سليمان لـ «الشرق الأوسط»: استمرار الفراغ الرئاسي سببه تقديم المصلحة الشخصية على الوطنية

آخر رؤساء لبنان.. تسلم رئاسته من الفراغ وسلمها إليه

الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان (غيتي)
الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان (غيتي)
TT

سليمان لـ «الشرق الأوسط»: استمرار الفراغ الرئاسي سببه تقديم المصلحة الشخصية على الوطنية

الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان (غيتي)
الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان (غيتي)

عندما وصل الرئيس اللبناني السابق ميشال سليمان إلى سدة الرئاسة في عام 2008، لم يجد من يتسلم منه مقاليد الحكم، لأن منصب الرئيس كان شاغرًا لأشهر. وتكرر الأمر نفسه عندما غادر منصبه بعيد انتهاء ولايته، إذ لم يجد من يسلمه الرئاسة التي شغرت مرة جديدة، بسبب عدم قدرة الفرقاء المحليين الاتفاق على اسم توافقي.
بعد سنتين من الفراغ، يتحدث الرئيس ميشال سليمان لـ«الشرق الأوسط» من منزله في محلة اليرزة. وكان حوارًا على شرفة تطل على مقر قيادة الجيش التي قضى فيها تسع سنوات، ومقر رئاسة الجمهورية التي قضى فيها ست سنوات أخرى، كانت حبلى بالتطورات السلبية، وانتهت بلبنان إلى فراغ جديد. ويُحمّل الرئيس سليمان ما يسمى «حزب الله» المسؤولية المباشرة عن الفراغ الرئاسي، كما يحمل بقية الفرقاء السياسيين مسؤولية عدم القدرة على الخروج بحلول لأزمات لبنان، ومنها أزمة الفراغ الرئاسي، منددًا بمحاولات فرض قانون انتخاب جديد قبل انتخاب رئيس للجمهورية، معتبرًا أن هكذا مجلس لن يكون دستوريًا، وسيكون أشبه بالمؤتمر التأسيسي. وفي ما يأتي نص الحوار:
* ما الذي أوصلنا إلى إتمام السنتين من الفراغ؟
- ببساطة عدم تقديم المصلحة الوطنية على المصلحة الشخصية، وعدم التزام الوسيلة الديمقراطية كحكم. كل شخص يريد أن يكون هو، لكن هناك شيئًا اسمه نظام ديمقراطي وانتخابات، فيجب أن ننتخب، إذا قدمنا المصلحة الخاصة ولم نطبق الديمقراطية، التي نحن متفقون عليها من خلال انتخاب الرئيس، فساعة نريد أن نقوم باستفتاء، وساعة نريد أن نعدل الدستور.
* ليست المرة الأولى التي ندخل بها بالفراغ، فأنت تسلمت من الفراغ وسلمت الفراغ.. فأين جوهر المشكلة؟
- نعم للأسف، وهذا سبب إضافي لنقول إننا لا نتعلم، وفراغ المرة الماضية أدى إلى حوادث 7 (اجتياح ما يسمى «حزب الله» وحلفائه لبيروت والجبل)، وذهبنا إلى الدوحة، لنتفاهم على الانتخاب، في حين أنه كان متفقًا على اسمي، وكان هناك تأييد لي من عدة أطراف، وجاء التأجيل مرتبطا بشروط أخرى، حاولوا فرضها ولم أقبلها. عندما نتكلم اليوم عن السّلة، فهي سوف تعرقل الانتخاب بالتأكيد. فلا يوجد رئيس يسير بالسلة سلفا، وعندما لم أمش أنا بالسلة سابقا تأجلت الانتخابات، من الأشخاص الذين كانوا يؤيدونني أيضا. الديمقراطية لم تصنع لناس تتصرف قبليا، بل لأشخاص يحتكمون لها، كما تحتكم للدستور والقانون، فالديمقراطية هي نظام يحتكم إليه الإنسان. هناك عدم رقي، وعدم أهلية لممارسة الديمقراطية.
* هل هناك طرف محدد مسؤول عما وصلنا إليه الآن؟
