حكاية «قطرة».. رحلة عناء أطفال الهند بحثًا عن الماء

أقسى موجة جفاف تطال البلاد منذ استقلالها قبل 7 عقود

نقص المياه ترك آثاره على حياة أكثر من ربع سكان الهند حيث تسبب في جفاف مخزونات المياه وهلاك المحاصيل والماشية
نقص المياه ترك آثاره على حياة أكثر من ربع سكان الهند حيث تسبب في جفاف مخزونات المياه وهلاك المحاصيل والماشية
TT

حكاية «قطرة».. رحلة عناء أطفال الهند بحثًا عن الماء

نقص المياه ترك آثاره على حياة أكثر من ربع سكان الهند حيث تسبب في جفاف مخزونات المياه وهلاك المحاصيل والماشية
نقص المياه ترك آثاره على حياة أكثر من ربع سكان الهند حيث تسبب في جفاف مخزونات المياه وهلاك المحاصيل والماشية

مرحبًا بكم في منطقة ماراثفادا الواقعة بولاية ماهاراشترا، غرب البلاد، حيث بلغت درجة الحرارة 45! بالنسبة لسونيتا التي لا تتجاوز العاشرة من عمرها، يبدأ اليوم في السادسة صباحًا عندما تخرج هي وشقيقاها الأصغر، 7 و8 سنوات، لمرافقة والدتهما إلى بئر بعيدة.
بعد ذلك، ينتظرون حلول وقت العودة، الذي قد يأتي في غضون ساعة أو ربما أطول، ويعيدون الرحلة أربع أو خمس مرات في الصباح، ثم يكررون الجولة ذاتها مساءً بعد الرابعة عصرًا.
وتعد سونيتا واحدة من أطفال كثيرين بدأوا يتولون مسؤولية جلب المياه لأسرهم، مما يضطرهم لقطع عدة كيلومترات يوميًا على نحو متكرر، بحثًا عن الماء داخل مناطق هندية ضربها الجفاف.
ومع خوض الهند معركة شرسة في مواجهة أقسى موجة جفاف تضربها منذ نيل الاستقلال منذ عقود عام 1947، شكلت ندرة المياه الدافع وراء حالات انتحار وموجات هجرة وتوترات اجتماعية وإلغاء أعداد لا حصر لها من الزيجات والعمليات الجراحية بالمستشفيات ووفيات بين الأطفال.
في الواقع، لا يحالف الحظ جميع الصغار الذين يتحملون مسؤولية جلب المياه لأسرهم، مع ارتفاع معدلات الوفيات في صفوفهم جراء ارتفاع درجات الحرارة أو الجفاف أو حتى السقوط داخل آبار المياه.
من بين الضحايا يوغيتا ديساي، 12 عامًا، التي توفيت أخيرا جراء إصابتها بـ«ضربة شمس» أثناء جلبها المياه في خامس جولة تقوم بها. أما راجشري كامبل، 10 سنوات، وكومال جاغتاب، 9 سنوات، فقد لقيا حتفهما بعد سقوطهما داخل إحدى الآبار أثناء جلب مياه منها. وقد ارتطمت رأسيهما بقاع البئر نظرًا لانخفاض منسوب المياه به.
الملاحظ أن نقص المياه ترك آثاره على حياة أكثر من ربع سكان الهند، حيث تسبب في جفاف مخزونات المياه وهلاك المحاصيل والماشية. واضطرت السلطات لتكليف قوات من الشرطة بحراسة آبار المياه لضمان عدم سرقة المياه ولتحديد حصص محددة منها لكل فرد وضمان الالتزام بالامتناع عن زراعة محاصيل بعينها تستهلك كميات ضخمة من المياه، مثل قصب السكر.

