السعودية تستهدف توفير 101 ألف وحدة سكنية لـ«الأسر الضمانية» الأكثر احتياجًا بحلول 2020

الحقباني لـ «الشرق الأوسط» : توفير الوحدات السكنية لأسر الضمان سيتم بالتنسيق مع وزارة الإسكان

الوزراء إبراهيم العساف ووليد الصمعاني وعادل الطريفي ومفرج الحقباني خلال المؤتمر الصحافي التنويري عن برنامج التحول الوطني (واس)
الوزراء إبراهيم العساف ووليد الصمعاني وعادل الطريفي ومفرج الحقباني خلال المؤتمر الصحافي التنويري عن برنامج التحول الوطني (واس)
TT

السعودية تستهدف توفير 101 ألف وحدة سكنية لـ«الأسر الضمانية» الأكثر احتياجًا بحلول 2020

الوزراء إبراهيم العساف ووليد الصمعاني وعادل الطريفي ومفرج الحقباني خلال المؤتمر الصحافي التنويري عن برنامج التحول الوطني (واس)
الوزراء إبراهيم العساف ووليد الصمعاني وعادل الطريفي ومفرج الحقباني خلال المؤتمر الصحافي التنويري عن برنامج التحول الوطني (واس)

في وقت من المنتظر أن تستهدف فيه السعودية توفير 101.700 ألف وحدة سكنية للأسر الضمانية الأكثر احتياجا بحلول عام 2020، أكد وزير العمل والتنمية الاجتماعية، الدكتور مفرج الحقباني، في رده على استفسار «الشرق الأوسط» مساء أمس، أن بناء هذه الوحدات سيتم بالتنسيق مع وزارة الإسكان في البلاد.
وتأتي هذه التوضيحات في وقت كشفت فيه وزارة العمل والتنمية الاجتماعية أنها تستهدف بحلول عام 2020 وصول عدد الوحدات السكنية الموفرة للأسر الضمانية الأكثر احتياجا إلى مستويات تفوق الـ100 ألف وحدة سكنية، مقارنة بنحو 10.400 ألف وحدة سكنية خلال الفترة الحالية، مما يعني أن السعودية سترفع عدد الوحدات السكنية التي يتم توفيرها للأسر الضمانية الأكثر احتياجا بنسبة تصل إلى 877.8 في المائة.
وخلال المؤتمر الصحافي المنعقد مساء يوم أمس، أوضح الدكتور الحقباني أن عدد الفرص الوظيفية الجديدة التي سيتم توليدها خلال 5 سنوات يبلغ 450 ألف فرصة وظيفية جديدة، فيما تعتزم الوزارة توفير 1.3 مليون فرصة وظيفية جديدة في القطاع الخاص، وذلك من خلال إحلال السعوديين مكان الأيدي العاملة الوافدة.
واستبعد الدكتور الحقباني أن يكون لدى وزارة العمل السعودية نية نحو تقليل أعداد العمالة الوافدة في البلاد، التي يبلغ عددها حاليًا نحو 9 ملايين وافد، مشيرًا إلى أن الأيدي الوافدة تساهم في التنمية وتلعب دورًا في ذلك متى ما دعت الحاجة إلى وجودهم.
من جهته، قال الدكتور إبراهيم العساف، وزير المالية السعودي، إن برنامج «التحول الوطني» سيكون نقلة كبيرة في اقتصاد المملكة، وسيكون جزءا أساسيا في «رؤية 2030»، بالإضافة للمشاريع الأخرى الخاصة بالخصخصة ومشاريع شركة «أرامكو» وصندوق الاستثمارات العامة، مشيرا إلى أن هذا البرنامج مر بمراحل كثيرة حتى تم إقراره، وكذلك المشاريع الأخرى المتعلقة بتحقيق «رؤية 2030».
