العلاج.. بالروايات

صارت تدرج ضمن العقاقير حسب برنامج جديد في المملكة المتحدة

العلاج.. بالروايات
TT

العلاج.. بالروايات

العلاج.. بالروايات

في إطار تعاون واسع بين جهات طبية، ثقافية وخيرية، أطلق في المملكة المتحدة مؤخرا برنامج جديد، يمكن من خلاله للأطباء أن يصفوا بعض الروايات والسير الشخصية وكتب التطوير الذاتي للمراهقين؛ بصفتها علاجات أو جزءا منها في بعض الحالات، كالأمراض النفسية أو المستعصية أو الغريبة. ويتوجه هذا البرنامج، الذي يقوم على تعاون بين جمعيات ومؤسسات ثقافية عدة مع الهيئة الطبية القومية في المملكة المتحدة، إلى المراهقين بين 13 - 18 عاما، موفرا للأطباء قائمة من 35 كتابا مختارة، نصفها تقريبا روايات تساعد المراهقين المرضى على فهم أفضل للأمراض التي قد يعانونها ولتأثيراتها المحتملة في حياتهم اليومية كما النفسية.
هذا، وقد تم اختيار الكتب الخمسة والثلاثين بالتعاون بين مجموعة من الأطباء والمستشارين الاجتماعيين، وعدد من المراهقين الذين قرأوا بعض الأعمال في تجربة علاجية سابقة.
ينضم هذا البرنامج إلى سلسلة مبادرات بريطانية ناجحة سابقة لاستخدام الكتب علاجات، ومنها برنامج موجه للكبار الذين يعانون الاكتئاب والمشاكل النفسية أطلق عام 2013، وبرنامج آخر لمساعدة الذين يعانون خرف الشيخوخة وعائلاتهم أطلق العام الماضي. وتقول هيئة القراءة في بريطانيا إن «هذين البرنامجين أوصلا كتبا إلى أكثر من نصف مليون مريض في المملكة إلى الآن، وأن استعارة الكتب الموجودة على قوائمهما (العلاجية) من المكتبات العامة ارتفعت بنسب غير مسبوقة (أكثر من 345 في المائة)».
ميزة البرنامج الجديد الموجه للمراهقين، أنه يضم إلى جانب الكتب المتخصصة أعمالا أدبية من سير شخصية وروايات تعالج إطارا واسعا من المشاكل التي يواجهها الجيل الجديد، كالقلق المفرط، الاكتئاب، الميول الانتحارية، اختلالات الشخصية، الاعتداءات الجنسية والتشوهات الجسدية نتيجة الحوادث، إضافة إلى بعض الأمراض غير المألوفة، كالسرطان ومتلازمة إسبيرغر مثلا.
«أعتقد أن الأعمال الأدبية تظل أفضل في إيصال المعلومة للمراهقين مقارنة بالنصيحة المباشرة»، يقول أحد المراهقين الذين شاركوا في اختيار قائمة الأعمال المدرجة على لائحة العلاجات «فالمراهقون عموما، لا يحبون تلقي المواعظ من الكبار». ويعتقد أحد الروائيين الذين أدرجت كتبهم ضمن قوائم العلاج، بناء على ما يتلقاه من رسائل القراء، أن «الروايات تخلق فضاءات آمنة للمراهقين، حيث يسهل دائما الحديث عن شخصيات الرواية وما تتعرض له من أحداث وتقلبات في المشاعر، بدلا من دفع المراهقين للتحدث عن مشاكلهم الذاتية مباشرة».
وفي تقارير السلطات البريطانية، أن واحدا على الأقل من كل عشرة مراهقين في المملكة المتحدة يعاني بالتأكيد واحدة من المشاكل النفسية العميقة، وهذه الأمراض النفسية تكلف اقتصاد البلاد مبالغ طائلة، سواء في تقديم العلاج أو في فقدان الإنتاجية الذي تتسبب فيه، كما تتسبب الضغوط المعاصرة في ازدياد مطرد في أعداد المرضى الذين يعانون حالات نفسية حادة؛ فانتشار الطلاق والتفسخ الأسري وضغوط الامتحانات المدرسية، كما امتحانات التأهيل للجامعات والتواصل الاجتماعي المتواصل 24 ساعة يوميا في الفضاء الافتراضي وانتشار التنمر في المدارس العامة، كل ذلك يجعل الهيئات الطبية غير قادرة على تقديم مستوى كافٍ من الدعم النفسي لجميع المحتاجين، وتجعل أوقات الانتظار لمقابلة المرشدين الاجتماعيين والأطباء المختصين تتجاوز أشهرا عدة في أغلب الحالات. ولذلك؛ فإن برامج تخصيص الكتب والروايات بصفتها جزءا من العلاج يمكّن الأطباء العامين من تقديم شكل فاعل من المساعدة للمرضى في وقت قريب يساعدهم في فهم حالاتهم، ويفتح أمامهم آفاقا أوسع للحوار مع الأطباء النفسيين المختصين إذا احتاج الأمر.