* ما سر أزمة المياه في الهند؟

* تسبب نقص في الأمطار على مدار عامين متتاليين في نقص خطير بالمياه داخل كثير من الولايات. جدير بالذكر أن الهند تحصل على 75 في المائة من أمطارها السنوية خلال موسم الرياح الموسمية الممتد من يونيو (حزيران) حتى سبتمبر (أيلول). ويعتمد ري ما يقرب من 60 في المائة من الأراضي الزراعية بالبلاد على الأمطار. وعليه، فإن نقص الأمطار قد يخلف نتائج كارثية بالنظر إلى أن قرابة نصف سكان البلاد البالغ إجمالي عددهم 1.3 مليار نسمة يعملون بمجال الزراعة، التي تشكل نحو 18 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي للبلاد البالغ تريليوني دولار.
علاوة على ذلك، فإن الزراعة المكثفة لمحاصيل تتطلب كميات ضخمة من المياه، مثل الأرز وقصب السكر تسببت في تفاقم أزمة ندرة المياه. وتشير الأرقام إلى أن ما يصل إلى 70 في المائة من المياه التي تنقلها البنية التحتية للري المحدودة داخل الهند، يتجه نحو حقول قصب السكر ببعض الولايات. وعليه، فإنه ليس من قبيل المصادفة أن نجد الولايات المنتجة للسكر مثل ماهاراشترا وأوتار براديش كانت من بين الأكثر تضررًا جراء أزمة المياه.

* حوادث الانتحار

* بسبب فقدان المحصول وخوفًا من تداعيات القروض المصرفية التي حصلوا عليها، قرر أربعة من أفراد أسرة المزارع دينيش دنيانسنغ الانتحار. وبالفعل تجرعوا جميعًا السم، ليلقى ثلاثة منهم مصرعهم، بينما لا يزال واحد يصارع الموت في المستشفى.
وكان من شأن موجة الجفاف الشديدة، إضافة إلى ارتفاع درجات الحرارة على نحو قياسي مع اتباع أساليب زراعية رديئة، تراجع الإنتاج الزراعي على نحو بالغ، ما دفع بالمزارعين إلى هاوية الفقر.
حتى مارس (آذار) 2016، أقدم ما يصل إلى 316 مزارعًا على الانتحار بسبب انهيار المحصول جراء أزمة المياه. من بين الضحايا المزارع شيفانابا، 45 عامًا، الذي قتل نفسه بعد ضياع محصوله وتراكم ديون على كاهله بقيمة 6000 دولار. وأشارت صحيفة «تايمز أوف إنديا» إلى أنه عندما عثرت عليه زوجته مقتولاً، سكبت كيروسين على نفسها وطفلتيها، 8 و6 سنوات، وأضرمت النيران ليلقوا جميعًا مصرعهم.
من جانبه، نفى الخبير الهندي البارز بقضايا المياه راجيندرا سنغ أن يكون الجفاف ناجمًا عن أسباب تتعلق بالطبيعة، مؤكدًا أن هذه الأزمة «من صنع الإنسان وتتحمل سياستنا التنموية القدر الأكبر من اللوم عنها»، جدير بالذكر أن سنغ حصل العام الماضي على جائزة ستوكهولم للمياه، التي تكافئ جائزة نوبل بمجال إدارة المياه.
على الجانب الآخر، وقف المزارع زام الله، 65 عامًا، تحت أشعة الشمس المحرقة داخل حقله الخراب، وقال: «التساؤل الوحيد الذي يتردد في ذهني: هل سيكون المطر جيدًا هذا العام؟»، كانت أربعة أعوام من الجفاف قد اضطرت أسرته للحصول على قرضين وبيع ثلث ما يملكونه من أرض، واضطرته للقيام بأعمال يدوية بسيطة لكسب القوت.