وقال العساف، في مؤتمر صحافي عقد في جدة مساء يوم أمس: «نحن متفائلون عند تطبيق هذا البرنامج، وسيصل الاقتصاد السعودي لمرحلة جديدة من النمو والاستقرار»، وفي رده على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، أكد العساف أن تكلفة الإنفاق على برنامج التحول الوطني ستتم تغطيتها من خلال وفرة مالية من مشاريع سابقة، أو من خلال الإيرادات العامة للدولة.
وأشار وزير المالية السعودي إلى أن أهم النقاط المثارة تتعلق بموضوع التطبيق والتنفيذ، وقال: «لعلنا نتذكر جميعا صدور حوكمة (رؤية المملكة 2030)، وقد حددت العناصر الرئيسية في متابعة التنفيذ، بما في ذلك وجود لجنة عليا استراتيجية برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد».
وأضاف العساف: «مع هذه الخطوات لا بد أن نكون متفائلين بأن البرامج والخطط ستتحقق نتائجها، والكل يعرف أهمية الاستقرار المالي، سواء فيما يتعلق بالمالية العامة وأسعار الصرف والتضخم وغيرها، والجزئية الخاصة بوزارة المالية مهمة جدا، وكانت هناك ورشات عمل وهي المرة الأولى التي يكون فيها حوار وورشات عمل».
وذكر العساف أن وزارة المالية السعودية ناقشت مع الجهات الأخرى الرؤى والأهداف، مضيفا حول أهداف وزارة المالية المنبثقة من برنامج التحول الوطني، أنها «تتعلق بتعزيز الإيرادات غير البترولية، والحوكمة المالية، والتقنية، والاهتمام بأصول الدولة وحصرها ومعرفة الأصول بشكل محدد بدلا من كونها مبعثرة في عدة جهات».
وأكد العساف، خلال حديثه، أن وزارته بدأت تحقق جزءا مهما من المطلوب منها، بما في ذلك الوحدة المالية، والمالية العامة، ووحدة الدين العام، وقال: «عينا مسؤولين فيها، وبإذن الله تنطلق بشكل أكبر في الأيام القليلة المقبلة».
وحول ضريبة الدخل الموحد، قال وزير المالية السعودي، إنه «لن تكون هناك ضريبة على المواطنين، أما بالنسبة للضريبة على المقيمين فهو مقترح مبادرة ستتم مناقشته، إلا أنه لم يقر شيء حتى الآن، وهو مقترح قديم وسبق طرحه في الماضي».
وأكد وزير المالية السعودي أن هناك نوعين من الضرائب، وقال: «الآن لدينا نوعان، وتمت في إطار مجلس التعاون الخليجي، وهي القيمة المضافة والانتقائية على السلع الضارة، بما في ذلك التبغ والمشروبات الغازية والطاقة».
وقال وزير المالية، إن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي المستهدفة في «2020»، والبالغة 30 في المائة ارتفاعًا من 7.7 في المائة حاليًا، هي ليست هدفا للخطة، بل رقم متوقع، نظرا للإنفاق والإيرادات، مضيفا: «السعودية منفتحة على إصدارات سندات دولية، إلا أنه لم تحدد بعد حجم هذه السندات الدولية التي سنصدرها، ومؤخرًا المملكة اقترضت 10 مليارات دولار من الخارج، وأصدرنا سندات محلية بنحو 100 مليار ريال خلال الفترة الماضية، ونحن منفتحون على تمويل الدين من خلال وسائل مختلفة مثل الصكوك الإسلامية والأوراق المالية المختلفة».
بينما أكد الدكتور وليد الصمعاني، وزير العدل السعودي، أن «برنامج (التحول الوطني) بوصفه أحد البرامج التنفيذية لتحقيق (رؤية المملكة) قام على منهجية رصد التحديات التي تواجه الحكومة في المجالات الاقتصادية والتنموية ووضع المبادرات لتجاوزها، حيث يرسم صورة مختلفة للعمل الحكومي أساسها المرونة والفاعلية»، مبينًا أن البرنامج يهدف إلى تسريع وتيرة العمل الحكومي وزيادة فاعليته مع التركيز على البرامج والمبادرات ذات الأثر المباشر على المواطنين.
