جزائرية تسعى للفوز بمنصب «عمدة مرسيليا»

رشحها الحزب الاشتراكي الحاكم.. وجيرانها يسمونها بـ «اليتيمة»

سامية غالي مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي تخوض حربا  ضد منافسيها لاحتلال مقعد رئيس بلدية مرسيليا (رويترز)
سامية غالي مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي تخوض حربا ضد منافسيها لاحتلال مقعد رئيس بلدية مرسيليا (رويترز)
TT

جزائرية تسعى للفوز بمنصب «عمدة مرسيليا»

سامية غالي مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي تخوض حربا  ضد منافسيها لاحتلال مقعد رئيس بلدية مرسيليا (رويترز)
سامية غالي مرشحة الحزب الاشتراكي الفرنسي تخوض حربا ضد منافسيها لاحتلال مقعد رئيس بلدية مرسيليا (رويترز)

قد لا يعني اسمها العربي (سامية غالي) الكثير بالنسبة للقارئ العربي. لكن هذه المرأة الجميلة ذات الشعر الأسود والعينين الضاحكتين «ملأت الدنيا وشغلت الناس» منذ انتصارها يوم الأحد الماضي في المبارزة بين المرشحين الاشتراكيين للفوز بتزكية الحزب الاشتراكي (الحاكم) للانتخابات البلدية الربيع القادم في مرسيليا، ثاني أكبر المدن الفرنسية.
وقصة سامية غالي ذات الـ45 ربيعا جديرة بأن تروى. طفلة، كان جيرانها يسمونها «اليتيمة»؛ لأن والدها الجزائري هجر أمها الجزائرية واختفى عن الأنظار، فعاشت مع أمها وجدتها في الأحياء الشمالية لمدينة مرسيليا المتوسطية التي يغلب عليا الفقر والبطالة وتسكنها أكثرية من المهاجرين القادمين لفرنسا من بلدان المغرب العربي.
ولمن لا يعرف مرسيليا ومرفأها القديم ومقاهيها الصاخبة ولكنة أهلها وطباعهم المتوسطية وحديثهم بصوت عال وميلهم إلى الغضب السريع، فإن هذه المدينة التي أسسها الفينيقيون تضرب الرقم القياسي فرنسيا وأوروبيا لجهة أعداد القتلى التي تقع في شوارعها، وخصوصا في أحيائها الشمالية كل عام. والسبب هو تصفية حسابات المافيا المحلية وبين مهربي المخدرات، وتحديدا حشيشة الكيف التي تصل إليها من المغرب إما مباشرة عبر البحر أو مرورا بإسبانيا والهيروين الواصل من أميركا الوسطى. ومرسيليا عاصمة الفساد وفرض «الخوات» والمنازعات والتهرب من دفع الضرائب وكل ألوان الاحتيال على القانون. وبما أن نسبة ذات معنى من سكانها من الأجانب، وخصوصا من العرب المغاربيين والسود، فإن العنصرية فيها بلغت درجات متقدمة المر الذي يظهر من خلال ما يحصل عليه اليمين المتطرف، ممثلا بالجبهة الوطنية في الانتخابات العامة والمحلية.
في العام الماضي، سقط في شوارع مرسيليا 24 قتيلا بالرصاص. وهذا العام بلغ العدد حتى الآن 15 قتيلا، ناهيك بمحاولات القتل التي لم تنجح وأعداد الجرحى، وليس نادرا أن تحصل تصفية الحسابات بواسطة رشاش الكلاشنيكوف، بيد أن مرسيليا ليست فقط للمهربين والمهرجين وقطاع الطرق، وإنما هي أيضا مدينة للإبداع؛ إذ اختيرت للعام الحالي «عاصمة الثقافة الأوروبية»، كما أنها مدينة جذابة، يحلو فيها العيش والسمر، وخصوصا في أحيائها القريبة من الشاطئ المتوسطي أو تلك التي تصعد باتجاه كاتدرائيتها الشهيرة «نوتر دام دو لا غارد». وتاريخيا، كانت مرسيليا بوابة فرنسا على المتوسط ومدخل الواصلين إليها من حوض المتوسط ومن أفريقيا. ورغم الخطط الحكومية المتلاحقة لفرض الأمن والقانون التي أقرتها الحكومات يمينا ويسارا، ما زالت مرسيليا كجارتها جزيرة كورسيكا، عصية على الدولة تعيش في ظل قوانينها الخاصة.
