تونس: جمعة يطالب الولاة باستعادة هيبة الدولة وتحييد الإدارة والمساجد

تأجيل النظر في قضية السفارة الأميركية.. و«النهضة» تنتقد أحكام الإعدام ضد إخوان مصر

تونس: جمعة يطالب الولاة باستعادة هيبة الدولة وتحييد الإدارة والمساجد
TT

تونس: جمعة يطالب الولاة باستعادة هيبة الدولة وتحييد الإدارة والمساجد

تونس: جمعة يطالب الولاة باستعادة هيبة الدولة وتحييد الإدارة والمساجد

حث رئيس الحكومة التونسية المؤقتة المهدي جمعة أمس الولاة الجدد (المحافظون) بالعمل على استعادة هيبة الدولة وتحييد الإدارة في الجهات وكل المساجد تمهيدا لإجراء انتخابات شفافة.
والتقى رئيس الحكومة أمس الولاة الجدد وعددهم 18 من بين 24 جرى تنصيبهم مؤخرا، عملا ببنود خارطة الطريق للحوار الوطني والمتعلقة بتحييد الإدارة والمساجد ومراجعة كل التعيينات الحزبية خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية.
وقال جمعة: «الولاة ملتزمون في إطار مهامهم بتحييد المساجد وردع الخارجين عن القانون، وقدرنا أن نعمل جميعا من أجل معالجة كل الإشكالات في البلاد مهما كانت صعوباتها وتعقيداتها».
وأضاف أن «أول تحييد إداري يجب أن يشمل المعتمدين والعمد وأن كل معتمد أو عمدة له لون سياسي حتى وإن كان كفؤا يجب تغييره».
وأوضح المهدي جمعة، في كلمة له، أن المهمات الموكلة للولاة في هذا الظرف الحساس تعد «صعبة ومعقدة» وستقوم أساسا على استعادة هيبة الدولة وإنفاذ القانون بشكل صارم «مع ضمان احترام حقوق وحريات المواطن».
وزادت أزمة الاقتصاد التونسي مع تعطل عمليات إنتاج وشحن الفوسفات في منطقة الحوض المنجمي بمحافظة قفصة من حين إلى آخر بسبب الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالتشغيل، مما أدى إلى خسارة الدولة لنحو ملياري دينار بين عامي 2011 و2012 وهبوط الإنتاج بنحو 70 في المائة. ويواجه جمعة مهمات متعددة في الجهات إلى جانب توفير مناخ ملائم لإجراء انتخابات شفافة ونزيهة، وهي النهوض بالمشاريع التنموية وتقليص حدة البطالة المتفشية في المناطق الفقيرة والتي يمكن أن ترتفع إلى أكثر من 40 في المائة مقابل 15 في المائة على المستوى الوطني.
وطالب جمعة الولاة في الجهات بالكف عن تشكيل اللجان وعقد الاجتماعات والاهتمام بدفع التنمية وتفعيل المشاريع المعطلة في الجهات عبر تذليل كل الصعوبات البيروقراطية والإدارية.
على صعيد آخر، أجلت محكمة تونسية أمس إلى 27 مايو (أيار) القادم النظر في قضية يلاحق فيها 20 تونسيا متهمين بالمشاركة في هجوم استهدف في 2012 السفارة والمدرسة الأميركيتين بتونس.
وقال منعم التركي محامي المتهمين في قضية السفارة الأميركية إن «محكمة الاستئناف بالعاصمة تونس أجلت النظر في القضية إلى 27 مايو، لأن 13 من بين المتهمين العشرين لم تصلهم استدعاءات من النيابة العامة للمثول أمام المحكمة».
وأوضح أن سبعة فقط من المتهمين مثلوا اليوم أمام المحكمة في حين لم يحضر البقية «لأن النيابة العامة لم توجه إليهم استدعاءات».
وهذه ثاني مرة يتم فيها تأخير القضية للسبب نفسه. وكان يفترض أن تنظر محكمة الاستئناف، أول مرة في القضية في 28 يناير (كانون الثاني) الماضي إلا أنها أجلتها إلى 25 مارس (آذار) الحالي.
وفي 28 مايو 2013، قضت محكمة تونس الابتدائية بسجن المتهمين العشرين، عامين مع تأجيل التنفيذ.
وقد انتقدت السفارة الأميركية في بيان أصدرته في 29 مايو 2013 الأحكام التي قالت إنها «لا تتطابق على نحو ملائم مع جسامة وخطورة الخسائر والعنف اللذين حصلا يوم 14 سبتمبر (أيلول) 2012».
وفي 31 مايو 2013 أعلن نذير بن عمو، وكان حينها وزير العدل أن النيابة العامة استأنفت الحكم القضائي الابتدائي الذي اعتبره «مخففا» و«مخالفا للقانون» التونسي.