- طبعا، وهو ما يسمى «حزب الله»، لأنه يقول إنه يساند حليفه (العماد ميشال عون،) الذي يقول إنني لا أقبل برئيس إلا أنا. من الناحية الأخلاقية قد يكون من حقه مساندة حليفه، لكن الوطن أهم من كل شيء، وأهم من حليفه. وأنا أطلب مما يسمى «حزب الله» أن يذهب إلى المجلس وينتخب، لما لا؟ أم أنه إن لم تتأمن الأكثرية لحليفه فلا يذهب إلى المجلس، فأنا أرى هذا الشيء مستغربا.
* هل ترى الأمور مرشحة للمزيد من الفراغ؟
- بدأوا ينادون بانتخابات المجلس النيابي، وفتحنا بابا جديد بهذا الموضوع، كأننا أجلنا البحث بموضوع الرئاسة، فيما يجب ألا يكون هناك أي بحث بأي موضوع إلا بانتخاب الرئاسة، وأن نصب الجهود على انتخاب الرئيس. هذا منطق ضائع، فلا يمكن أن تقوم بقانون انتخاب أن لم يكن هناك رئيس للجمهورية، لأن قانون الانتخاب دقيق ويؤثر بتكوين السلطة السياسية كلها ولعشرات السنين، وهذا غير ممكن دون سلطة رئيس الجمهورية الذي له سلطة حق رد القوانين. دستوريًا هناك سلطة ناقصة لها دور كبير جدا بإصدار القوانين ونشرها. أن هذا الأمر غير دستوري وأي انتخاب يصدر جراء هذا القانون هو انتخاب غير دستوري برأيي، ولو أنتج مجلسًا نيابيًا، فيصبح هذا يشبه المؤتمر التأسيسي.
أظن أننا لن نصل إلى قانون انتخاب جديد، سوف نبقى على القديم، الذي سينتج سلطة مشابهة والفرق بالناقص أو الزائد اثنين إلى أربعة أشخاص مثلا. قدرة التعطيل موجودة عند أي طرف، ونكون قد رجعنا إلى الموضوع نفسه. والبلد يخسر سنين وأشهرا وموضوع اللاجئين (السوريين) الذي يشكل ضغطا كبيرا علينا لأن ليس هناك سلطة متكاملة تواكبه، كي تتعاون من أجل إعطاء الرأي والموقف المناسب في كل ظرف.
* سنتان من الفراغ ماذا فعلتا بلبنان؟
- أخرتا لبنان كثيرا عن ركوب التطور والإنماء وهذا أهم شيء، وعندما تقول إنماء ليس فقط أن تأتي الناس بالمال، بل الإنماء يلحق بالعلم والأخلاق والأنظمة والقوانين والاقتصاد، فهو عملية شاملة تطال كل شيء. ومن الغريب أن ترى كل الدول تتطور، ومع تعاظم الثورة الرقمية، الثورة الصناعية الرابعة، ويبقى لبنان منطقة بعيدة عن العالم لا يقصدها إلا عند الاضطرار، اللجان والوفود والبعض القليل من السياح. بينما يجب أن تكون الأمور صعودا.
في كل دول العالم كبيرة أو صغيرة هناك حركة تبادلية تجارية وسياحية وثقافية قوية. ونحن الآن الأمور منحسرة، ولولا اللبنانيون المنتشرون خارج لبنان كنا سننعزل نهائيا عن العالم، الذين نحشرهم مرات كثيرة بمواقف لنخرب لهم بيوتهم وأرزاقهم، وبالتالي نخرب بيوتنا في لبنان، كما حصل مع اللبنانيين بالخليج. أنا هنا لا أقول إن الخليج على حق بذلك، لكن أيضا نحن يجب ألا نفعل ذلك أيضا. يجب ألا نأخذ مواقف عدائية ونخرج من بيئتنا وبعدها نلوم الخليجيين. طبعا أطلب من الخليجيين ألا يقوموا بردة فعل على اللبنانيين، وأعتقد أن هذه الأمور خفت وتيرتها قليلًا هذه الفترة، وأطلب منّا كلبنانيين ألا نحشر أبناءنا المغتربين، فليس هناك سبب لذلك، هل هناك سبب عقائدي؟ هل من أحد قال أيدوا إسرائيل؟ كلا، كل المطلوب هو ألا نتدخل في شؤون غيرنا فقط، التحييد عن الصراعات فقط وليس الحياد الكامل، وألا ندخل بحرب بين دول بين بعضها.
* أين أصبحنا من إعلان بعبدا، الذي أقر في نهاية عهدكم، ونص على تحييد لبنان؟
