الأمم المتحدة تشيد بجهود السعودية الإغاثية في اليمن

مدير العمليات الإنسانية نفى أن معونتها كانت «مشروطة بأمر سياسي»

طفل يمني في أحد أحياء صنعاء القديمة.. والنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع مليار و800 مليون دولار لتغطية حاجات 13 مليون يمني لم تتم تلبيته إلا بنسبة 16 في المائة (أ.ف.ب)
طفل يمني في أحد أحياء صنعاء القديمة.. والنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع مليار و800 مليون دولار لتغطية حاجات 13 مليون يمني لم تتم تلبيته إلا بنسبة 16 في المائة (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة تشيد بجهود السعودية الإغاثية في اليمن

طفل يمني في أحد أحياء صنعاء القديمة.. والنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع مليار و800 مليون دولار لتغطية حاجات 13 مليون يمني لم تتم تلبيته إلا بنسبة 16 في المائة (أ.ف.ب)
طفل يمني في أحد أحياء صنعاء القديمة.. والنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع مليار و800 مليون دولار لتغطية حاجات 13 مليون يمني لم تتم تلبيته إلا بنسبة 16 في المائة (أ.ف.ب)

أشاد مدير العمليات الإنسانية بالأمم المتحدة، جون غينغ بالدور الإنساني الذي تلعبه السعودية في اليمن، مستعرضًا الجهود التي يقوم بها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والحكومة السعودية، من أجل تخفيف معاناة الشعب اليمني التي وصفها بأنها «مؤسفة».
وقال المسؤول الأممي، خلال مؤتمر صحافي شاركت فيه «الشرق الأوسط» بمقر الأمم المتحدة إن السعودية من خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية تقدم الخدمات لكثير من المحتاجين اليمنيين في كل أنحاء اليمن، مشيرًا إلى «التبرع السخي الذي قدمته المملكة العام الماضي للأمم المتحدة لدعم عملياتها الإنسانية في اليمن». وقال إننا نرحب بالمساهمات السعودية الكبيرة للمناطق المحتاجة باليمن، فهي تقدم كثيرًا من تلك المساعدات عن طريق المنظمات غير الحكومية العاملة في اليمن.
وقال غينغ إنه زار صنعاء وعمران، والتقى هناك بالمسؤولين من أصحاب المصلحة والسلطات المحلية، وقال إن زيارته التي استمرت ثلاثة أيام رافقه فيها ممثلان لمنظمة الصحة العالمية وبرنامج الأغذية العالمي هما مدير الطوارئ في المنظمة، ريك برينان، ونائب مدير الطوارئ لبرنامج الأغذية العالمي، جيان كارلو تشيري. وقال إن الجميع هناك قالوا للوفد الأممي إن الشعب اليمني لم «يحصل على الاهتمام العالمي الذي يستحقه».
وقال غينغ: «على العلم أن ما يقوم به مركز الملك سلمان للإغاثة لا يخضع لولاية الأمم المتحدة باليمن، فإنني لمست خلال زيارتي أثر تلك المساعدات الإنسانية التي تقدمها السعودية في صنعاء، فالمساعدات السعودية تصل إلى كل مكان بما في ذلك صنعاء وتعز، ولا تقتصر على مناطق معينة».
وأشار المسؤول الأممي إلى أن الأمم المتحدة تعمل «على تغطية كل أرجاء اليمن» بالمساعدات، وأن ما تقوم به السعودية في هذا المجال واضح وإيجابي.
ورفض غينغ أن تكون المنحة المقدمة لليمن من السعودية العام الماضي تتعارض مع مبادئ الدائرة الإنسانية بالأمم المتحدة، كون السعودية تقود التحالف لاسترداد الشرعية في اليمن. وقال إن الشؤون الإنسانية تلقت مساعدات مالية من بعض أعضاء الأمم المتحدة، التي كانت طرفًا أو لها مشاركة بشكل ما في العراق وأفغانستان (وهنا يقصد الولايات المتحدة والدول الأوروبية). وتابع: «لم تطلب السعودية أن تكون معونتها لليمن التي بلغت العام الماضي 245 مليون دولار مشروطة بأمر سياسي أو غيره».