في هذه الأجواء تربت سامية غالي، الفقر والهجر والحرمان عنوان سنوات طفولتها وشبابها. تقول سامية غالي في كتاب لها صدر العام الماضي، إن حلمها الكبير يوم كانت طفلة كان أن تحصل على قطعة شوكولاته. لم تحصل على شهادات تمكنها من الخروج من وضعها الاجتماعي وتترك أبنية الطبقة المسحوقة. وقد اجتمعت فيها كل «النواقص»؛ فهي فقيرة وغير مؤهلة وعربية، ولذا فإن حظوظ نجاحها كانت شبه عديمة. ولكن هذه المرأة لم تستسلم. فمنذ أعوامها الـ16 استهوتها السياسة فانضمت باكرا إلى الحزب الاشتراكي الذي عملت على تقوية حضوره في أحياء مرسيليا الشمالية التي كانت معقودة اللواء بشكل كبير للحزب الشيوعي واليمين المتطرف، وشيئا فشيئا أخذ يلمع نجم سامية غالي في سماء مرسيليا، فتسلمت وظائف ومهمات حزبية واهتمت بالشباب، مركزة اهتمامها على العمل السياسي المحلي في إطار الحزب الاشتراكي. وفتحت أبواب السياسة أمامها على مصراعيها بفضل قربها من مسؤول الحزب الاشتراكي في منطقة مرسيليا جان نويل غريني الملاحق حاليا بتهمة الفساد. وتنقلت سامية غالي في المناصب المحلية لتصبح في عام 2004 نائبة لرئيس منطقة بروفنس كوت دازور حتى عام 2008. وفي هذا العام اختارها غريني لتكون على لائحته في الانتخابات البلدية في مرسيليا، لكن الحظ لم يحالفه؛ إذ بقيت المدينة بيد اليمين الذي يقوده الوزير السابق جان كلود غودان. لكن سامية غالي نجحت بالفوز برئاسة بلدية الدائرتين الـ15 والـ16 (التي تتشكل من الأحياء الشمالية الصعبة) ثم في العام نفسه دخلت عضوا في مجلس الشيوخ الفرنسي بترشحها على لائحة غريني نفسه.
من المسلم به أن النجاح يستدعي النجاح. وها هي سامية غالي اليوم تطمح اليوم لاحتلال مقعد رئيس بلدية مرسيليا الذي سبقه إليها اشتراكي آخر هو غاستون دوفير، وزير الداخلية في عهد الرئيس فرنسوا ميتران. وبعكس الأكثرية الساحقة من قادة الحزب الاشتراكي ونوابه ووزرائه الذين وصلوا إلى مناصبهم بفضل انتمائهم للنخب الفكرية والثقافية والمهنية الفرنسية، فإن سامية غالي وصلت بفضل عملها الميداني الذي أتاح لها أن تحتل المرتبة الأولى في الانتخابات التمهيدية يوم الأحد الماضي. وقد تفوقت غالي على الوزيرة أرليت ماري كارلوتي التي كانت تحظى برعاية الرئيس هولاند والحزب الاشتراكي بشكل عام. وتتهيأ غالي، هذه المرأة العربية والمسلمة وهي أم لأربعة أولاد لخوض الدورة الثانية من الانتخابات التمهيدية يوم الأحد المقبل ضد تحالف هجين رأى النور لقطع الطريق عليها. ويضم هذا التحالف الوزيرة أرليت ماري كارلوتي وباتريك منوتشي والنائب من أصل لبناني هنري جبرايل. وهذا التحالف قام لدعم باتريك منوتشي وضرب طموح سامية غالي.
بعد فوزها الأولي الأحد الماضي، أخذت تهمس في شوارع مرسيليا عبارات من نوع «مرشحة العرب» التي ربحت السابق بفضل أصوات «الأحياء الشمالية». كارلوتي لمحت لحصول عمليات تزوير وأخرى من نوع ميليشياوي. وفي التحقيقات الصحافية التلفزيونية الأسبوع الماضي، حرصت الكاميرات على إظهار وجوه عربية تنقلها الحافلات إلى مكاتب الاقتراع لتثبيت صورة أن سامية غالي مرشحة العرب، بيد أن الأخيرة التي تصف نفسها بأنها من نوع «العاصفة» لا تعير هذه الحملة اهتماما، بل إنها مستمرة بتأكيد أن همها الوحيد هو مرسيليا ومرسيليا وحدها مهما تطاولت عليها ألسن السوء التي تريد تحجيم طموحها.
الجواب الأحد المقبل.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.