إلى ذلك، شكر الدكتور عادل الطريفي، وزير الثقافة والإعلام السعودي، القيادة على دعم برنامج «التحول الوطني» بمجلس الوزراء أول من أمس، بوصفه أحد مشاريع «رؤية المملكة 2030»، وشرح الطريفي القصة التي أوصلت إلى هذا البرنامج منذ انطلاقه، مضيفًا: «في بداية اجتماعات المجلس الاقتصادي والتنموي تحدث الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي ولي العهد السعودي، عن الوزارات وتحدياتها، كما تحدث عن كل جهة حكومية، وأسهب بالحديث عن المعوقات، فيما تحدث كل وزير بما يراه من خارج تلك الوزارات، وبعد الانتهاء طلب من كل وزارة وجهة أن تتقدم بأهدافها ورؤاها وتطلعاتها فيما يتعلق بالعمل الوزاري والمؤسساتي».
وأضاف الدكتور الطريفي: «خلال 6 أشهر تقدمت الوزارات كافة بالرؤى والأهداف، وتلك التجربة كانت ثرية، حيث إن كل وزير استطاع أن يستمع إلى تجارب الوزارات الأخرى وقصص نجاح وتعثر، وورشات العمل التي عقدت تباعا جعلت كل فرد منا يتحدث مع الوزير الآخر عن الصعوبات، وتم الانتقال إلى صناعة (رؤية السعودية 2030) التي تحققت بعد 6 أسابيع، حيث إن إعلان برنامج (التحول الوطني) يدل على جدية مجلس الشؤون الاقتصادية في طرح التغيير الحكومي اللازم وفرض نوع من التحدي أمام الجهات الحكومية لتحسين الخدمات».
وذكر وزير الإعلام السعودي، أن هناك خمسة أهداف استراتيجية في الوزارة، تتضمن تعزيز الهوية الوطنية من خلال الثقافة الوطنية، وإيجاد بيئة عمل صالحة للنشاطات الثقافية وتعزيزها، والاهتمام بالصناعة الإعلامية. كما أن «التركيز سيكون منصبًا على وجود مدينة إعلامية وإنتاجية، إضافة إلى أن الهدف الأهم هو تحسين صورة السعودية في الداخل والخارج».
وأضاف الدكتور الطريفي: «خلال العقدين الماضيين تم إلصاق كثير من الصور السلبية عن السعودية، وكثير منها تهم باطلة وتختص بعدم فهم الآخر لثقافتنا وصورتنا، وجعل تحسين الصورة عنصر استراتيجي وأساسي لـ(التحول الوطني)».
وحول المجمع الملكي للفنون، قال الدكتور الطريفي إن «المجمع من المؤسسات التي يراد منها تعزيز الثقافة والفن في السعودية. ولطالما كانت هناك مطالبات بمؤسسات ترعى الفنون السعودية وتعرضها وتوثقها، وفكرة المجمع معمول بها في بلدان كثيرة جدا، وأحد أبرز أهدافها تعزيز الثقافة الوطنية، وفتح المجال أمام إعطاء الأجيال الشابة صورة حيال بلدهم، وأن تكون هناك مؤسسة قادرة على نقل ثقافة السعودية إلى العالم الخارجي».
من جهة أخرى، قال الدكتور مفرج الحقباني، وزير العمل والتنمية الاجتماعية، إن «برنامج (التحول الوطني) يشكل مرحلة لإعادة اكتشاف الحكومة. ولأول مرة يتم الاطلاع على المنهجية، وكان يعتقد بأن القطاع الخاص وحده من يستطيع ذلك».