وأضاف أن السعودية في مساهماتها الكثيرة للأمم المتحدة، تتماشى مع المعايير والقواعد الدولية. وأعرب عن أمنياته أن تقوم الدول الخليجية، بما فيها السعودية، بالتبرع بسخاء إلى الأزمة الإنسانية في اليمن، كون العجز في الميزانية الحالية ناتجًا عن ذلك.
وفي هذا الصدد، كشف غينغ أن الأمم المتحدة ستناقش العجز المالي خلال القمة الإنسانية التي ستعقد هذا الشهر في إسطنبول التركية، مشيرًا إلى «النقص الفادح في تمويل المساعدة الإنسانية في اليمن، فالنداء الذي وجهته الأمم المتحدة لجمع مليار و800 مليون دولار لتغطية حاجات 13 مليون يمني لم تتم تلبيته إلا بنسبة 16 في المائة».
وقال غينغ إن هناك 300 ألف تأثروا بالوضع في مدينة عمران التي زارها أيضًا، مشيرًا كذلك إلى الفيضانات التي أثرت في تردي الأوضاع في المدينة. وقال إنه قام بزيارة إلى مصنع الإسمنت الذي قيل إنه تعرض لغارات جوية من قوات التحالف، حيث أدى إلى تسريح أكثر من 1500 عامل في المصنع. وقال إنه خلال زيارته إلى عمران، لم يتطرق أي من المسؤولين من أي طرف كان، أو من المدنيين ومنظمات المجتمع المدني، على الإطلاق لمزاعم تشير إلى تعرض مواقع للحوثيين أخيرًا إلى غارات من قوات التحالف.
ووصف المسؤول الأممي الوضع في اليمن بأنه من سيئ إلى أسوأ، مشيرًا إلى أن الوضع الإنساني في اليمن كان في الأساس رديئًا بسبب «سنوات من الفقر وسوء الإدارة وعدم الاستقرار»، إلا أن الوضع ازداد صعوبة بسبب الصراع الذي بدأ في منتصف مارس (آذار) عام 2015. وحسب الأمم المتحدة هناك ما يقرب من 2.5 مليون نازح في كل أنحاء اليمن، وأن الشعب اليمني بحاجة إلى حماية وغذاء وصحة ومأوى. وفي هذا الصدد أشار المسؤول الأممي إلى أن الناس يموتون من أمراض يمكن الوقاية منها بسبب محدودية حتى معظم الإمدادات الطبية الأساسية، وأن كثيرًا منهم لا تتوفر لهم المياه الصالحة للشرب بشكل مستمر.
وقال إن الناس في اليمن قالوا له حرفيًا: «أين الإنسانية؟ لماذا تجاهلتنا الأسرة الدولية والعالم الغني في محنتنا»؟ وأشار إلى أن هناك 56 ألف طفل يعانون من نقص الغذاء الحاد، وهو الأمر الذي يتطلب تدخلاً طبيًا عاجلاً. وعن قطاع التعليم، قال إن وزارة التعليم اليمنية أفادت بأن مليون طالب لم يتمكنوا من الالتحاق بمدارسهم، ووصف مثل هذا الوضع بـ«الخطير».
وحول فرض قوات التحالف بقيادة السعودية حصارًا يؤدي إلى تفتيش السفن التجارية المقبلة إلى الموانئ اليمنية، رحب غينغ بما يعرف بآلية المراقبة والتفتيش على السفن التجارية التي تصل إلى الموانئ اليمنية (مقر الآلية في جيبوتي)، مشيرًا إلى أن الآلية مهمة وتعمل بشكل سريع وهدفها تسهيل وصول الإمدادات التجارية إلى الأسواق اليمنية.
وفارق غينغ بين السفن التي تحمل مواد ومساعدات إنسانية وطبية تحت رعاية الأمم المتحدة، التي لا خلاف عليها، وبين تلك السفن التجارية التي تحمل مواد يستوردها التجار في اليمن، حيث يعتمد اليمن كدولة على كثير من الواردات. وأوضح أن الآلية هامة كونها تتماشى مع قرار مجلس الأمن الدولي، الذي فرض عقوبات على اليمن، تخوفًا من استيراد الأسلحة، موضحًا أن على الموردين إخطار آلية التفتيش بموعد وصول سفنهم إلى المياه الإقليمية اليمنية والحصول على الأذون اللازمة. وتابع أن «هدف الآلية التسريع في وصول المواد».
ودعا غينغ الأطراف المتحاربة إلى «تحديد أولويات حماية المدنيين وتلبية الاحتياجات المدنية، وتمكين وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق من خلال رفع الحصار»، لا سيما في محافظات تعز وحجة وصعدة وعدن والجوف. وأنهى كلامه بالقول إن «الحرب في اليمن لا معنى لها».



مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد رفضها «أي ذرائع» لشرعنة الاعتداءات على الدول العربية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

جددت مصر إدانة الاعتداءات على الدول العربية، وشددت على رفض «أي ذرائع» لشرعنتها، وذلك خلال اتصالات هاتفية، السبت، بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي ونظرائه في سلطنة عمان والعراق وكازاخستان.

وناقش عبد العاطي مع وزير الخارجية العماني بدر البورسعيدي، «مستجدات المشهد الإقليمي في ظل التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة». وحذر الوزيران «من تداعيات استمرار هذا النهج التصعيدي وما يشكله من تهديد للسلم والأمن الإقليميين».

وشدد الوزير عبد العاطى، وفق بيان صادر عن الخارجية المصرية، السبت، على أهمية «تحلي كل الأطراف بأقصى درجات ضبط النفس، وخفض التصعيد، وتغليب لغة الحوار والدبلوماسية، والالتزام التام بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة».

وشدد عبد العاطي على «تضامن مصر الكامل مع سلطنة عمان وأشقائها في منطقة الخليج العربي وباقي الدول الصديقة، رافضاً المساس بسيادة واستقرار الدول العربية، وأي مبررات أو ذرائع لشرعنة هذه الاعتداءات».

ووصف وزير الخارجية المصري خلال اتصاله بوزير خارجية كازاخستان يرمك كوشيربايف، الاعتداءات التي تعرضت لها الدول العربية بـ«غير المقبولة وغير المبررة»، وأكد دعم مصر الكامل لسيادة وأمن واستقرار وسلامة أراضيها»، وفقاً لبيان صادر عن الخارجية المصرية.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة خفض التصعيد وتغليب الحلول الدبلوماسية لتجنب اتساع نطاق الصراع والحيلولة دون انزلاق المنطقة إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار»، مؤكداً أن استمرار التصعيد العسكري «لن يؤدي سوى إلى تفاقم الأوضاع».

وأكد عبد العاطي خلال اتصاله مع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، «أهمية تغليب المسارات الدبلوماسية لاحتواء الموقف وتجنيب الإقليم ويلات اتساع رقعة الصراع».

وكان الرئيس عبد الفتاح السيسي قد كشف، الخميس الماضي، عن أن مصر ما زالت تحاول القيام بجهود وساطة «مخلصة وأمينة» لوقف الحرب في إيران، محذراً من أن«استمرارها ستكون لها ضريبة كبيرة».

وأكد أن مصر «كانت حريصة على منع حدوث هذا التصعيد لأنها تعرف جيداً من واقع تجربتها أن الحروب لا تجلب إلا الخراب والدمار والإضرار بمصالح ومقدرات الشعوب».


لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
TT

لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)

في 28 فبراير (شباط) 2026، دخلت المنطقة فصلاً جديداً من التاريخ، فبينما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفتوحة على إيران، كانت الضربة الأولى استثنائية بكل المقاييس، إذ تمت تصفية المرشد الإيراني علي خامنئي، مع العشرات من كبار قادته العسكريين.

لم تشهد الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل كثيراً من المفاجآت؛ فمنذ أول أيامها 28 فبراير 2026، قضت على المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتركت الأحداث التي دخلت أسبوعها الثاني، تساؤلاً: لماذا تريث الحوثيون في الانضمام إلى الأذرع الإيرانية الأخرى بلبنان والعراق إلى المعركة؟

يُطرح السؤال والإقليم يشهد تطوراً غير مسبوق من الصدام، تطايرت خلاله الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل ودول الخليج العربي وأماكن أخرى، كما توالت الضربات الأميركية والإسرائيلية على مدار أسبوع كامل، وسط توقعات باتساع مدة المواجهة.

وكان من اللافت أن أقوى أذرع إيران وأكثرها قدرة على إيذاء المصالح الغربية والإسرائيلية - وهي الجماعة الحوثية في اليمن - لا يزال في موقع المتفرّج حتى الآن، بخلاف «حزب الله» اللبناني وبعض الفصائل العراقية الموالية لإيران التي انخرطت في الصراع.

فبعد الهجمات الحوثية الجوية والبحرية التي استمرت نحو عامين، والتي أطلقت خلالها الجماعة أكثر من ألف مسيرة وصاروخ باتجاه إسرائيل والسفن في البحر الأحمر، اكتفى زعيمها عبد الملك الحوثي بالدعوة للتظاهر في صنعاء وإدانة مقتل خامنئي، والتلويح بأن أيادي جماعته «على الزناد» بحسب مقتضيات التطورات، وفق تعبيره.

الحوثيون دخلوا في حسابات صعبة حالت دون دخولهم حتى الآن في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ومع تزاحم الأسئلة في الأوساط السياسية والشعبية باليمن، بل وفي الأوساط الدولية حول طبيعة هذا الموقف الحوثي، تتباين التفسيرات حول أسباب موقف الجماعة التي جاءت سمعتها في الأساس على أنها «اليد الإيرانية» في جنوب الجزيرة العربية.

الصدمة وقنوات الاتصال

أول الأسباب يرجعه محللون إلى الارتباك وليس التكتيك في إدارة المعركة.

يقول الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عدم دخول الحوثيين إلى الحرب حتى اللحظة، ليس تكتيكاً في تقديري بقدر ما هو ارتباك في إدارة المعركة، من جهة النظام الإيراني، نتيجة الضربة المفاجئة والكبيرة التي أصابت النظام باستهداف المرشد في أول لحظة، وقيادات كبرى، واستهداف القدرات العسكرية والعملياتية في الساعات الأولى».

ويستدل الباحث بسير المعركة لدى النظام الإيراني نفسه، الذي يرى أنه بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة، واصفاً إطلاق الصواريخ بأنه «نوع من الفوضى العملياتية المنفلتة، ما يعني أن العصب العسكري والهيكلية العسكرية تعرضا للخلخلة وافتقاد زمام المبادرة والتماسك».

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء خلال مظاهرة داعمة لإيران (إ.ب.أ)

يؤكد هذا الطرح الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند، مشيراً إلى مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي، ويقول: «يبدو أن قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية قد فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة بناء على تطورات القصف الأميركي - الإسرائيلي».

ويتفق معهما الباحث اليمني عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، موضحاً أن «انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر بشكل يومي ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية».

ومن بين هذه العوامل، بحسب الجبرني، إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على إسقاط النظام في إيران.

