في غياب الدولة وخرق الدستور.. العراق يعيش الفوضى

وزير التخطيط الأسبق لـ «الشرق الأوسط»: السلطة غير متوازنة.. وليست قادرة على حفظ النظام والأمن

صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
TT

في غياب الدولة وخرق الدستور.. العراق يعيش الفوضى

صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى
صورة لأحد شوارع بغداد تبين حجم الفوضى

تتوسط العاصمة العراقية بغداد، في جانب الكرخ، بناية المتحف الوطني العراقي، وهي بناية ضخمة تضم أعظم آثار سومر وبابل آشور والحضارة العباسية، ويتباهى العراقيون بوجود نسخة من مسلة حمورابي (توجد النسخة الأصلية في متحف اللوفر بباريس) بين موجودات المتحف الذي تعرض للسرقة والتخريب إبان الاحتلال الأميركي لبغداد عام 2003، باعتبار أن أولى الشرائع القانونية كتبت في هذه المسلة في بابل، وسط العراق، وأن أول كلمة خطت كانت قبل 6 آلاف عام في سومر، جنوب، وأن أقوى دولة يهابها الأعداء كانت في نينوى، شمال، وأن الحضارة العباسية بنت أروع المدن، وفي مقدمتها بغداد التي كانت مركزها، وكانت توصف بالعصر الذهبي. لكن العراق اليوم، وبعد هذه الحقب الزمنية والحضارات الراقية، بلد بلا شرائع قانونية، يعاني من الأمية، ويوصف باعتباره دولة ضعيفة، يسرح فيه الأعداء والإرهابيين، ومدنه خربة، وفي مقدمتها بغداد.
ومنذ الغزو الأميركي، قبل 13 عاما، يعاني العراق مجموعة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، وغيابا في الخدمات التعليمية والصحة والبلدية، أدت إلى أن تتحول الأوضاع الحياتية إلى فوضى تنامت وكبرت بسبب الفساد المستشري، واحتلال تنظيم داعش لما يقرب من ثلث مساحة البلد.
الأخطر من ذلك هو عدم احترام وتطبيق القوانين، وخرق الدستور من قبل الكتل السياسة، وتطبيقه بما يتوافق مع مصالح هذه الكتل والمسؤولين الحكوميين، كما أن غياب الدور الرقابي الصارم للبرلمان ساهم كثيرا في تكريس حالة الفوضى التي قادت ملايين العراقيين للهجرة خارج بلدهم، وغيرهم تهجروا داخل العراق، في حالة غريبة هي الأولى من نوعها في تاريخ العراق، وهذا ما دفع العراقيين للتظاهر علنا منذ 2011 حتى اليوم، مطالبين بمحاكمة الفاسدين، وإلغاء المحاصصة الطائفية، وتوفير الخدمات، وعندما «بلغ السيل الزبى» بهؤلاء المتظاهرين، على حد وصف حامد المطلك النائب عن كتلة الوطنية، بزعامة إياد علاوي، ولإهمال مطالبهم بإجراء إصلاحات حقيقية، جسدوا صورة الفوضى التي يعيشها البلد من خلال اقتحامهم لمبنى مجلس النواب، الشهر الماضي، ثم اقتحام مكتب رئيس الوزراء، قبل أسبوع، إذ جوبهوا بالرصاص الحي من قبل حراس المنطقة الخضراء، مما أدى إلى مقتل 3 من المتظاهرين، واعتقد بعض المراقبين أن هذه الحادثة قد أسقطت الحكومة التي بقيت مسيطرة على زمام الأمور بإحكام الطوق الأمني في الشارع العراقي، خصوصا بغداد، حتى أن العراقيين تداولوا على مواقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و«تويتر» نكتة مرة تقول: «في العراق، الحكومة تسقط يوم الجمعة، وتعود يوم السبت»، في إشارة إلى أحداث الجمعة الماضية التي أدت إلى اقتحام المتظاهرين لمبنى مجلس الوزراء.
وفي بغداد، عندما تسأل أي سياسي أو برلماني، أو أي مواطن عادي، حول كيفية سير الأمور السياسية في ظل انقسامات النواب، وغياب دور البرلمان، وعدم انعقاده على الرغم من المحاولات الكثيرة، وفي ظل وجود وزراء في الحكومة لم يؤدوا بعد اليمين الدستورية، وإقالة وزراء بصورة غير قانونية، حسب ادعاءاتهم، فسيكون الجواب: «إن المعجزة الإلهية وحدها التي تسير الأمور».
وما يقلق العراقيين، ويربك المشهد الحياتي لهم، إضافة للأزمات المذكورة آنفا، هو انتشار المجاميع المسلحة غير المسيطر عليها من قبل الحكومة أو السلطة، لا الدولة على حد تعبير أسامة النجيفي الرئيس السابق لمجلس النواب العراقي رئيس كتلة تحالف القوى (السنية)، إذ أكد في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة في العراق مفقودة بمعاييرها الصحيحة، أو حسب تعريفها عالميا، وقال: «لدينا سلطة، ولم يستكمل بناء مؤسسات الدولة بعد 2003»، مضيفا: «عندما يكون هناك سلاح في الشارع خارج سيطرة السلطة أو الحكومة، وعندما تكون هناك محافظات ساقطة بيد تنظيم داعش الإرهابي، وعندما يكون هناك تعطيل للقوانين، وهناك أعداد كبيرة من الأبرياء في السجون، ويُخطف الناس من الطرقات، فهذا يعني أنه ليس هناك دولة في العراق، وإنما هناك محاولات لبناء دولة.. في العراق سلطة تنتهك كثيرا من القوانين النافذة، والدستور في الحقيقة معطل بشكل أو بآخر».
