«رواية بيروت» عرض خطف الأنفاس خلال افتتاح مهرجانات العاصمة اللبنانية

تحت قبّة عملاقة بمساحة 3 آلاف متر مربع بالأبعاد الثلاثية

مشهد يمثّل حقبة استقلال لبنان من العمل الفني «رواية بيروت»
مشهد يمثّل حقبة استقلال لبنان من العمل الفني «رواية بيروت»
TT

«رواية بيروت» عرض خطف الأنفاس خلال افتتاح مهرجانات العاصمة اللبنانية

مشهد يمثّل حقبة استقلال لبنان من العمل الفني «رواية بيروت»
مشهد يمثّل حقبة استقلال لبنان من العمل الفني «رواية بيروت»

خفق قلب العاصمة اللبنانية من جديد مساء أول من أمس في افتتاح مهرجانات «بيروت الثقافية» (بيروت تنبض)، التي استهلّت بحفل حمل عنوان «رواية بيروت»، داخل قبة عملاقة، حيث عرضت على سقفها وجوانبها، وبقطر 360 درجة، حكاية المدينة بمشاهد ثلاثية الأبعاد.
وتحت القبّة الدائرية الضخمة التي تبلغ مساحتها نحو ثلاثة آلاف متر مربع استقدمت خصيصًا للمناسبة من الولايات المتحدة، تم تثبيتها وسط بيروت (مقابل فندق فور سيزونس)، استمتع أكثر من 1500 شخص بمشاهدة عرض بصري حي تميّز بتقنية عالية المستوى تعود فكرته لمخرج العمل داني الجرّ (مدير شركة اتز كومونيكيشن). وقد تم التعاون مع فريق «تري دي مابينغ» بقيادة اميل عضيمي لتنفيذ العرض، في حين تولّى عملية الإنتاج شركة «باك ستاج بروداكشن».
تضّمن العمل أهم المحطات التي مرّت بها بيروت، منذ أيام الفينيقيين والرومان مرورًا بعصرها الذهبي، وبالحرب التي شهدتها في السبعينات وصولاً إلى اليوم. فكانت «ستّ الدنيا» محور العرض، فيما النصّ المرافق كتبه الفنان جورج خباّز وقرأه الممثل جوزف بو نصار، وقد تمّت مواكبته بمشاهد تمثيلية وأخرى راقصة حيّة، وبموسيقى من تأليف وتوزيع غي مانوكيان، اقتبس بعضها من تلك الحقب وعزفتها الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية.
منذ اللحظة الأولى للعرض شعر الحضور بأهمية العمل وضخامة التقنيات المستعملة فيه. فسماء القبّة مضاءة بالنجوم و«ساعة العبد» التي تتوسط ساحة النجمة، تمّ نسخها بمقاييسها الحقيقية لتؤدّي دور الراوي الصامت على المسرح، طيلة الحفل. وتم التنبيه قبيل بدء العرض بضرورة إغماض العينين في حال شعور المشاهد بالانزعاج من قوة المؤثّرات البصرية، وتمركز 70 عازفًا على خشبة المسرح، مما استدعى الإحساس بأننا أمام عرض أعدت له زوادته الموسيقية بعناية.
«هي حكاية ومش حكاية.. هي حلمك وحلمي.. هي الشيخة التي لم تهرم.. هي بيروت الحكاية»، تمثّل بعض العبارات التي استخدمت في اللوحة الأولى من العرض، في مشهد افتراضي وضعنا في قلب ساحة النجمة، عندما راحت صور بيروت اليوم المظلّلة بمشاهد من أيام الفينيقيين، تظهر على جدران الشاشة العملاقة للقبّة، التي تعمل في نطاق 360 درجة بانورامية لعرض المؤثّرات البصرية في تقنية ثلاثية الأبعاد. ورافقت هذه اللوحة التي ذكّرتنا برموز تلك الحقبة التاريخية (السفن الفينيقية واختراع الحرف)، مجموعة من الراقصين على أرض خشبة المسرح حملوا الجرار وتمايلوا بها انسجامًا مع اللحظة.
