلم اللغة الروسية إجباريا أثناء الحكم الاشتراكي. وعن طريق الصدفة، كانت لي صديقة تزوجت بدكتور إنجليزي، فذهبت لزيارتها في إنجلترا، وهناك كنت أفكر في الدراسة، وكنت حائرة. أردت أن أدرس اللغة الإنجليزية، لكن زوجي قال لي «ادرسي شيئا يكون له مستقبل». ونظر من النافذة، فرأى لوحة مكتوب عليها «قسم الاستشراق» في الجامعة، فقال لي: «ادرسي الاستشراق»، فذهبت لرؤية البروفسور صبري حافظ ودرست على يديه. وبعد عودتي إلى بلدي، دخلت جامعة ياجيلونسكي في كراكوف، وسألت عن قسم اللغة العربية، ومن ثم عملت فيه إلى أن أصبحت رئيسة لهذا القسم. وتتميز هذه الجامعة بعراقتها حيث تأسست في عام 1364 أي منذ أكثر من 600 عام. أما قسم اللغة العربية فيها فقد تأسس في عام 1919.
* الكتاب الجديد الصادر لك الآن هو عن الأدب الإماراتي، لماذا هذا الأدب بالتحديد، ولماذا قمت بتأليفه باللغة الإنجليزية وليس البولندية؟
- زرت الإمارات في عام 2010 حيث دعيت من وزارة الثقافة الإماراتية وأمضيت أسبوعين لجمع الوثائق واللقاء مع الكتّاب، وتم نشر كتابي في 2013. لا أستطيع أن أقدم بانوراما عن الأدب الإماراتي، لذلك اقتصر كتابي على الأدب الحديث، ومن خلال الأدباء الذين التقيت بهم وتعرفت على أعمالهم. وكتابي الحالي عن الأدب الإماراتي يجمع بين البحث الأكاديمي والكتاب التعريفي. واستبعدت منهم من لم أقرا له، إذ لا يمكن أن أكتب عن جميع الأدباء الإماراتيين. والكتاب جديد في أوروبا. ألفت الكتاب باللغة الإنجليزية من أجل جعله ينتشر بشكل واسع، ويمكن بيعه على موقع «أمازون». وتم استقبال الكتاب بصورة جيدة، وألقيت محاضرات كثيرة عنه في أووربا وخاصة في سويسرا. إنني أفضل التوجه إلى الجمهور الأوروبي عامة، وذلك ما تتيحه اللغة الإنجليزية لأنها أوسع انتشارا من اللغة البولندية التي تكاد تقتصر على بولندا فقط، حتى اللغة الروسية التي أجيدها لا تزال محدودة. أردت لعملي أن يتوسع في دائرة أكبر من التقوقع في لغة محددة. وهذا يسمح لكتبي أن تمتد على رقعة جغرافية أوسع، وهي كذلك.
* هل هناك تمويل معين لتأليف الكتاب؟
- أجل كان التمويل والطباعة من قبل وزارة التعليم العالي في بولندا فقط. وهذا ما يضمن استقلالية الكتاب وآرائه بعيدا عن أي تأثير. الإماراتيون لم يدفعوا شيئا وجميع كتبي مولتها أوروبا وجامعاتها، وهو مدوّن على الصفحة الأولى. وهذا ما أفعله مع الأدب الخليجي عامة.
* ما استنتاجاتك عن الأدب الإماراتي؟
- أعتقد أنه أدب جديد بالمقارنة مع الأدب الخليجي في الكويت والسعودية. هناك أسماء جيدة مثل عبد الحميد أحمد ومحمد المر وغيرهما. إننا كمستشرقين، نطمح إلى معرفة المزيد عن المجتمعات الخليجية من خلال قراءة الأدب. وهو خير معين لنا لهذه المعرفة. لا توجد لدي استنتاجات معينة لكن يمكن القول إنه أدب في طور التكوين وله مستقبل زاهر. بدأت بقراءة بعض النماذج الشعرية والقصصية، ووجدت أن الأدب الإماراتي متميز حقا، له رؤية وانفتاح على الآخر ربما يختلف عن الأدب الخليجي عامة. لاحظت أن هذا البلد الذي أزوره للمرة الأولى يتمتع بوجود مؤسسات ثقافية كبيرة، حيث أصبحت الثقافة من أولوياته شأنها شأن الاقتصاد والمال والأعمال، وخاصة مشاريع محمد بن راشد الثقافية التي اجتازت شهرتها وتأثيراتها الحدود. وكل ذلك يحث الدارس إلى مزيد الاطلاع على هذه التجربة المتفردة ذات الامتداد العربي.
* من أهم الكتاب والشعراء الذين تم اللقاء بهم في الإمارات؟
- أبرزهم: ظبية خميس، نجوم الغانم، أسماء الزرعوني، محمد المر، عبد الحميد أحمد، إبراهيم مبارك، إبراهيم الهاشمي، أحمد محمد عبيد، عبد الله الشحي، وخالد البدور وغيرهم من الأدباء الذين التقيت بهم.
* لماذا التركيز على الأدب الخليجي؟