وفي 14 سبتمبر 2012، هاجم مئات من السلفيين السفارة والمدرسة الأميركيتين احتجاجا على فيلم مسيء للإسلام أنتج في الولايات المتحدة.
وأحرق المهاجمون وخربوا بشكل جزئي مبنى السفارة الأميركية والسيارات التي كانت في مرآبها، ورفعوا داخلها علم تنظيم القاعدة، كما أحرقوا ونهبوا المدرسة الأميركية.
وفي العاشر من يناير الماضي قالت السفارة الأميركية بتونس في بيان: «نواصل حث الحكومة التونسية على تقديم مرتكبي هجوم 14 سبتمبر 2012 ضد سفارة الولايات المتحدة والمدرسة الأميركية إلى العدالة». وأضافت أن تنظيم «أنصار الشريعة بتونس» الجهادي «تورط (..) في الهجوم ضد سفارة الولايات المتحدة والمدرسة الأميركية في تونس يوم 14 سبتمبر 2012 وهو ما عرض حياة أكثر من مائة موظف بالسفارة الأميركية للخطر».
وفي العاشر من يناير الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إدراج جماعة «أنصار الشريعة بتونس» على لائحتها للتنظيمات «الإرهابية». كما صنفت مؤسس الجماعة سيف الله بن حسين (48 عاما) الملقب بـ«أبو عياض» والهارب في ليبيا «إرهابيا دوليا مصنفا خصيصا».
وفي 27 أغسطس (آب) 2013 أعلنت الحكومة التونسية التي كانت تقودها حركة النهضة الإسلامية، تصنيف جماعة أنصار الشريعة بتونس تنظيما «إرهابيا» وإصدار بطاقة جلب دولية ضد «أبو عياض».
واتهمت الحكومة، وقتئذ، الجماعة باغتيال المعارضين شكري بلعيد في 6 فبراير (شباط) 2013 ومحمد البراهمي عضو المجلس التأسيسي (البرلمان) في 25 يوليو (تموز) 2013 وبقتل أكثر من 20 من عناصر الجيش والأمن سنة 2013.
من جهة ثانية وفي ردود الفعل على حكم الإعدام الذي طال 528 من أعضاء وأنصار جماعة الإخوان المسلمين في مصر، دعت حركة النهضة الإسلامية في تونس السلطات المصرية للتراجع عنه وحذرت من أن استعمال القضاء لسحق أي طرف سياسي يهدد وحدة مصر ويعمق الانقسام.
وأحالت محكمة مصرية يوم الاثنين أوراق 528 من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين وأنصارها إلى المفتي تمهيدا للحكم بإعدامهم بعد إدانتهم بهجوم على مركز للشرطة وقتل ضابط خلال احتجاج عنيف أعقب فض اعتصام للجماعة في القاهرة في أغسطس.
وأثار الحكم وهو أحد أشد الأحكام في تاريخ مصر موجة انتقادات واسعة من واشنطن والاتحاد الأوروبي.
وعبرت حركة النهضة في بيان عن «إدانتها الشديدة لهذا الحكم الظالم» الذي وصفته بأنه «تصعيد خطير في مواجهة أنصار الشرعية».
ودعا زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي السلطات المصرية للتراجع عن هذه الأحكام، مضيفا أن «استعمال القضاء لسحق طرف سياسي أصيل في الساحة المصرية يعمق الشرخ الاجتماعي والانقسام السياسي ويضاعف الأخطار التي تهدد مصالح مصر ووحدة المصريين». كما أبدى الائتلاف التونسي لإلغاء عقوبة الإعدام (منظمة حقوقية مستقلة) استغرابه تجاه العدد المهول من أحكام الإعدام الصادر بحق مصريين ينتمون لنفس البلد، وقال الحبيب مرسيط، رئيس الائتلاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنها «سابقة خطيرة في مصر وفي العالم العربي وهي لن تزيد الأوضاع المصرية المعقدة إلا تعقيدا وتدهورا». وطالب المحاكم المصرية بإعادة النظر في هذه القضية وتغيير أحكام الإعدام بعقوبات بديلة وعدم تنفيذها في حالة إقرارها بصفة نهائية.
وفي نفس السياق، أدان عصام الشابي، المتحدث باسم الحزب الجمهوري تلك الأحكام وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها جائرة وهي وجه من وجوه القمع الأعمى» وهي تؤكد «مدى تدهور أوضاع الحريات في مصر»، على حد تعبيره.
ودعا الحزب الجمهوري الحكومة التونسية إلى المبادرة بتفعيل الدبلوماسية التونسية وكل المنابر الحقوقية الأممية للحيلولة دون تنفيذ هذه الأحكام وحمل السلطات المصرية على التراجع عنها.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.