اليونان تواصل إخلاء مخيم إيدوميني.. وتفصل بين الجنسيات تجنبًا لصدامات

لاجئون يروون لـ«الشرق الأوسط» أسباب تشبثهم بالبقاء في المخيم

مهاجرون ولاجئون يحملون أمتعتهم استعدادا لمغادرة مخيم إيدوميني أمس (أ.ف.ب)
مهاجرون ولاجئون يحملون أمتعتهم استعدادا لمغادرة مخيم إيدوميني أمس (أ.ف.ب)
TT

اليونان تواصل إخلاء مخيم إيدوميني.. وتفصل بين الجنسيات تجنبًا لصدامات

مهاجرون ولاجئون يحملون أمتعتهم استعدادا لمغادرة مخيم إيدوميني أمس (أ.ف.ب)
مهاجرون ولاجئون يحملون أمتعتهم استعدادا لمغادرة مخيم إيدوميني أمس (أ.ف.ب)

استمرت الشرطة اليونانية أمس، لليوم الثاني علي التوالي، في عملية إخلاء مخيم إيدوميني على الحدود مع جمهورية يوغسلافيا السابقة مقدونيا، لنقل أكثر من ثمانية آلاف مهاجر ما زال يكتظ بهم المخيم المفتوح إلى مراكز إيواء قريبة، بعد أن نقلت أكثر من ألفي شخص خلال يوم الثلاثاء.
وتم نقل اللاجئين إلى سبع مناطق بالقرب من مدينة ثيسالونيكي، ثانية أكبر المدن اليونانية بعد العاصمة أثينا، إلى مناطق مصانع قديمة ومراكز إيواء تابعة للبلديات. ورغم أنها غير مجهزة لدرجة كبيرة، إلا أنها أفضل بكثير جدا من البقاء في العراء بجوار الحدود.
ونقلت الحافلات الأولى المهاجرين إلى مراكز إيواء في سيندوس ودريفني، والمنطقة الصناعية في ثيسالونيكي، إلا أن نحو مائة مهاجر منهم رفضوا الدخول إلى أحد المراكز وغادروا سيرا على الإقدام إلى وسط المدينة وفقا للشرطة وشهود عيان.
واستطلعت «الشرق الأوسط» بعض ردود فعل اللاجئين، حيث قال دياب حسن، وهو سوري، إنه كان لا يريد المغادرة من إيدوميني، ولكن شعوره بالإحباط الكبير لعدم الاهتمام بقضيته، جعله يكون من أول اللاجئين الذين بادروا بمغادرة المخيم، موضحا أنه كان يعيش في خيمة صغيرة هو وزوجته وأطفاله الثلاثة، بينهم رضيع منذ أكثر من شهرين.
أما لطفي، وهو كردي من عفرين ويبلغ من العمر 21 عاما، فقال إنه لن يغادر إيدوميني، لأنه بمغادرته هذا المكان لن يحقق حلمه وطموحاته في الذهاب إلى أوروبا واستكمال تعليمه.
وجاءت عملية الإخلاء بمبادرة من السلطات اليونانية التي تخشى من تفشي الأمراض بين الآلاف من اللاجئين، خصوصا في فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وأيضا بسبب سوء المعيشة والأحوال الجوية السيئة التي تعرض لها المخيم في الأيام الأخيرة من تساقط أمطار غزيرة وشدة الرياح، إلى جانب بدء ظهور بعض الجرائم مثل بيع المخدرات والسرقات.
وذكر مصدر في الشرطة اليونانية التي نشرت لهذه العملية نحو 700 عنصر مدعومين بمروحية وعشرات المدرعات، أن عملية الإخلاء استؤنفت في الساعة 4:00 بتوقيت غرينتش، وأن هناك أملا بالتوصل إلى نقل العدد نفسه من الأشخاص تقريبا الذي تم نقله الاثنين، وهو أكثر من ألفي لاجئ، موضحا أن العملية تتواصل بصورة طبيعية وبهدوء، مشيرا إلى أنه لن يتم السماح أيضا لوسائل الإعلام بالاقتراب من المخيم باستثناء التلفزيون العام اليوناني (اي آر تي) ووكالة الأنباء الرسمية.