- كنت طالبة أدرس اللغة العربية في الكويت لتحسين لغتي العربية وبدأت بقراءة ليلى العثمان وقابلتها، وقدمت بعض الترجمات عنها، وأصدرت كتابي عنها باللغة العربية بعنوان «التراث والمعاصرة في إبداع ليلى العثمان» الذي نشرته دار «المدى».
وقدمتني ليلى العثمان إلى عدد من الكتّاب الكويتيين أمثال إسماعيل فهد إسماعيل ووليد رجيب وطالب الرفاعي وغيرهم. عندما عدت إلى بولندا ثم سافرت إلى أوروبا وقدمت هذا الأدب إلى أوروبا، لاحظت الاهتمام به. على أي حال، بدأت أكتب عن الأدب الخليجي منذ 25 سنة. وأول كتاب صدر لي في عام 1997.
* هل في النية إصدار كتب أخرى عن الأدب الخليجي؟
- بالتأكيد، إنني ماضية في أبحاثي، وأود أن أكتب عن الأدب في قطر والسعودية. لقد تسلمت رسالة من الشيخة موزة بهذا الصدد لكن الاتصال بيننا انقطع وظل المشروع على الرفوف. كما أن الأدب السعودي مثير للدراسة لأنه جريء للغاية وخاصة الكاتبات السعوديات. لدي سلسلة من الكتب واظبت على تأليفها منذ عشرين عاما عن الأدب الخليجي العماني والكويتي والإماراتي. وأحرص في هذه الكتب على أن أنقل للقارئ الأوروبي البيئة الثقافية للبلد الذي أكتب عنه، سواء صحافته أو شعره بشقيه العمودي والتفعيلة ونماذج من قصيدة النثر، وبعد ذلك أخصص جزءا للقصة والرواية، وأختتم كتبي عادة ببيلوغرافيا كاملة للكتاب والشعراء.
* ما وضعية ترجمة الأدب العربي إلى اللغة البولندية؟
- إن حركة الترجمة من العربية بدأت من خلال اللغة الإنجليزية. أما بصدد الاستشراق قد بدأ متأخرا في عام 1919 في مدينة كراكوف مع أن الجامعة قد أنشئت منذ أكثر من مائة سنة. لا تزال هذه الترجمة ضعيفة حتى الآن. وما زلنا نترجم بعض المشاهير من الأدباء العرب أمثال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغسان كنفاني وعبد السلام العجيلي وأدونيس ونزار قباني وليلى العثمان ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي أي إننا لا نترجم أدب الأجيال الشابة، وهذا نقص كبير نعاني منه. تلك التراجم التي راحت تنشر في القارة العجوز مع التوسع الجغرافي للعرب والاحتكاكات السياسية والثقافية وأسفار الرحالة التي شكلت أهم العناصر التي أفضت إلى وصول المواضيع والأجناس والأشكال العربية إلى القارة الأوروبية ومن ضمنها بولندا. حكايات مثل «كليلة ودمنة» و«قصص لقمان» و«ألف ليلة وليلة» التي ظهرت ترجمتها البولندية تحت عنوان «مشاجرات عربية» و«السندباد» راحت تظهر في الأدب البولندي منذ مطلع عصر النهضة في أوروبا، حيث نفذ الاستشراق إلى الأدب البولندي عن طريق الأدب الغربي عموما والأدب الفرنسي خصوصا ولعب الكاتب البولندي إيغناستي كراشيتسكي، الذي وضع الكثير من المؤلفات المقتبسة من الأدب الشرقي، دورا كبيرا في تعميم الاستشراق في الأدب البولندي إبان عصر التنوير.
وذكرت الأكاديمية البولندية أن القرن العشرين شهد موجة أخرى من الترجمات العربية إلى البولندية، فظهرت في بولندا أسماء عدد كبير من المبدعين العرب على غرار غسان كنفاني وأدونيس ومحمود درويش وأبو القاسم الشابي وإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومحمود تيمور وزكريا تامر وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وعبد السلام العجيلي وغيرهم.
* ما تأثير هذا الكتاب على القراء والأكاديميين في بولندا وأوروبا؟
- تأثير قوي للغاية حيث إن القراء عندما قرأوا عن الأدب الكويتي أو الإماراتي أو العماني أو البحريني صدموا، وتساءلوا: هل لهؤلاء القوم أدب؟ كنت قد بدأت بتقديم الأدب الخليج إلى القارئ الأوروبي منذ 25 عاما. بينما يتقدم الكتّاب الخليجيون على خريطة الإبداع الروائي مثل سعود السنعوسي الذي فاز مؤخرا بجائزة «بوكر» للرواية العربية، وكان الكاتب السعودي حسن علوان من المرشحين الستة للجائزة. وهكذا.
* ما درجة إقبال القراء البولنديين على قراءة الأدب العربي؟ ووضعية دراسته هناك؟