وذكر الدكتور الحقباني أن الأهم في البرنامج هو الترابط الاستراتيجي بوصفه أداة تنفيذية لمنطلقات «الرؤية السعودية». «وهناك العربة الناقلة من المنطلقات الاستراتيجية، كما نصت عليها الرؤية في التطبيق على أرض الميدان».
وأضاف: «إعادة اكتشاف الحكومة تؤرخ بصدور (الرؤية)، ثم ربطها ببرنامج التحول الوطني وإدارة الحوكمة الاستراتيجية».
وتساءل وزير العمل والتنمية عن كيفية تحويل القطاع غير الربحي إلى قطاع مساهم في الناتج المحلي الإجمالي، وأن «ننقله من حالة الاحتياج إلى الإنتاج، ونعيد تأهيله من قطاع رعوي إلى مساهم في التنمية».
وأضاف: «نحتاج أن تكون هناك آلية ومعيارية دقيقة تحكم مدخلات ومخرجات هذا القطاع والمال المنفق فيه، ونحتاج شبكة حماية اجتماعية تغطي بخدماتها كل الفئات المستفيدة بدءا بالتمكين ثم الانتقال إلى الدعم والمساندة».
وأكد وزير العمل والتنمية أن هناك زيادة في مشاركة المرأة في سوق العمل وفق الضوابط الشرعية، «والمرأة للأسف تشارك مشاركة غير مؤثرة في الناتج المحلي الإجمالي».
وحول تخفيض عدد العمالة الوافدة، قال الحقباني، «ليس هناك هدف تخفيض، لا نريد الربط بين هدف التوظيف وعدد العمالة الوافدة. ربما يكون وجودهم ضروريا لتوليد مزيد من الوظائف، لا ترابط بين مزيد من التوظيف وعدد العمالة الوافدة.. هناك تواجه لجعل أنشطة اقتصادية مقصورة على السعوديين، أما بالنسبة لـ450 ألف وظيفة فهي ما يسمى توليد الوظائف، بينما هناك مبادرة أخرى هي 1.3 مليون وظيفة تتم عن طريق الإحلال».
إلى ذلك قال سليمان الحمدان، وزير النقل السعودي، إن «البرنامج يشكل نقلة نوعية في مفهوم الإدارة الحكومية وغير مسبوقة ليس على مستوى المملكة والمنطقة، بل هي نقلة نوعية في مفهوم الإدارة الحكومية على مستوى العالم».
وأضاف: «ما لمسته من خلال مشاركتي في كثير من اللجان بأن الطريقة نحو تطوير وتحسين مفهوم الإدارة الحكومية تنبع بالأساس من قناعات ثابتة أولا، ومن خلال مشاركة أساسية مع القطاعات الأخرى، والبرنامج هو من ضمن برامج تنفيذية أخرى تحت مظلة (رؤية السعودية). كل برنامج يركز على مجال محدد».
وقال الحمدان إن «برنامج التحول» لا يزال في بداياته، «ولذلك يجب أن نمنح هذا البرنامج الفرصة والمسؤولين عنه الوقت الكافي لترجمته، حتى نتلمس نتائجه بشكل حقيقي، ومن ثم نساهم في طرح رؤانا ونقدنا أو مباركتنا لما يتم، ووزارة النقل بلا شك تمثل عصبا حقيقيا للتنمية، بالنسبة لكل البرامج التنفيذية والرؤية، لأنها تلعب دورا رئيسيا وأساسيا بدعم كثير من البرامج والأهداف الرئيسية لجميع الوزارات بلا استثناء، وتخضع تحت وزارة النقل اليوم أربع منظومات رئيسية وهي النقل الجوي والنقل البحري والسكك الحديدية والنقل العام».
ولفت الحمدان إلى أن وزارته تستهدف تحويل السعودية إلى مركز لوجيستي عالمي من الطراز الأول، وتستفيد من موقعها الفريد الرابط بين القارات الثلاث؛ آسيا وأفريقيا وأوروبا، وقال: «بالنسبة للموانئ فإننا نحظى بموقع فريد، ونحو 30 في المائة من التجارة العالمية تمر من خلال البحر الأحمر».