ووفقا للإحصائيات الرسمية التي أصدرها الجهاز اليوناني لتنسيق أزمة الهجرة، فإنه خلال يوم الاثنين تم إجلاء 2031 مهاجرا ولاجئا علي متن 42 حافلة، 662 سوريا و1273 كرديا من سوريين وعراقيين وأتراك، و96 آيزيديا، فيما تم خلال اليوم الثاني وحتى وقت كتابة الخبر إجلاء نحو 300 شخص، وتم نقلهم أيضا إلى مخيمات شمال البلاد.
وأعربت وزارة الأمن العام اليونانية عن ارتياحها لـ«حسن سير المرحلة الأولى من عملية» إزالة المخيم التي سوف تستمر ما لا يقل عن أسبوع، فيما يوجد الكثير من القوات أيضا في المراكز التي ينقل إليها اللاجئون تخوفا من أي ردود فعل محتملة.
وتهدف العملية، التي رحبت بها المفوضية الأوروبية، إلى إجلاء آلاف المهاجرين المقيمين منذ أشهر في المخيم في ظروف صعبة غالبا ما نددت بها المنظمات الإنسانية، كما تعتزم الشرطة منع أي مهاجرين من مواصلة نصب خيم في نقاط أخرى من المنطقة الحدودية.
وقد أثار اكتظاظ المخيم بالمهاجرين استياء متزايدا بين المزارعين المحليين وتوترا مع مقدونيا المجاورة، ووقعت حوادث متكررة بين المهاجرين والشرطة، واحتج المصدرون على قيام المهاجرين في أحيان كثيرة بعرقلة حركة القطارات مع شمال أوروبا.
واستعدادا للرحيل قام الكثيرون، وبينهم عائلات مع أطفال، بجمع أغراضهم في أكياس نفايات، وآخرون كدسوها في عربات للأطفال. وكان الجميع ينتظر وينظر إلى الحافلات ولا يعرفون إلى أين سوف يتم اقتيادهم. وقال مصدر أمني: «إننا نحاول الفصل بين الجنسيات لتفادي الاحتكاكات فيما بينها التي غالبا ما تحصل.. كما رأينا في الآونة الأخيرة».
وعلق آلاف المهاجرين واللاجئين من سوريين وعراقيين وأفغان وباكستانيين وإيرانيين ومغاربة، في مخيم إيدوميني بعد مارس (آذار) الماضي عند إغلاق طريق البلقان التي كانوا يسلكونها للوصول إلى أوروبا الشرقية، وقبل نحو شهرين قام عدد من اللاجئين بنصب خيامهم على شريط السكة الحديد ليقطعوا طريق القطارات بين اليونان وأوروبا، ليتم تسليط الضوء علي قضيتهم.
من جانبها، أكدت المنظمات غير الحكومية القليلة التي بقيت في المكان عدم استخدام العنف، لكنها أبدت مخاوف حيال قدرتها على التكفل بمن تبقى في المخيم وتأمين الطعام والعناية، بعد تخفيض عدد عناصرها التي سمحت الشرطة ببقائهم في المخيم. فيما دعت بعض المنظمات أثينا إلى ضمان ظروف استقبال صحية وكريمة، وخصوصا توفير فرصة إتمام إجراءات طلب اللجوء وإعادة التوزيع في بلدان أوروبية أخرى، منتقدة في الوقت نفسه طريقة تعامل الاتحاد الأوروبي مع أزمة المهاجرين.
في غضون ذلك، أعلنت بعض وسائل الإعلام عن استقبال إسبانيا 20 لاجئا سوريا وعراقيا، وصلوا إلى مدريد أول من أمس الثلاثاء، قادمين من أثينا، ويمثل هؤلاء اللاجئون أول مجموعة من اللاجئين الذين تستقبلهم مدريد من اليونان، في ظل برنامج أوروبي يهدف لتوزيع 160 ألفا من طالبي حق اللجوء من سوريا والعراق وإريتريا في الاتحاد الأوروبي.
وكانت إسبانيا قد وافقت على قبول 16 ألف لاجئ في ظل البرنامج الأوروبي في الفترة بين 2016 و2017، ومن بين اللاجئين الذين وصلوا إسبانيا من أثينا 7 رجال و5 نساء و8 أطفال، والمجموعة مكونة من ثلاث أسر وامرأة وثلاثة رجال دون مرافقين.



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.