ويعود البيل بالقول إن «الأوضح هو موقف وتردد الحوثيين حتى الآن. ضبابية التصرف تسيطر عليهم، لا يعرفون ما يقولونه بشكل واضح. بدا هذا التعثر والارتباك حتى في بيانات الحوثي، بلا موقف واضح ولا حتى اتضاح خطط مقبلة، ما يعني أنه لم يتلقَّ التعليمات الكاملة حتى الآن، وأن حلقات تواصل وتوجيه قد فقدت، فبدا الحوثي كما لو أنه لا يعرف ماذا يفعل».

اختلاف الأجنحة والضغوط الداخلية

من زاوية مختلفة، يذهب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني، إلى الحديث عن معركة موازية تدور داخل أروقة الجماعة الحوثية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك تياراً يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الأحمر.

ويستدل على ذلك بأنه «قد جرى بالفعل تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل أن يسارع جناح آخر داخل الجماعة إلى نفيه، في مشهد يعكس حالة من التخبط والارتباك».

ويشير البيضاني إلى وجود عامل خارجي مؤثر، إذ يعتقد أن الحوثيين «تلقوا نصائح إقليمية من وسطاء إقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة، وانتظار نتائج المواجهة خلال الأيام المقبلة».

زعيم الحوثيين اكتفى بالتعزية في خامنئي والمساندة الإعلامية والدعوة للتظاهر (إ.ب.أ)

من جهته، يرى الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال صادق الوصابي، أن الحوثيين يدركون أن «توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم، وقد يفتح عليهم أبواباً يصعب إغلاقها».

وأوضح الوصابي لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة «تعيش أصلاً في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها، وتعاني من آثار الضربات التي تلقتها مؤخراً، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو البنية التحتية».

وأضاف أن أحد أبرز عناصر قوة الجماعة، وهو الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجيستي، «لم يعد بالحجم نفسه»، في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والأزمات المتسارعة التي تمر بها.

حسابات البقاء

يقدم توفيق الجند قراءة تربط الموقف الحوثي بحسابات وجودية، إذ يرى أن الرد الحوثي بدأ نظرياً وكلامياً عبر خطابات زعيم الجماعة، لكنه يستدرك بالقول إن «الموقف هذه المرة مختلف لعدة أسباب؛ منها أن الحوثي لا يريد الظهور مدافعاً عن إيران، حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت أصلاً دعماً لطهران في إطار محور المقاومة»، وفق تقديره.

ويقرأ الجند مفارقة لافتة، ولا يستبعد أن الحوثيين قد يرون أنفسهم «رأسمال جوهرياً» يُبنى عليه مستقبلاً، «ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة إن تعرضت إيران و(الحرس الثوري) لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من إطارها الجغرافي، والتحول إلى ميليشيات إقليمية قد تكون جبال اليمن مقراً لها».

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)

ويخلص إلى احتمال أنه «إذا فكرت الجماعة بطريقة نفعية، ونظراً لحجم الهجمات التي تتلقاها طهران، فالجماعة قد لا تفكر سوى بحبل النجاة، واستثمار خسائر طهران لرفد قدراتهم البشرية والتسليحية بوصف ذلك ملاذاً لبقايا قوة الدولة المارقة، ليرى عبد الملك الحوثي نفسه (خامنئي) جديداً على المذهب الزيدي هذه المرة».

ويضيف الجند بالقول إن «الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران كان قوياً، والحوثيون خائفون على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى ما حدث للمرشد الإيراني وكبار قادته، ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه، ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها».

التقدير الاستراتيجي

بين هذه القراءات، يرى المحللون أن الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل «غرفة عمليات المحور». يقول عدنان الجبرني إن الجماعة «جاهزة للتدخل منذ اليوم الأول»، مشيراً إلى أن تأخرها يعود إلى تقديرات إيرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية، من دون استنفاد جميع أوراق الضغط دفعة واحدة.