* حراسة مسلحة

* سافرت «الشرق الأوسط» إلى أكثر الجيوب تأثرًا بالجفاف داخل منطقة ماهوبا في بندلكهاند بوسط الهند، حيث جرى نشر عناصر شرطية مسلحة حول آبار المياه والقنوات، وذلك بعد أن تفشت حوادث سرقة المياه واندلعت مشاحنات غاضبة بين المواطنين حول المياه.
كان المزارع هيرا لال ياداف بين الكثيرين الذين ألقي القبض عليهم بتهمة سرقة المياه. كان هيرا قد سرق عدة لترات من المياه من خط إمداد المياه وخزنها في حفرة لري محصوله، الذي خشي أن يهلك مثلما حدث العام الماضي. عن هذا، قال سيروهي، الذي استعانت به بلدية المنطقة لحراسة سد مياه: «الماء أصبح أثمن من الذهب بهذه المنطقة».
وأضاف: «إننا نتولى حراسة السد على مدار اليوم لأن المزارعين من ولاية أوتار براديش المجاورة يسرقون المياه لإنقاذ محاصيلهم»، واستطرد أن «مياه النهر لن تدوم طويلاً ولن نجد مياهًا كافية للشرب».
وعلق ضابط شرطة محلي رفض كشف هويته، على الوضع بقوله: «لم يكن قط بهذا السوء، فهذه المرة الأولى التي يتحول الشجار حول المياه إلى معارك. إنها المرة الأولى التي أستعين فيها برجالي ليس لردع الجرائم، وإنما لحماية المياه».
وقالت مونا، مقيمة بقرية أششارا، واحدة من القرى التي ضربها الجفاف، بينما كانت ترقد أمامها بقرة ميتة على قطعة قاحلة من الأرض: «عندما يواجه الناس نقصًا شديدًا بمياه الشرب، فمن يملك توفير المياه للحيوانات؟ إننا نشعر بالعجز، وأصبح لكل قطرة مياه قيمتها الكبيرة».
من ناحية أخرى، ورغم أنه من المتوقع أن يحمل موسم الرياح الموسمية المقبل بعض الإغاثة، فإن التحدي على المدى البعيد يبقى قائمًا بسبب التنافس على المياه الجوفية الشحيحة والإمدادات السطحية فيما بين المزارعين والمصانع والمدن.
حتى مياه الشرب أصبحت تواجه مشكلة، واستعانت الحكومة بشاحنات لنقل الديزل في توفير إمدادات مياه شرب لبعض المناطق، بعد تنظيفها.
من بين المناطق الأخرى الأكثر تضررًا من الجفاف، التي زارتها «الشرق الأوسط»، لاتور. واشتكى أحد سكان المنطقة ويدعى غوغون: «كنا من قبل نحفر لأعماق تصل إلى 15 مترًا بأيدينا ونجد مياهًا جوفية بكميات وفيرة. أما الآن، فإننا نحفر لأبعد من 700 متر دونما جدوى».
وقد شرعت السلطات البلدية هنا في توزيع المياه في صورة حصص وتوقفت عن توفيرها عبر الصنابير. ويجري توزيع 300 لتر على كل أسرة مجانًا أسبوعيًا، بينما تبلغ حاجة الفرد من المياه في المتوسط 85 لترًا يوميًا.
وبقلب مدينة لاتور يصطف الناس، معظمهم من السيدات والأطفال لمدة تصل لساعتين يوميًا للحصول على بعض من مياه الشرب من إحدى الآبار. وتكفل أوتامراو موري، ضابط شرطة متقاعد، بمهمة ضمان حصول على فرد على قدر متساو من المياه.
المحزن أنه عبر المناطق المتضررة، تعرضت المئات من خطط الزواج والعمليات الجراحية بالمستشفيات للإرجاء لعجز المزارعين عن توفير التكاليف بعد عامين من القحط.
من جهتها، تنوي الحكومة الهندية برئاسة مودي إحياء خطة يعود تاريخها إلى 30 عامًا لربط أنهار الهيمالايا وشبه القارة الهندية لتوجيه المياه نحو المناطق التي تعاني عجزًا بالمياه.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».