لكن اللطيف، أن الأعمال الروائية لم تصل إلى هذه النقطة المبهرة في التجربة البشرية من ناحية انتزاع الاعتراف بقدرتها على التأثير الإيجابي في البشر لدرجة إدراجها ضمن العقاقير التي يمكن أن يصفها الأطباء علاجا، إلا بعد مراحل طويلة من التعامل السلبي معها، واعتبارها «مضيعة للوقت» و«مظلمة» و«سما زعافا». فرغم الانتشار الهائل للروايات والمسرحيات في العالم الأنجلو - ساكسوني في القرن التاسع عشر، حين كانت أعمال أوسكار وايلد مثلا تثير اهتماما أكبر بكثير من الحروب النابليونية، فإن رجال المؤسسة الدينية شنوا حروبا هوجاء ضد قراءة الروايات، ونصحوا أتباعهم بالامتناع عنها بوصفها «تجعل القراء يتقمصون شخصيات وهمية يمكنها تحقيق المستحيلات، وينتهون إلى فقدان إحساسهم بالواقع»، وأن الروائيين في محاولتهم تقديم «معنى لحياة مليئة بالفوضى والمصادفات العشوائية فإنهم يجعلون قراءهم يشعرون بقوة وهمية وسيطرة غير واقعية على حيواتهم». سقراط الحكيم نفسه حذّر من جعل القراءة أمرا في متناول العقول غير المتدربة، وشبهها بالعقاقير التي إن لم يصرفها لك طبيب ماهر فإنها قد تقضي عليك.
وقد حصلت بعض الروايات على سمعة سيئة، غير مثبتة علميا، عن دورها في إفساد عقول أجيال من الناشئة والنساء خصوصا، وأنها تدفع ضعاف العقول إلى الانتحار، أو تثير فيهم معاناة هائلة وتدفعهم لسلوكيات قد لا تقرها مجتمعاتهم. فرواية (مدام بوفاري) لجوستاف فولبير اعتبرت أنها قد تسببت في خراب بيوتات كثيرة، وأنها جعلت آلاف النساء تعاني مشاعر أشبه بالمرض النفسي، ودفعت الكثيرات منهن إلى انتهاج طريق الخيانة. أيضا رواية (أحزان الشاب فيرتر) ليوهان غوته اتهمت بالتسبب في حالات انتحار، من دون إثبات ذلك بالطبع، وأنها عمل «مسموم». ويذهب تقرير لجمعية نيويورك لمكافحة الرذيلة الصادر عام 1857 إلى القول: إن «بعض الأعمال الروائية تثير مشاعر جارفة، وإدخالها البيوت أشبه بإدخال الفيروسات إلى الجسم». وليس الأمر مقتصرا في ذلك بالطبع على أزمنة بدايات ظهور الرواية بصفتها عملا أدبيا، بل إن تيارا قويا معاصرا بين طلاب الجامعات في العالم الغربي اليوم يطالب بحماية الناشئة وذوي الحساسية العالية من التعرض للأعمال الأدبية التي قد تثير فيهم مشاعر قوية، وذلك من خلال وضع تحذيرات عن المحتوى، كما هو الحال في الأفلام السينمائية أو السجائر مثلا. وهكذا، فإن عملا كلاسيكيا مثل قصائد أوفيد، ينبغي له أن يكون مسبوقا بتحذير عن المحتوى المفرط بجرعات العواطف.
بالطبع، فإن الروايات ليست بريئة تماما من قدرتها على التأثير في عقول البشر، فلا شك أن مجرد انخراطنا في القراءة يعني بالضرورة أننا سلمنا مقود القيادة والتوجيه للروائي ليأخذنا حيثما شاء. فهي قد تجعلنا نتقبل جرعة أعلى من أعمال العنف وتجمّلها في إطار نثر مبهر (رواية «حديقة العذاب لميرابو» مثلا) أو تجعل النساء يتقبلن الأدوار الكلاسيكية التي تفرضها عليهن الأفكار الذكورية المحضة بوصفهن أدوات للمتعة («خمسون درجة من الرمادي» لـإل إي جيمس)، وأيضا باستطاعتها أن تصوغ تصورنا الكلي عن العالم أو صورتنا عن ذواتنا، وتجعلنا حينئذ مطواعين للتشكل لمن يمتلك أدوات الهيمنة الفكرية، الإبداعية والإعلامية خصوصا إذا لم تتوفر لدينا، اختياريا أو إجباريا مصادر أخرى للمعلومات.
تجربة الكاتبة النيجيرية تشيماماندا أديتشي، كما وصفتها في حديثها ضمن سلسلة تيد 2009، مثال ساطع عن ذلك. تقول إنها في بداية حياتها اقتصرت قراءاتها على روايات كتبت في العالم الأنجلو ساكسوني. وهذا ما مميز أعمالها الأدبية الأولى باستحواذ أبطال ذوي بشرة بيضاء وعيون زرقاء على جل الشخصيات المتخيلة، الذين كانوا يلعبون دائما في الثلج ويأكلون التفاح الأخضر، ويتحدثون كثيرا عن الطقس ويسعدون بشروق الشمس. «لم أكن حينها قد خرجت من نيجيريا» تقول أديتشي: «فهنا بشرتنا سوداء، لا نعرف ما هو الثلج، نأكل المانجو، ولا نتحدث في حياتنا اليومية عن الطقس أبدا، ولهذا تحولت الشخصية الأفريقية في أعمالي، أنا ابنة أفريقيا، إلى صورة سلبية نقيض عن كل ما هو بريطاني أبيض».
إذن، هل نقرأ الروايات ونتركها على رفوف مكتباتنا مباحة لأبنائنا؟
ينصح الخبراء القراء باستحضار الوعي الكامل المسبق سلاحا يساعد على عدم انزلاق العواطف وإثارة انفعالات غير المرغوبة، أو تقليلها إلى أدنى حد ممكن، عند قراءة الأعمال الروائية التي يعتبرونها نشاطا عظيما لبناء العقل وتقوية القدرة على التفكير وتحسين أداء الدماغ عموما.
ولكن هل يمكن فعلا استحضار الوعي الكامل أمام عوالم بروست (في البحث عن زمن ضائع) أو تولستوي في (آنا كرنينا) وهي التي تأخذ بلباب العقول والقلوب ويصير الاستسلام أمامها جزءا لا يتجزأ من تجربة القراءة في بحث الإنسان الأبدي عن المعنى؟



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».