- هناك إقبال على قراءة الأدب العربي، والآداب الأجنبية عامة، وحركة الترجمة نشيطة، وفي كل عام، نقوم بترجمة مئات الأعمال من الآداب الأجنبية العالمية إلى اللغة البولندية. وأنت تعلم أن الأدب البولندي عريق هو الآخر، فقد حصل أربعة من أدبائنا على جائزة نوبل، اثنان في الشعر واثنان في الرواية. كما لا تنسى أننا البلد الذي أنجب مبدعين مشهورين أثروا في الحركة الثقافية العالمية والإنسانية وأصبحوا جزءا من رموزها أمثال: كوبرنيك وشوبان وفايدا.
عادة ما يكون الفصل الأول لدراسة اللغة العربية مزدحما. هناك نحو 40 طالبا على سبيل المثال، ثم يتناقص هذا العدد إلى 20 في الفصل الثاني والثالث. ولا يكمل دراسة الأدب العربي في الجامعة سوى عدد لا يتجاوز الـ6 طلاب. وهي نسبة ليست سيئة. ومن جهة أخرى، نحاول أن نبعث الطلبة البولنديين في منح دراسية إلى اليمن وسوريا والسعودية والأردن والمغرب لدراسة الأدب العربي واللغة العربية. عموما يجدون الوظائف في السلك الدبلوماسي والشركات التجارية التي تتعامل مع العالم العربي. ذات يوم، رأيت أحد طلبتي يعمل في البنك، فسألته عن عمله، فقال لي إنه يهتم بالعلاقات العامة مع السفارات العربية.
* أين تضعين حركة الاستشراق البولندي بين المدارس الاستشراقية الأخرى؟
- أنت تعلم أن الاستشراق في بولندا عريق يمتد إلى سنوات طويلة. ولكن عملي يتركز على الجامعة، وأعتبر نفسي جسرا موصلا للدارسين الذين يرغبون بالاطلاع على الأدب العربي وتعلم اللغة العربية. ولهذا أعمد إلى تأليف كتب أكاديمية تصبح مراجع جامعية مفيدة للدارسين المتخصصين، وهي موجودة في معظم الجامعات العالمية والأماكن العامة مثل مكتبة الكونغرس الأميركي. إنني أركز على الأدب الحديث على الرغم من أنني أدرّس مادة الأدب الكلاسيكي لأنه لا يمكن فهم الأدب الحديث ما لم ندرس ما سبقه من أدب. وهذه قاعدة ذهبية. لذلك نشعر بالمتعة في قراءة نماذج لشعراء من العصر الجاهلي حتى العصر العباسي أمثال امرؤ القيس والشنفرى والفرزدق والأخطل وجرير والمتنبي وأبو نواس وغيرهم. اهتمامي منصب على تأليف كتب شاملة عن الشعراء والأدباء الخليجيين والعرب البارزين لأنني أحاول تقديم نظرة بانورامية عن هذه الآداب في بلدانها كما فعلت في كتبي عن الأدب في الكويت وعمان والبحرين.
* ماذا عن حضور الأدب العربي وتأثيراته على الأدب البولندي عندكم؟
- إن حضور الأدب العربي وتأثيره على الأدب البولندي عموما يتعلق بأدب العصور الوسطى العربية وفقا للتقويم الميلادي، أي خلال الفترة الممتدة من عام 750 - 1055 ميلادية فحسب. وهناك تأثير واضح للأدباء العرب الكلاسيكيين على أدباء بولنديين وصلوا إليهم عن طريق الثقافة الفرنسية على وجه التحديد. وهنا يمكن الحديث عن دور الليالي العربية الألف بوصفها ملهما بحكاياها ومخيلتها الشعبية فضلا عن عدد من الشعراء العرب والمسلمين، كسعدي الشيرازي وسواه من أدباء العربية. لقد سلب الشرق خيال الشعراء البولنديين عندما تعرفوا إلى عالمه السحري الآسر في أعمال بايرون ومور ولامارتين وفولتير، وصولا إلى القرن العشرين.
* ما معرفة البولونيين بالمجتمع العربي؟
- لا توجد معرفة واسعة بالعرب وثقافتهم في بلادنا، بسبب قلة تبادل ووجود العرب أنفسهم في مجتمعنا، ففي المدينة التي أعيش فيها لا يوجد سوى عربي واحد ونتعامل معه بوصفه بولنديا هو الذي يتحدث العربية والبولندية بطلاقة لكن لا اهتمامات أدبية لديه حاله حال الكثير من البولنديين. إن سبب عدم إطلالتهم على الآداب العربية الحديثة هو أنه ليس هناك سوى إرث القرون الوسطى من الاهتمام بهذه الآداب الذي يتلقاه البولنديون في المدارس ويرقى إلى المتنبي والشنفرى، لا أكثر. وقد وقع الانقطاع عن الآداب العربية مع بولندا الشيوعية بعد الحرب العالمية الثانية حيث لم تكن هناك أي معرفة بآداب منطقة الخليج العربي تحديدا، إلى أن جرى افتتاح سفارات لدول الخليج العربي في بولندا حديثا.

