لبنان يقيّم خسائره من الأزمة السورية ويدفع باتجاه «عودة تدريجية» للاجئين

درباس لـ «الشرق الأوسط» : نسعى لنكون قاعدة لإعادة الإعمار في سوريا

أطفال سوريون لاجئون في قرية العاقبية جنوب لبنان تجمعوا أثناء زيارة مدير المنظمة الفرنسية الإنسانية (النجدة الشعبية)أول من أمس لتوصيل مساعدات غذائية للاجئين (أ.ف.ب)
أطفال سوريون لاجئون في قرية العاقبية جنوب لبنان تجمعوا أثناء زيارة مدير المنظمة الفرنسية الإنسانية (النجدة الشعبية)أول من أمس لتوصيل مساعدات غذائية للاجئين (أ.ف.ب)
TT

لبنان يقيّم خسائره من الأزمة السورية ويدفع باتجاه «عودة تدريجية» للاجئين

أطفال سوريون لاجئون في قرية العاقبية جنوب لبنان تجمعوا أثناء زيارة مدير المنظمة الفرنسية الإنسانية (النجدة الشعبية)أول من أمس لتوصيل مساعدات غذائية للاجئين (أ.ف.ب)
أطفال سوريون لاجئون في قرية العاقبية جنوب لبنان تجمعوا أثناء زيارة مدير المنظمة الفرنسية الإنسانية (النجدة الشعبية)أول من أمس لتوصيل مساعدات غذائية للاجئين (أ.ف.ب)