«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«حساب المكاسب» لدى الحوثيين يطغى على شعار «وحدة الساحات»

حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
حشد للحوثيين في صنعاء تضامناً مع إيران يوم 10 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

خلال 40 يوماً من الحرب التي شنَّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، ابتداءً من 28 فبراير (شباط) الماضي، ظهر موقف الجماعة الحوثية بوصفه من أكثر المواقف إثارة للتساؤل في الأوساط السياسية والعسكرية، ليس نتيجة ما قامت به الجماعة، بل بسبب ما امتنعت عنه؛ حيث لم يرتقِ دورها إلى المستوى الذي يترجم شعار «وحدة الساحات» كما الحال مع «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية المسلحة.

فالجماعة التي اكتسبت حضورها الإقليمي بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، عبر تصعيدها في البحر الأحمر وخليج عدن والهجمات ضد إسرائيل، مع رفعها شعار «وحدة الساحات» عنواناً لتحالفاتها، بدت هذه المرة أكثر تحفظاً، مكتفية بأدوار أدائية محدودة مقارنة مع خطابها المرتفع، في سلوك يعكس -وفق تقديرات مراقبين- انتقالاً واضحاً من التعبئة الآيديولوجية إلى حسابات أكثر براغماتية تحكمها «معادلة البقاء» في المقام الأول.

في هذا السياق، اقتصر تدخل الحوثيين على تبني 5 عمليات هجومية بالصواريخ والمسيّرات، كانت ذات طابع رمزي ودون تأثير على مسار المعركة، بهدف تسجيل موقف سياسي إلى جانب إيران دون الانخراط في مواجهة واسعة، وهو ما أعاد طرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الجماعة وطهران، وحدود التزامها الفعلي، في إطار ما يُعرف بمحور «المقاومة».

عنصر حوثي يحمل سلاحاً على الكتف خلال تجمع في صنعاء للتضامن مع إيران يوم 8 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وتشير هذه المعطيات إلى أن قيادة الجماعة أعادت ترتيب أولوياتها وفقاً لمعادلة البقاء الداخلي، التي باتت تتقدم على أي اعتبارات آيديولوجية أو تحالفات إقليمية، فبعد سنوات من الصراع، استمر الحوثيون في سيطرتهم على أجزاء واسعة من شمال اليمن، وأصبح هدفهم الأساسي يتمثل في تثبيت هذه السيطرة وتحويلها إلى واقع سياسي معترف به.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يفسّر الباحث والأكاديمي اليمني الدكتور فارس البيل هذا السلوك بأن «تلكؤ الجماعة في الانخراط الكامل ليس أمراً مستجداً، بل تكرر في حرب الـ12 يوماً (حرب أميركا وإسرائيل على إيران في صيف العام الماضي)، غير أن ذلك لا يعني استقلال قرارها عن إيران»، مشيراً إلى أن «الرد الأميركي والإسرائيلي العنيف، وتجربة الحوثيين السابقة مع الضربات، جعلا أي انخراط واسع بمثابة تهديد وجودي قد يقود إلى نهايتهم».

ومن هذا المنطلق، يرى محللون يمنيون أن انخراط الجماعة في حرب إقليمية مفتوحة دفاعاً عن إيران لم يكن خياراً واقعياً، بالنظر إلى التكلفة المرتفعة التي قد تترتب عليه. فمثل هذا الانخراط كان سيُعرّض ما تبقى من البنية العسكرية للجماعة إلى خطر التدمير، ويُهدد بإعادة خلط الأوراق داخلياً، خصوصاً في ظل احتمالية المواجهة مع القوات الحكومية وانهيار التهدئة الهشّة المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2022.

كما أن ترسانة الجماعة الصاروخية ومن المسيّرات، التي تُمثل أحد أبرز عناصر قوتها في أي مواجهة محلية، تجعل من استخدامها في معارك بعيدة مخاطرة غير محسوبة، ولهذا تُشير التقديرات إلى أن الجماعة فضّلت الاحتفاظ بقدراتها العسكرية لخدمة أهدافها الداخلية، بدلاً من استنزافها في صراع غير مضمون العواقب.

هاجس الردع الدولي

ولعبت تجربة الحوثيين السابقة في استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر دوراً محورياً في تشكيل موقفهم خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، فعلى الرغم من المكاسب الإعلامية التي حققتها تلك العمليات، فإنها قوبلت بردود عسكرية قوية من الولايات المتحدة وبريطانيا، قبل أن تفاقم إسرائيل الوضع عبر 19 موجة من الضربات الموجعة.

مسلح حوثي خلال مظاهرة في صنعاء دعا إليها زعيم الجماعة في 10 أبريل الحالي (إ.ب.أ)

وكما يبدو، فإن هذه الضربات خلال العامين الماضيين تركت أثراً واضحاً في حسابات القيادة الحوثية التي باتت تُدرك أن التصعيد ضد المصالح الدولية قد يستدعي ردّاً واسع النطاق يتجاوز الضربات الغربية والإسرائيلية السابقة إلى عمليات أكثر شمولاً قد تُهدد وجودها، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع منح القوات الحكومية الشرعية الضوء الأخضر لإطلاق عمليات برية لتحرير المحافظات الخاضعة للجماعة.