وبعد أن دارت عقارب «ساعة العبد» بسرعة على أعوام متتالية بدأت مع عام 1516 عندما شهدت بيروت مرور الغزاة المتعاقبين على أرضها، رافقتها مشاهد صورية تدلّ على أصولهم وجنسيّاتهم (الرومان والعثمانيون)، انتقل العرض إلى زمن لبنان في عهد الانتداب، في شريط مصوّر تضمّن أهم محطّات تلك الحقبة مع صدور العملة اللبنانية وتسيير «الترامواي» وغيرها. وبعد مشهد قصير لم يتجاوز اللحظات القليلة من مجمل العرض الذي بلغت مدّته 70 دقيقة، عكست صورة رجالات بيروت وراء القضبان الذين استشهدوا في سبيل استقلاله، انتقل العرض إلى الفترة التي شهدت ولادة الجمهورية اللبنانية. فاحتضنت القبّة في تلك اللحظة العلم اللبناني بحجم ضخم، راح يرفرف فوق رؤوس الحاضرين على أنغام النشيد الوطني اللبناني. فوقفوا ينشدونه على إيقاع موسيقى المايسترو غي مانوكيان، وليصفقّوا طويلا لهذه المشهدية البصرية الصوتية المؤثّرة.
وفجأة شعر الحضور أنهم داخل كرة بلّورية عندما ظهرت على مجسّم «ساعة العبد» رسومات سريالية لخطوط هندسية كريستالية تتجمّع معلنة وضع البنى التحتيّة لبيروت، والتقت تحت سماء القبّة خيوط شبكة عنكبوتية لشوارع بيروت الرئيسية، التي تؤلّف خريطتها الميدانية. ولعلّ المشاهد التي نقلت الحقبة الذهبية للبنان عامة وبيروت خاصة، والتي استهلّت بفترة افتتاح محطّته التلفزيونية الرسمية، تعدّ من بين أجمل المشاهد التي عرضت في «رواية بيروت»، فأعادتنا بالذاكرة إلى زمن الفن الجميل، وإلى عمالقة تلك الحقبة الذين خطّوا بأعمالهم الركائز الأساسية للبنان الفن والثقافة والإعلام المرئي. وبالصوت والصورة توالت المقتطفات من مسلسلات تلفزيونية ما زلنا نشعر بالحنين إليها كـ«آلو حياتي» و«أبو ملحم» و«الدنيي هيك» و«اخوت شاناي» مع مرور سريع لأبطالها الراحلين (هند أبي اللمع وأديب حداد ومحمد شامل ونبيه أبو الحسن وغيرهم). ولنشاهد أيضًا خلالها مقتطفات من برامج حوارية لنجيب حنكش، وأخرى من مسرحيات لـ«الرحابنة» مع فيروز وغيرها لصباح. ولتطلّ بعدها المغنية عزيزة جبّور يرافقها عزف على البيانو غي مانوكيان، فتؤدّي أغنية (الغندورة) تنذرنا بكلماتها ما ينتظر لبنان في أيامه المستقبلية عندما ستحلّ عليه لعنة النحس.
وتدور عقارب «ساعة العبد» مرة جديدة لتحطّ بنا في عام 1974، عندما شهد لبنان ذروة الازدهار في مجالاته المختلفة، وليخيّم على الأجواء حقبة تاريخية ما زلنا نتغنى بها حتى اليوم، التي لمع خلالها اسم فنادق من لبنان (فينيسيا وكارلتون وغيرها)، وأهم مركز سياحي فيه (كازينو لبنان)، وأهم صالات السينما التي غزت وسطه في تلك الفترة وعرضت أجمل الأفلام العربية واللبنانية والغربية (روكسي والحمرا والدورادو وغيرها)، وصولاً إلى مطاعم شكّلت عنوانًا شهيرًا للأطباق اللبنانية الأصيلة (مرّوش ويلدزلار)، مرورًا بالمشروبات الغازية التي انضمّت إلى لائحة منتجات لبنانية كـ(جلول وكندا دراي ونجم). رافق تلك المشاهد التي أدارت أنظار الحضور طيلة وقت عرضها يمينًا ويسارًا، أغان تذكّرنا بتلك الفترة لمروان محفوظ (خايف كون عشقتك وحبّيتك)، وسامي كلارك (قومي تنرقص يا صبيّة)، فصفّق الجمهور لها طويلاً وهو يرددّ كلماتها على موسيقى عزفتها الأوركسترا الفيلهارمونية اللبنانية، وأنشدها فريق كورال من على خشبة المسرح. وعزف بعدها غي مانوكيان مقطعًا من أغنية فيروز (كان عنّا طاحون)، ولتشتعل أجواء المسرح بالتصفيق وليقف غي مانوكيان كتحيّة لردّ فعلهم هذا.