سيرة
ولدت بربارا ميخالاك بيكوسيا عام 1965، ببولندا. حصلت على درجة الماجستير في اللغة والأدب العربي في 1991، والدكتوراه عن الأدب المعاصر في الكويت في 1994، ومن ثم حصلت على درجة بروفسور في جامعة ياجيللونسكي في كراكوف التي تعمل فيها رئيسة لقسم اللغة العربية وآدابها. ومن أهم مؤلفاتها: «التراث والمعاصرة في إبداع ليلى العثمان»، «ثريا البقصمي بين الريشة والقلم»، «القصص القصيرة المعاصرة الكويتية في الحرب والسلام منذ 1929 - 1995»، «نماذج من القصة في الجزيرة العربية» «الشعر والنثر الحديثان في عمان» بالإنجليزية، 2002، «الشعر والنثر الحديثان في البحرين» بالإنجليزية، «عالم علي عبد الله خليفة الشعري» بالمشاركة مع يوسف شحادة، 2009.
وهي عضو إدارة لجنة أساتذة الأدب العربي الأوروبيين والجمعية الأوروبية للمستشرقين ومجلس إدارة جمعية الدراسات البولندية الشرقية.



معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً. يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.


الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة
TT

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» للشاعر والروائي المصري عمرو البطا عن معمارها السردي، القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آليةً لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه، فـ«البرج» لا يُستدعى هنا بوصفه حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته.

في هذه الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة، ولعبة من الشدّ والجذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.

لا يتحوّل الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً، أو متورطاً، أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشّة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض، ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.

طموح خيالي

تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة، كاشفاً عن تعقيدات طفولته، ومساره التعليمي في الغرب، وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برجٍ في الصحراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يدفع البطل، بعناد واع، إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس، وعدم واقعية إنجازه.

وتبدو ذروة التحوّل في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحوّل داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.

عين رمادية

يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران، لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها، ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته، لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين، هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته، رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شعورية، وصوت مُختزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.

ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد علامة لونية، بل توصيف لحالة إنسانية مُعلّقة.

يُوّظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها، وعلى مستوى البناء، يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المُشوّق، لكنها في الوقت ذاته تعمّق البعد التأملي للرواية، حيث يتحرّك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.

ويتجلّى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»، في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب، ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والدهً: «وجدتني أحلّ في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقاً في التفكير».

هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطةً قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدةً نفسيةً بالدرجة الأولى.

وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرةً على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقصاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع، وعلى الضفة الأخرى، يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر.

في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يرى، بل يحمّله تكلفة إضافية.

أما البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة، تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه، يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».


«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.