ويشير النجيفي إلى أنه «بوجود انحرافات كثيرة وخطيرة، وإذا لم تتم معالجة هذه الانحرافات والخروقات الدستورية، لا نستطيع بناء دولة تحظى باحترام الشعب العراقي أولا، ومن ثم العالم. هذه المحاولات، وأعني بناء الدولة، ما زالت تتصف بالفشل، إذ ليس هناك مؤسسات تحظى بالاستقلالية، والاحترام للناس وحقوقهم في العيش بكرامة وأمان، واحترام السيادة المنتهكة من قبل الآخرين، فكثير من دول العالم تتدخل اليوم في الشأن العراقي، وتسقط هيبة العراق قبل أن يسقطها المتظاهرون في قبة البرلمان الذي هو رمز العراق في وضعنا السياسي الجديد».
ويشخص الدكتور مهدي الحافظ، أول وزير للتخطيط في حكومة علاوي بعد تغيير النظام السابق، وعضو في مجلس النواب (مستقل)، حالة الوضع العراقي، قائلا لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة في العراق اليوم في حالة عدم توازن، وهناك تنافر بين السلطات والقوى السياسية، وهناك حالة من اللاتوازن بين السلطة التنفيذية وواجباتها والحاجات المحلية».
ويشير الحافظ الذي عرف عنه نجاح خططه في التخطيط، وكمفكر مستقل، إلى نقاط مهمة بقوله إن «السلطة غير قادرة على حفظ الأمن والنظام، وهي باقية بسبب الدعم الأميركي لرئيس الوزراء، يضاف إلى هذا أن صراع الكتل الدينية يحكم توجهات رئيس الوزراء، حيدر العبادي، الذي يريد بدوره إجراء الإصلاحات، وعنده رؤى إصلاحية جيدة وقابلة للتنفيذ، بل بدأ بهذه الإجراءات عندما عدل سلم الرواتب، وخفض كثيرا منها، وهو قادر على المضي بها، لا سيما أن واشنطن تؤيد هذه الإصلاحات وتدعمها، لكن البرلمان كان ضد هذه الإصلاحات، وأعنقد أن طهران تقف ضد الإصلاحات»، مضيفا: «جميع الكتل المشاركة في الحكومة، الشيعية والسنية والكردية، تعارض العبادي في القيام بإصلاحات حقيقية، أما موضوع حكومة التكنوقراط والتغيير في الوزراء الذي يطالب به بعض الأعضاء فهو ليس إلا تمديدا للأزمة، وينبغي أن يكون الحكم في العمل هو الشعور بالوطنية ومستوى الكفاءة».
ويقول الحافظ: «بناء على هذا، لا أتوقع حدوث تغيير جذري ومهم، سواء في الحكومة أو البرلمان، خصوصا أن الأكراد منسحبون اليوم، وهناك انقسامات في مجلس النواب، بينما لا نعرف ماذا يريد التيار الصدري الذي يطالب بالإصلاح والتغيير الوزاري بينما كتلته منسحبة من البرلمان والحكومة، وأنصاره يجتاحون مجلس النواب ورئاسة الوزراء».
ويؤكد الحافظ أن «المؤسسات التي قامت بعد 2003، مثل الدستور وأسلوب الحكم والانتخابات ومجلس النواب، فقدت أهميتها، ولم تعد صالحة للعمل اليوم، ويجب إعادة النظر فيها»، مشيرا إلى أن «الدولة قامت على أساس توزيع المكاسب، وهي تضم اليوم مجموعة من الفاسدين الذين يديرون البلد، حتى المساعدات التي تقدم من الدول الكبرى هي عرضة للسرقة».
ويقترح وزير التخطيط الأسبق «إجراء انتخابات مبكرة، مع تغيير مجلس مفوضية الانتخابات، كونها قامت على المحاصصة بين الأحزاب، وإجراء تعديلات في الدستور أو تغييره، وهذه نقطة جوهرية».
ويرى قاضٍ عراقي سابق أن «أساس المشكلات والفوضى التي يعيشها العراق هو غياب القوانين، وخرق ما هو موجود منها، وعدم تطبيقها، وهذا يعني غياب العدالة في البلد الذي شرع على أرضه أول القوانين في التاريخ البشري». وأضاف هذا القاضي الذي فضل عدم نشر اسمه لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يغيب القانون في أي بلد، ويسود الفساد بين الحاكمين لهذا البلد، تعم فوضى عارمة بالتأكيد. وأعني بالقوانين هنا بدءا من قوانين المرور في الشارع حتى أخطر الجرائم»، مشيرا إلى أن «عدم التزام المسؤولين، من برلمانيين ووزراء نزولا لأصغر موظف في الدولة، بالقوانين وتطبيقها، وتفشي الرشى وفضائح الفساد دون معاقبة السراق والمرتشين، من وزراء ومناصب خاصة، قاد الدولة إلى ضياع هيبتها، وإلى أن لا يحترم المواطن البسيط أي قانون».
وأوضح: «كنت قاضيا في بغداد، أحب عملي كونه يحقق العدالة، وهذا يتفق مع إيماني بالله وبالدين الإسلامي الحنيف، لكن عندما وجدت الانحرافات الخطيرة في القضاء، وعندما تعرضت لضغوط من مسؤولين في الحكومة أو الأحزاب الحاكمة، وللتهديد لتبرئة فلان وإدانة فلان مكانه، طلبت إحالتي على التقاعد، ذلك أن أخطر ما يمكن أن يتعرض له الإنسان هو الظلم وغياب العدالة»، مستطردا: «كنت قد تقدمت بوثائق للمسؤولين في مجلس القضاء الأعلى تدين مسؤولين، وتكشف عن فساد في القضاء، لكن أي إجراء لم يتم».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.