وفي هذا الإطار، يربط الدكتور البيل بين هذا الإدراك وحالة الضعف التي أصابت شبكة النفوذ الإيراني، مشيراً إلى أن «تشتت الأذرع، وتراجع فاعلية مراكز القيادة في (الحرس الثوري) بعد الضربات، أفقدا طهران القدرة على إدارة الساحات بشكل متماسك، وهو ما انعكس في خطاب حوثي متردد ومضطرب منذ بداية الحرب».

كما يؤكد البيل أن «إيران قد تنظر إلى اليمن بوصفه ساحة احتياط، وليس ساحة اشتباك رئيسية، في ظل محدودية تأثير الحوثيين مقارنة بفصائل أقرب جغرافياً، ما يجعل الجماعة ورقة مؤجلة تستخدم في سياق المساومة أو التصعيد المرحلي».

وفي السياق ذاته، بدا أن الجماعة اختارت استراتيجية «تجنب الاستفزاز»، من خلال تنفيذ هجمات محدودة لا تدفع نحو تصعيد كبير، وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً لطبيعة موازين القوى، وحرصاً على تجنب الانزلاق إلى مواجهة غير متكافئة.

طبيعة العلاقة

وتعيد هذه التطورات تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين الحوثيين وإيران، والتي غالباً ما تُصوَّر على أنها علاقة تبعية كاملة، غير أن الأداء الفعلي للجماعة خلال الحرب أظهر قدراً من التحفظ في إظهار الولاء المطلق، على الرغم من تصريحات القيادات الإيرانية وتهديدهم بورقة البحر الأحمر وباب المندب، في إشارة إلى حليفهم الحوثي.

ويؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الإله سلام أن الجماعة تحمل بُعداً عقائدياً يمنحها شعوراً بالخصوصية، ما يجعل قرارها «مستقلاً نسبياً» داخل المحور الإيراني، مشيراً إلى أنها تعتمد سياسة «الإبطان» تكتيكاً براغماتياً، فتقلص انخراطها عندما تشعر بتهديد وجودي أو اختلال في موازين القوى.

أشخاص يستقلون سيارة في صنعاء تمر أمام لوحة إعلانية رقمية تحمل صورة زعيم الحوثيين يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

ويضيف سلام في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن هذا السلوك، رغم ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» تدريباً وتسليحاً، «يوحي بوجود تعدد في مراكز التأثير على قرارها»، مستشهداً بتجربة «اتفاق استوكهولم»، التي أوقفت المواجهات في الحُديدة وأبقت على نفوذ الحوثيين، بما يُعزز فرضية أن الجماعة تتحرك ضمن شبكة توازنات أوسع من مجرد التبعية لطهران.

في المقابل، يقدّم رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، رؤية مغايرة، إذ يتهم الجماعة بأنها «أداة إيرانية» لزعزعة الاستقرار الإقليمي، وتهديد أمن الممرات المائية الدولية، مؤكداً أن استمرار سيطرتها على أجزاء من اليمن يجعل هذا التهديد قائماً ومتصاعداً.

ويشدد العليمي من خلال تصريحاته الرسمية الأخيرة، على أن تهديد الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن لم يعد شأناً داخلياً، بل قضية دولية تمس أمن التجارة العالمية، داعياً المجتمع الدولي إلى تبني مقاربة أكثر حزماً «تنهي التهديد، ولا تكتفي باحتوائه».

كما يتهم طهران بأنها تسعى إلى توسيع الصراع عبر استخدام الحوثيين منصةً إقليميةً، في إطار استراتيجية لإرباك المنطقة وإضعاف الدول الوطنية، وهو ما يفرض -حسب تعبيره- التعامل مع الملف اليمني ضمن سياقه الإقليمي الأوسع.

