مرّة جديدة تضرب التفجيرات أحد أهم نقاط نفوذ النظام السوري جنوب العاصمة دمشق، وتحديدًا منطقة السيدة زينب الممسوكة بقبضة حديدية من أجهزة الاستخبارات السورية و«الحرس الثوري الإيراني» وما يسمّى «حزب الله»، وذلك عبر تفجير مزدوج سارع تنظيم داعش المتطرف إلى تبنيه وأوقع عشرات القتلى والجرحى. وهو ما وضعه خبراء في خانة نقاط الضعف التي تصيب أجهزة الأمن والأطراف الأخرى الحليفة لها، المنهكة في حرب طويلة ومفتوحة على كل التطورات.
تطرح هذه العملية الجديدة علامات استفهام، حول قدرة المتطرفين على اختراق الإجراءات الأمنية المشددة في هذه المنطقة التي تعدّ معقلاً للحزب ونقطة إقامة القادة العسكريين الإيرانيين، لا سيما أن التفجيرين وقعا على مقربة من مقام السيدة زينب الذي كانت حمايته الذريعة الأساسية لدخول ما يسمى «حزب الله» في الحرب السورية.
ولقد تضاربت المعلومات حول عدد الضحايا الذين سقطوا في العملية، إذ حاول إعلام النظام السوري التخفيف من حجم الخسائر البشرية، وأفادت وكالة «سانا» الناطقة باسم النظام أن التفجيرين «أوقعا ثمانية قتلى على الأقل، وأصيب أيضًا 13 آخرين بجروح مختلفة، جراء تفجيرين متزامنين، الأول نفذه انتحاري بحزام ناسف عند مدخل بلدة السيدة والثاني بسيارة مفخخة في شارع التين»، لكن «المرصد السوري لحقوق الإنسان» ذكر أن «عدد القتلى ارتفع إلى 20 شخصًا، وأصيب أكثر من 30، إصابات بعضهم حرجة للغاية».
كذلك بثت قناة «الإخبارية» السورية صورًا لموقع التفجير تظهر تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود ودمارًا كبيرًا في الأبنية المجاورة للتفجير. وأظهرت صور أخرى أيضًا سيارات محترقة، وسيارة إطفاء تحاول إخماد النيران المندلعة في السيارات. كما تناثرت على الطريق بقايا لافتات تجارية وركام من القطع المعدنية والحجارة. وقال رجل دين شيعي للقناة التي يديرها النظام، إن «انفجار السيارة الملغومة لم يحدث بعيدًا عن منطقة مزار السيدة زينب في شارع التين الرئيسي».
هذا، وإذا كان تكرار مثل هذه التفجيرات في منطقة لها رمزيتها الدينية - وحتى السياسية - تثير استغراب المراقبين، فإن الخبير الاستراتيجي اللبناني العميد نزار عبد القادر، اعتبر أن «مثل هذه الاختراقات الأمنية لا ترتبط بمدى القبضة الأمنية الشديدة على هذه المنطقة أو تلك بقدر ما تجعل المبادرة بيد المهاجم وليس الأجهزة الأمنية». وتابع عبد القادر تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قوله إن «ما يسهّل على المهاجم تنفيذ عمليته هو رقابته الدائمة للنظام السوري، واكتشاف الثغرات والعيوب للتسلل من خلالها إلى الهدف وامتلاكه لعنصر المباغتة، خصوصا أننا نتحدث عن عمليات تقوم بها تنظيمات متطرفة وأشخاص يضحون بحياتهم لمهمة انتدبوا من أجلها».
وأضاف عبد القادر، وهو عميد متقاعد في الجيش اللبناني: «أعتقد أن كل أطراف الحرب في سوريا لديها نقاط ضعف ونقاط قوّة، ومهما ادعت روسيا وإيران والنظام السوري بأنهم يمتلكون المبادرة واليد العليا أمنيًا وعسكريًا، فإنهم يعانون من الكثير من الثغرات ونقاط الضعف، وهذا كافٍ لإنهاك كل القوى الأمنية سواء التابعة للنظام أو القوى التعزيزية لها، مثل إيران وما يسمى (حزب الله) وغيرهما».
هذه العملية تعدّ الرابعة التي تستهدف هذه المنطقة الأكثر حساسية للمحور الداعم لنظام بشار في سوريا، كان آخرها تفجير انتحاري بسيارة مفخخة يوم 25 أبريل (نيسان) الماضي استهدف نقطة أمنية، وتسبب بمقتل سبعة أشخاص وإصابة عشرين آخرين بجروح، وتبناه يومذاك تنظيم داعش.