ويضيف أن الموقف قد يتغير في حال تعرض «حزب الله» لضربة قاسية نتيجة انخراطه في إسناد إيران، أو إذا تعرض الحوثيون أنفسهم لضربة استباقية، مؤكداً أنه «حتى في حال لم يتحقق أي من هذه العوامل، وطلبت إيران تدخل الحوثي، فلن يتردد».

ويرى الباحث والاستشاري في شؤون الأمن الإقليمي والدفاع والحرب والسلام، إبراهيم جلال، أن السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف إيران احتمالاً قائماً بقوة.

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة دعا إليها زعيمهم (رويترز)

وقال جلال لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران أنشأت ما يُعرف بمحور المقاومة «لهذه اللحظة التاريخية بالذات، لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر».

وأضاف أن الحوثيين «ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار»، مرجحاً أن ينضموا إلى المواجهة بعد انخراط «حزب الله» اللبناني وبعض الميليشيات العراقية. وتساءل: «هل يمكن أن يكون هؤلاء أوفى لطهران من الحوثيين؟».

هل يُتّخذ قرار الحرب؟

يرى جلال أن التطورات الحالية تمثل «لحظة فارقة في مسار الحركة الحوثية العابرة للحدود، فإما أن يؤكد الحوثيون عمقهم الآيديولوجي ضمن المحور، أو يختاروا التنازل عن إيران التي أنهكت فعلاً خلال الجولة الأخيرة».

ويرجح فارس البيل أن دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الإيراني في إدارة المعركة في الأيام المقبلة، مشدداً على أن «الحوثي سيدفع به إلى ممارسة أي عمل عسكري، باعتباره استثماراً طويلاً ومكلفاً لدى النظام الإيراني، ولن يوفره في لحظات نزعه الأخير».

عنصر أمن حوثي في صنعاء يحمل العلم الإيراني (رويترز)

من جهته، يشير البيضاني إلى أن الكفة تميل حتى الآن لصالح الجناح الحوثي المطالب بالمشاركة في المواجهة، خصوصاً بعد تجاوز الصدمة، ويقول: «مع شروع كل من (حزب الله) العراقي و(حزب الله) اللبناني في الانخراط في القتال، لا يستبعد أن يعلن الحوثيون مشاركتهم ما لم تطرأ تطورات متسارعة في طهران، مثل اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، أو وقوع انشقاقات كبيرة داخل (الحرس الثوري)».

ويرى صادق الوصابي أن الحوثيين قد يلجأون إلى تحركات محدودة لإظهار استمرارهم ضمن المحور؛ مثل تنفيذ هجمات في البحر الأحمر أو إطلاق مسيّرات باتجاه إسرائيل، محذراً من أن أي تورط قد يغير حسابات الأطراف الأخرى.

ويقول: «الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها، قد يجدان في ذلك فرصة للضغط على الجماعة سياسياً وعسكرياً، خصوصاً إذا ارتبطت تحركات الحوثيين بشكل مباشر بتهديد الملاحة الدولية، أو أمن المنطقة».

لكنه يقرّ بأن «أي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تبعات خطيرة على اليمن، خصوصاً في ظل الوضع الإنساني والاقتصادي المأساوي الذي يعيشه السكان».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، شدد على أهمية حماية البلاد من الانجرار إلى دورة جديدة من المواجهات الإقليمية، محذراً من أنه «ليس من حق أي طرف جرّ اليمن إلى صراع أوسع يعرّض اليمنيين لمزيد من المعاناة».

وفي وسط هذه التحليلات، يرجح المراقبون للشأنين اليمني والإقليمي، أن الحوثيين في حال قرروا استئناف هجماتهم البحرية، أو شن صواريخ باتجاه إسرائيل، فإن الرد الأميركي والإسرائيلي سيكون أكثر عنفاً هذه المرة، وبخاصة أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرب وجود مع إيران نفسها، فضلاً عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الإقليمي وردود الفعل المتوقعة.


مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.