تراجع شعار «وحدة الساحات»

وكشفت حرب الأربعين يوماً عن فجوة واضحة بين الخطاب السياسي للجماعة وممارساتها على الأرض، فشعار «وحدة الساحات»، الذي استُخدم خلال الحرب في غزة لتبرير انخراطها الإقليمي، بدا في هذه الحرب أقرب إلى أداة دعائية منه إلى استراتيجية فعلية.

ففي حين رُفع هذا الشعار بقوة خلال الحرب في غزة، وترافق مع عمليات استهداف للملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، جرى التعامل معه بمرونة ملحوظة في مواجهة الحرب ضد إيران، إذ اقتصر التفاعل الحوثي على خطوات محسوبة، تجنبت الانخراط الكامل، وراعت في الوقت ذاته عدم الظهور بمظهر المتخلي عن الحليف.

الحوثيون يحرقون العلم الإسرائيلي خلال تجمع لهم في صنعاء هذا الشهر (إ.ب.أ)

كما أن غياب الجماعة شبه التام خلال «حرب الاثني عشر يوماً» في 2025، ثم حضورها المحدود في الحرب الأخيرة، يُعزز الاستنتاج بأن قرار المشاركة لا تحكمه اعتبارات آيديولوجية بحتة، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالمخاطر والمكاسب.

ولم تكن هذه الحسابات الحوثية مجرد استنتاجات، بل أكدتها كواليس التقييمات الأميركية، بعد أن حسم وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، هذا الجدل في إحاطة صحافية بمقر البنتاغون الخميس الماضي؛ حيث أعلن بوضوح أن الحوثيين فضلوا البقاء خارج أتون هذا الصراع الإقليمي المباشر، واصفاً قرارهم بـ«الجيد».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن، هانس غروندبرغ، قد حذّر في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن من أن سلوك الحوثيين، بما في ذلك الهجمات الأخيرة، يُثير مخاوف من انزلاق اليمن إلى صراع إقليمي أوسع، رغم تجنبه هذا السيناريو حتى الآن.

ودعا غروندبرغ الجماعة إلى الامتناع عن أي تصعيد جديد، حفاظاً على فرص السلام، مؤكداً أن حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن تُمثل أولوية دولية، وهو ما يتقاطع مع تحذيرات الحكومة اليمنية.

من كل ذلك، يظهر أن شعار «وحدة الساحات» بالنسبة للحوثيين تحوّل إلى شعار مطاطي يُستخدم وفقاً للظروف، ويُعاد تفسيره بما يتناسب مع أولويات الجماعة، التي باتت تميل بوضوح إلى تغليب حسابات البقاء وتعظيم المكاسب الداخلية، حتى إن جاء ذلك على حساب التزاماتها المعلنة داخل المحور الإيراني.


«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
TT

«طريق مكة»... نموذج سعودي يختصر الطريق إلى المشاعر المقدسة

مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)
مبادرة «طريق مكة» تختصر إجراءات السفر وتسرّع وصول الحجاج (واس)

في مشهد يتكرر كل عام، لكنه يزداد نضجاً، واتساعاً، تتحول رحلة الحج من مجرد انتقال جغرافي إلى تجربة إنسانية متكاملة تبدأ من مطارات الدول المستفيدة، حيث تُختصر المسافات، وتزال التعقيدات، وتُستبدل بها منظومة خدمات دقيقة تعكس رؤية متقدمة في خدمة ضيوف الرحمن. هكذا تواصل مبادرة «طريق مكة» ترسيخ نموذجها الفريد الذي أعاد تعريف رحلة الحج منذ لحظتها الأولى، وجاعلاً من السلاسة عنواناً، ومن الكرامة أولوية، ومن التقنية شريكاً أساسياً في كل خطوة.

انطلاق رحلات الحجاج من أنقرة ضمن المسارات المخصصة للمبادرة (واس)

وللعام الثامن على التوالي، تواصل وزارة الداخلية السعودية تنفيذ مبادرة «طريق مكة» -إحدى مبادراتها ضمن برنامج خدمة ضيوف الرحمن، وأحد برامج «رؤية المملكة 2030»- عبر 17 منفذاً في 10 دول، تشمل المملكة المغربية، وجمهورية إندونيسيا، وماليزيا، وجمهورية باكستان الإسلامية، وجمهورية بنغلاديش الشعبية، والجمهورية التركية، وجمهورية كوت ديفوار، وجمهورية المالديف، إضافة إلى دولتي السنغال وبروناي دار السلام اللتين تشاركان للمرة الأولى.