- لو طبق إعلان بعبدا لما كان هناك فراغ دستوري، ولو استمر الذين وافقوا على إعلان بعبدا على موافقتهم، وتكاتف اللبنانيون من حوله لما كنا وصلنا إلى هنا، في هذا الإعلان ليس فقط تحييد لبنان عن الصراعات بل هناك 16 بندا تصب في مصلحة قيام الدولة والمؤسسات والطائف وأمور كثيرة ولو نطبقها كنا بألف خير.
* ما الذي دفعهم لاستهداف إعلان بعبدا؟ الحياد أم إعلان بعبدا كله لا يريدونه بشكل كامل؟
- أعتقد تحييد لبنان عن الصراعات أكثر شيء، أم أخذوا قرارا، أو أتاهم قرار بالتدخل بسوريا.
* تقصد ما يسمى «حزب الله»؟
- نعم. وعندما أتاهم قرار التدخل أو هم قرروا ذلك، فلا يمكن أن يتمسكوا بإعلان بعبدا ويتدخلوا بسوريا أو غير سوريا.
* هل يحمل هذا الفراغ مخاطر على لبنان ككيان؟
- أكيد. الشعب اللبناني أبدى رغبته بالتمسك بالصيغة اللبنانية بالعقد الاجتماعي المبني بلبنان الذي هو الطائف، وقد برهن بالفترة الصعبة على أنه متمسك وملتزم ولم يحدث أي شيء بعيدا عن التوقع. لكن احترام الدول لنا أصبح منقوصا، فلماذا تسمع الدول رأيك وأنت غير قادر على انتخاب رئيس.
فاليوم دولة فيها سلطة مكتملة تطالب بموضوع تُسمع وتؤخذ بعين الاعتبار أكثر من دولة ليس فيها سلطات دستورية مكتملة عدا عن الخلافات التي تحصل، وفي لبنان دائما هناك تجاذبات. كان الرئيس الذي هو معتبر فوق الجميع هو الذي يمثل لبنان ويتكلم باسمه في الخارج، الآن هناك خلافات، وليس لدينا كبير بلبنان، مع احترامي للموجودين. طبعا الرئيس هو قائد القوة المسلحة الذي يقدر أن يدعمها ويعطيها الأوامر ويتبنى لها أخطاءها إذا أخطأت، أو تقصيها إذا قصرت، ويعطيها الإمكانات عند الحاجة، هذه سلطة ليست قليلة أو سهلة، وبالخارج لديه سلطة مهمة، وبالأمن لديه سلطة مهمة مع القوى المسلحة، وله الحق بالمحافظة على الدستور واحترامه.
* ما رأيك بالنسبة لما يطرح، رئيس لمدة سنتين أو ثلاث؟
- عندما نتفق على رئيس لسنتين، ألا يمكننا أن نتفق على مدة كاملة؟ السنتان عمليًا هما ثماني سنوات، لأن السنتين تعطيان الرئيس حق الترشح لولاية جديدة.
* هل من مخرج أو مبادرة ممكن أن تطرح؟ ما خارطة الطريق التي يمكن طرحها للخروج من الوضع المتأزم؟
- المأزق هو عندما يكون هناك تعزر مادي حقيقي، وعندما يكون المجلس النيابي غير مكتمل، وعندما يكون هناك منع وصول فئة من النواب إلى المجلس النيابي. نحن لسنا في مأزق، بل في محنة، والحل بالديمقراطية والانتخاب وإسقاط الورقة في صندوق الاقتراع ولا يجوز اعتبار أسلوبا جديدا بالديمقراطية الذي هو المقاطعة، وألا هذا الشيء سيفتح على كل شؤون الحياة، ولا تنسى أن المجلس الدستوري عندما اجتمع ليمنع تمديد مجلس النواب، الذي، الآن، هم يبكون عليه، والذي الآن هو مأزق.
عندما مددوا للمجلس النيابي طعنت بأول تمديد، فلم يستطع المجلس أن يجتمع، فأدت هذه المقاطعة إلى التمديد، والتمديد أدى إلى تمديد آخر، إذا هذا المأزق الذي حصل بالمجلس النيابي أوجدناه نحن واعتبرناه مأزقا. والآن نحن أوجدنا مأزقا بالرئاسة، لكن هذا ليس مأزقا، بل انقلاب على الدستور والقوانين.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.