«بيروت العيش الهني» كما وصفها الراوي لحكاية بيروت، ما لبثت أن ذبلت بسبب العين الحاسدة التي طالتها. ولينتقل الحضور بعدها على وقع أغنية إنجليزية شهيرة تعبّر عن ذلك الواقع (can’t take my eyes of you)، أدّاها مغنٍ مباشرة على المسرح بعد أن انطفأت الأضواء لتسود المسرح العتمة، معلنة بذلك اندلاع الحرب اللبنانية في عام 1975. هذه اللوحة التي استغرق عرضها نحو 10 دقائق (الأطول من فقرات العرض) ولتختصر عشرين عامًا من الحرب، كانت الأكثر تأثيرًا على الحضور إن من ناحية مشهديّتها الغنيّة بمؤثّرات بصرية أعادته إلى تلك الحقبة بالصوت والصورة، أو من ناحية الإيقاع السريع الذي اتّسمت به، فكانت لافتة للعين والأذن معًا. خيّم الصمت بين الجمهور الذي التقط أنفاسه ليجول بنظره نحو الأعلى مرة، وعلى حيطان القبّة مرة أخرى، متابعًا قصّة بيروت التي احترقت بعد أن أحرقت قلوب كثيرين، فتمنّوا لها الأذيّة كما تقول كلمات أغنية «ستّ الدنيا» للشاعر الراحل نزار قباني. ومن خلال صور ثلاثية الأبعاد لعماراتها المهدّمة والمنخورة بالرصاص وشظايا القنابل، وأصوات الانفجارات ورشّات الرصاص من الأسلحة المتطوّرة التي تناهت إلى مسمع الجمهور، عاش الحضور تلك اللحظات الأليمة على وقع موسيقى حزينة، ومن خلال أداء مسرحي قامت به مجموعة من الممثلين، الذين تنقّلوا في صالة العرض وهم يحملون أسلحتهم (الخشبية) على أكتافهم ويقودون ناقلات المدافع والسلاح في سيارات رباعية الدفع وقفوا بها على خشبة المسرح لاستعادة تلك الفترة بشكل حي. تسارعت الأحداث لينتقل العرض من فترة زمنية إلى أخرى تراوحت ما بين منتصف الثمانينات وأوائل التسعينات، عندما حاولت بيروت لملمة جراحها، وقد رافقها أداء أغانٍ لماجدة الرومي وفيروز (ستّ الدنيا وبيروت)، مع عزف حي للأوركسترا الفيلهارمونية وأداء للمغنية دالين جبور. ومن ثمّ انتقل الحضور إلى حقبة إعادة إعمار لبنان ووسط بيروت (1995) على وقع أغنية «راجع يتعمّر لبنان» لزكي ناصيف، ولتمر الحكاية بسرعة على عام 2005 الذي شهد عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وننتقل إلى العام الحالي (2016) مع أغنية «لبنان يا قطعة سما» للراحل وديع الصافي، وزّعها غي مانوكيان بطريقة حديثة فجمعت بنوطاتها الموسيقية ما بين لبنان الماضي واليوم. وانتهى العرض بدخول مجموعة من الأطفال يحملون المصابيح بين الحضور، على مقطع من النصّ يدعو إلى وجوب اتحاد اللبنانيين وشبك أياديهم مع بعضهم بعضًا من أجل لبنان أفضل. وكانت أغنية «أجيال» التي وضع ألحانها غي مانوكيان خصيصًا لهذه المناسبة، مسك الختام الذي توّج في اعتلاء رئيسة لجنة «مهرجانات بيروت الثقافية» لمي سلام خشبة المسرح لشكر الحضور وكلّ من ساهم في نجاح هذا العمل.
«رواية بيروت» كانت خير عنوان لمهرجانات بيروت الثقافية التي اتخذت شعار «بيروت تنبض» هدفًا حقيقيًا لها، فترجمته بالفعل والقول في عمل فنّي ذي مستوى عالمي وراق معًا لا يشبه أي من سابقيه. وتستمر أنشطة مهرجانات بيروت الثقافية إلى 22 مايو (أيار) الحالي، فيقام يوم الجمعة 20 مايو حفلة غنائية للنجمين راغب علامة ونانسي عجرم بمشاركة وجوه بارزة من برنامج المواهب «إكس فاكتور» (XFactor)، كذلك يتضمن برنامج المهرجانات إقامة قرية للمحركات الميكانيكية تفتتح الجمعة وتتضمن مجموعة من أنشطة رياضات المحرّكات، على أن يكون الختام الأحد 22 مايو بعرض هو الأول من نوعه في لبنان لسيارة «فورمولا واحد» يقودها السائق الإسباني كارلوس ساينز جونيور من فريق Red Bull.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».