ينشغل لبنان حاليا وبالتحديد اللجنة الوزارية المعنية بشكل مباشر بملف اللاجئين السوريين، الذين يتخطى عدد المسجلين منهم لدى المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في بيروت المليون و48 ألف لاجئ مقابل عشرات آلاف آخرين غير مسجلين وعدد كبير منهم لا يملك أوراقا قانونية، بمحاولة تطوير وسائل جديدة لمقاربة الأزمة السورية وتداعياتها التي باتت تخرج في كثير من الأحيان عن قدرة البلاد على الاحتمال.
وان كانت الاهتمامات الرسمية تنصب وبشكل خاص على إيصال رسائل متعددة ومتسارعة للمجتمع الدولي مفادها أن لبنان «لن يكون بلدا للاندماج»، بإشارة إلى رفض توطين اللاجئين، تبدو المحاولات المتكررة للأجهزة والوزارات المعنية لتقييم الخسائر التي ألمّت بالقطاعات كافة، دون ذي جدوى في ظل تفاقم هذه الخسائر مع مرور الوقت وبغياب أي أفق لحل قريب للأزمة السورية، والأهم عدم بروز نية جدية لدى المجتمع الدولي لتقديم الدعم المطلوب للبنان للصمود وإغاثة مئات آلاف النازحين على أراضيه.
ولا شك أن «الفجوة الأمنية» تبقى إحدى أبرز «الفجوات العميقة التي أصابت لبنان جراء النزوح»، بحسب توصيف المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، في ظل استمرار الصراع على الأراضي السوية والحدود المفتوحة بين البلدين ما يهدد بامتداد النيران إلى لبنان في أي لحظة، خاصة أن قسما كبيرا من أراضيه شرقي البلاد لا تزال محتلة من قبل مسلحي تنظيمي «داعش» و«جبهة النصرة»، أضف إلى كل ذلك هاجس التفجيرات الأمنية المتنقلة التي تعمل الأجهزة اللبنانية جاهدة لإحباطها قبل حصولها بإطار عمليات استباقية أدّت لإلقاء القبض على مئات المتورطين بقضايا إرهاب.
وتقارب الحكومة اللبنانية والوزارات المعنية كل الملفات المتعلقة باللاجئين السوريين من زاوية قطع الطريق على أي محاولة لتثبيت وجودهم تمهيدا لتوطينهم في لبنان. ووجهت وزارة الخارجية اللبنانية بوقت سابق رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، تضمنت ما قالت إنه «رفض لبنان لما ورد في تقريره بشأن استيعاب النازحين في أماكن وجودهم وضرورة اندماجهم في المجتمعات ووضع السياسات الوطنية من قبل الدول للتكيف مع بقائهم وصولا إلى إعطائهم الجنسية». ورغم إصرار المبعوثين الأمميين وبان كي مون نفسه على التأكيد أن فرض توطين اللاجئين أمر غير وارد وعلى أن المسألة «تعود حصرًا إلى قرار البلد نفسه»، ينبه عدد من الوزراء من «توطين الأمر الواقع»: «وهو ما عايشناه مع موضوع اللجوء الفلسطيني إلى لبنان»، بحسب وزير العمل سجعان قزي، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «نعلم أنه لا يوجد مشروع دولي محدد لتوطين اللاجئين السوريين، كما أنّه لم يكن هناك مشروع مماثل لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، لكن سلوك المجتمع الدولي، يضاف إليه الانقسام اللبناني الذي أدّى لاستمرار الوجود الفلسطيني وتوطينهم كأمر واقع، قد يتكرر مع السوريين إذا لم نتشاور مع الدول الكبرى ومجلس الأمن لإيجاد حل لهذه الأزمة التي تهدد بزعزعة الكيان اللبناني وبتغيير ديموغرافي خطير في البلد». ويعتبر قزي أن «هناك مشاريع وأفكارا كثيرة للتصدي لأزمة اللجوء وأبرزها، وهو ما ندفع باتجاهه، وضع برنامج عودة تدريجي إلى سوريا، خاصة أن هناك مناطق آمنة، وأخرى مقسّمة ما بين خاضعة لسيطرة النظام والمعارضة ما يُمكّن اللاجئين من العودة إلى المناطق التي يختارونها». وأضاف: «أي مشروع عودة ومهما بدا للبعض غير قابل للتطبيق، يبقى أقل تكلفة من خطورة مشروع تثبيتهم، على أن نمهّد لهذه العودة بتشديد الإجراءات الأمنية والاقتصادية المتخذة لمنع التمدد السوري في لبنان مناطقيا كما بسوق العمل». فبحسب قزي، يعاني لبنان من «خلل ديموغرافي نتيجة الوجود السوري إضافة إلى أنّه يرزح تحت 14 مليار دولار خسائر نتيجة هذا الوجود»، لافتا إلى أنّه وقبل الأزمة كان النمو 9 في المائة فإذا به ينخفض بعدها للصفر. أما البطالة فارتفعت أيضا من 10.3 في المائة إلى 25 في المائة تماما كنسب اللبنانيين الذين هم على خط الفقر أو تحته والتي بلغت مليون و170 ألفا.
ووصف البنك الدولي في آخر التقارير التي أعدها النموذج الاقتصادي والاجتماعي اللبناني بـ«المفلس»، لافتا إلى لبنان لا يزال يتأثر بالحرب الدائرة في سوريا والركود السياسي الداخلي كما أن اعتماده على تحويلات أبنائه العاملين في الخارج يؤثر سلبًا على الاقتصاد ككل.
ويحاول وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس وللتخفيف من حجم التحديات التي تواجه لبنان، التركيز على الضوء الموجود في آخر النفق، مشددا على وجوب أن «نعبر من الأزمة إلى الفرصة. فرغم كل الضرر الذي أصابنا سنسعى لنكون قاعدة مهمة من قواعد ورشة إعادة أعمار سوريا على أن نبقى أحياء حتى ذلك الوقت». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «في الاجتماع الحكومي الأخير للجنة الوزارية المعنية باللجوء السوري، طورنا وسائل لمقاربة كيفية التعاطي مع اللاجئين حتى إيجاد مناخ ملائم وظروف مواتية لعودة آمنة لهم إلى بلدهم»، مشددا على وجوب «تشجيع هذه العودة وتسهيلها خاصة أننا أكدنا ونؤكد أن لبنان ليس دولة لجوء ولا أرضه أو جوازات سفره للبيع».
ويبقى البُعد الإنساني للأزمة السورية أحد أبرز التحديات التي يواجهها لبنان، ففيما يسعى للحفاظ على حقوق وأمن ومصالح مواطنيه، يرى نفسه مضطرا وبكثير من الأحيان للتضييق على اللاجئين وهو ما يثير حفيظة المنظمات الدولية التي تُعنى بحقوق الإنسان. وقد أثارت آخر التقارير الصادرة عن منظمة «هيومن رايتس ووتش» والتي انتقدت شروط الإقامة في لبنان معتبرة أنّها «تهمش اللاجئين وتجعل حياتهم مستحيلة»، سخط المسؤولين اللبنانيين. فاعتبر الوزير درباس أن المنظمة تحمّل لبنان مسؤولية ما هو ضحيته أصلا، مشددا على أنّه «لا إمكانية لمقارنة أحوال اللاجئين فيه بأحوالهم في العراق والأردن وتركيا، بحيث لهم حرية الحركة الكاملة كما أنّه لم تسجل أي حالة ترحيل».
بالمقابل، نبّه نديم حوري، نائب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «هيومن رايتس ووتش» من أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في يناير (كانون الثاني): «لا تؤثر سلبا على اللاجئين وحدهم الذين سيفتقدون الكثير من حقوقهم، بل على لبنان باعتبار أنّها تحول غالبية هؤلاء اللاجئين إلى أشخاص لا يملكون أوراقا قانونية موزعين على كامل الأراضي اللبنانية». وقال لـ«الشرق الأوسط»: «السلطات اللبنانية يجب أن تعطي الأولوية في سياسات التخطيط المتبعة للتخفيف من معاناة اللاجئين كما اللبنانيين على أن يترافق ذلك مع الدعم الدولي المطلوب، أما الحديث بالوقت الحالي عن إعادة النازحين إلى مناطق آمنة داخل سوريا، فلا نعتقد أنّه ممكن بغياب المقومات المطلوبة خاصة مع عودة الوضع في الداخل السوري إلى هشاشته السابقة وارتفاع نسب القتلى من المدنيين».
وقسّمت الإجراءات الحكومية اللبنانية الأخيرة اللاجئين الذين يتقدمون لتجديد إقاماتهم إلى فئتين، المسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، وغير المسجلين الذين عليهم الحصول على كفيل لبناني ليقيموا شرعيا، ودفع رسوم تقدر بمائتي دولار سنويا.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.