وتهدف المبادرة إلى تيسير رحلة الحج من خلال تقديم خدمات متكاملة، وعالية الجودة، تبدأ بإصدار تأشيرة الحج إلكترونياً، مروراً بإنهاء إجراءات الجوازات في مطارات بلدان المغادرة، بعد التحقق من الاشتراطات الصحية، وأخذ الخصائص الحيوية، وترميز وفرز الأمتعة وفق ترتيبات النقل، والسكن داخل المملكة. وعند وصول الحجاج، ينتقلون مباشرة عبر مسارات مخصصة إلى الحافلات التي تقلهم إلى مقار إقامتهم في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، فيما تتولى الجهات الشريكة إيصال أمتعتهم.

تكامل الجهات الحكومية في تقديم خدمات متقدمة لضيوف الرحمن (واس)

وفي إطار انطلاق موسم حج هذا العام، غادرت أولى رحلات المستفيدين من المبادرة من عدد من الدول، حيث انطلقت من جمهورية بنغلاديش الشعبية عبر صالة المبادرة في مطار حضرة شاه جلال الدولي متجهة إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة، وبحضور عدد من المسؤولين، في خطوة تعكس جاهزية عالية، وتنسيقاً متكاملاً.

كما شهدت مدينة كراتشي في باكستان مغادرة أولى الرحلات عبر مطار جناح الدولي متجهة إلى مطار الأمير محمد بن عبد العزيز الدولي بالمدينة المنورة، في حين غادرت أولى الرحلات من ماليزيا عبر مطار كوالالمبور الدولي إلى الوجهة ذاتها، وسط حضور رسمي يعكس أهمية المبادرة في تعزيز تجربة الحجاج.

وامتد تنفيذ المبادرة إلى الجمهورية التركية، حيث انطلقت أولى الرحلات من مطار إيسنبوغا الدولي في أنقرة، متجهة إلى المدينة المنورة، ضمن منظومة تشغيلية موحدة تعكس تكامل الجهود بين مختلف الجهات المعنية.

خدمات تقنية ولوجيستية متكاملة تعزز تجربة الحجاج منذ المغادرة (واس)

وتنفذ وزارة الداخلية السعودية المبادرة بالتعاون مع وزارات الخارجية، والصحة، والحج والعمرة، والإعلام، والهيئة العامة للطيران المدني، وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك، والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة العامة للأوقاف، وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن، والمديرية العامة للجوازات، وبالتكامل مع الشريك الرقمي (مجموعة stc).

ومنذ إطلاقها في عام 1438هـ (2017)، أسهمت مبادرة «طريق مكة» في خدمة أكثر من 1.25 مليون حاج، في مؤشر واضح على نجاحها في تحقيق مستهدفاتها، وتطوير تجربة الحج بما يواكب تطلعات المملكة في تقديم خدمات استثنائية لضيوف الرحمن، ترتقي بتجربتهم الإيمانية، وتجسد صورة حديثة لإدارة الحشود، والخدمات اللوجيستية على مستوى عالمي.


وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا
TT

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

وزير الخارجية السعودي يشارك في الاجتماع الوزاري الرباعي في أنطاليا

شارك الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية السعودي، في الاجتماع الوزاري الرباعي، الذي عقد في مدينة أنطاليا بتركيا، بمشاركة نائب رئيس الوزراء وزير خارجية باكستان محمد إسحاق دار، ووزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج الدكتور بدر عبد العاطي، ووزير خارجية تركيا هاكان فيدان.
وجرى خلال الاجتماع مناقشة مستجدات الأوضاع الإقليمية، ودعم جهود الوساطة الباكستانية ومساعيها في التوصل لوقف دائم لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، بما يسهم في خفض حدة التصعيد ويجنب المنطقة والعالم التداعيات الأمنية والاقتصادية الخطيرة للحرب.