وللعلم، تضم المنطقة المستهدفة مقام السيدة زينب، الذي يعد مقصدًا للسياحة الدينية في سوريا وخصوصًا من أتباع الطائفة الشيعية، إذ يقصده آلاف الزوار من إيران والعراق ولبنان رغم استهداف المنطقة بتفجيرات عدة في السابق. والمفارقة أن المفجّرين، تمكنا من الوصول إلى داخل المنطقة، مخترقين الإجراءات الأمنية المشددة التي تمنع دخول السيارات إليها. وكان التفجير الأكبر الذي شهدته المنطقة وقع في فبراير (شباط) الماضي، تبناه تنظيم داعش أيضًا، وأوقع 134 قتيلا بينهم تسعون مدنيًا في حصيلة تفجير اعتبرت حينها الأكثر دموية منذ اندلاع النزاع في سوريا منتصف مارس (آذار) 2011.
وتعد هذه الاختراقات ضربة قوية لما يسمّى «حزب الله» الذي دخل الحرب السورية حتى شعار «حماية المقدسات الشيعية». وهنا يبدي عبد القادر اعتقاده، أنه «لم يكن هناك من مبرر لتدخل ما يسمى (حزب الله) في سوريا، لأنه تنظيم لبناني وينتدب مقاتليه لمصلحة غير لبنانية»، معتبرًا أنهم «يشاركون في اضطهاد وقتل وتشريد الشعب السوري». وأضاف عبد القادر «إذا كانت أكثر النقاط المحروسة والمضبوطة أمنيًا في معقل (حزب الله) في الضاحية الجنوبية لبيروت، اخترقت بشكل مريع، فلا عجب إذا اخترقت منطقة السيدة زينب رغم كل الإجراءات والتعزيزات المتخذة في هذه المنطقة». وأبدى اعتقاده أنه «مهما فعل النظام و(حزب الله) والإيرانيون والروس، لإفشال هذه العمليات سيكون ذلك مستحيلاً، ولن تحول كل الإجراءات من القيام بعمليات مماثلة، طالما أن نقاط الضعف موجودة عند هذه الأطراف، مهما تشددوا في إجراءاتهم، وطالما أنهم جزء من حرب مجنونة ومفتوحة على كل التطورات».
يذكر أن مقام السيدة زينب كان في صلب حملة تجنيد المقاتلين الشيعة من لبنان والعراق للقتال في سوريا، حيث ترفع الميليشيات المدافعة عنه شعار «لن تسبى زينب مرتين». ودائمًا ما تكون هذه المنطقة نقطة تجمّع الآلاف من المجندين اللبنانيين العراقيين والأفغان الشيعة الذين تطوعوا للقتال، قبل إرسالهم إلى الخطوط الأمامية للجبهات في جميع أنحاء سوريا.
ولم تقتصر هذه العمليات التي تستهدف مراكز مهمة وذات رمزية خاصة للنظام وداعميه على منطقة السيدة زينب فحسب، فهي تأتي بعد سبعة تفجيرات استهدفت في وقت واحد معاقل النظام في الساحل السوري ذي الغالبية العلوية، وتحديدًا في مدينتي طرطوس وجبلة في 23 مايو (أيار) الماضي، التي أوقعت 184 قتيلاً ومئات الجرحى. واعتبر مراقبون أن تلك التفجيرات بمثابة رسالة أمنية بالغة الدقة، لكون مدينة طرطوس تضم القاعدة العسكرية البحرية الروسية الشهيرة إلى جانب عدد كبير من المراكز الأمنية والعسكرية التابعة لجيش النظام، أما جبلة فتضم مطار حميميم العسكري الذي تقع فيه معظم الأسلحة الروسية المتطورة من طائرات ومضادات جوية كمنظومة الـ«إس 400» بالإضافة إلى وجود الكلية البحرية التابعة لجيش النظام التي لا تبعد سوى ثلاثة كيلومترات عن مكان الهجوم.
تفجير مزدوج جديد يضرب جنوب العاصمة السورية.. وتنظيم داعش يتبنّاه
خبير استراتيجي: عملية منطقة السيدة زينب تبرز نقاط ضعف النظام وأجهزته المنهكة
رجال إنقاذ واطفائيون في موقع أحد التفجيرين اللذين ضربا منطقة السيدة زينب أمس وأسفر عن مقتل 8 أشخاص على الأقل واصابة الكثيرين (إ.ب.أ)
تفجير مزدوج جديد يضرب جنوب العاصمة السورية.. وتنظيم داعش يتبنّاه
رجال إنقاذ واطفائيون في موقع أحد التفجيرين اللذين ضربا منطقة السيدة زينب أمس وأسفر عن مقتل 8 أشخاص على الأقل واصابة الكثيرين (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








