«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» 4‬ : فيلم مصري يفتتح «نظرة ما».. وإسرائيلي لمخرجة فلسطينية

«اشتباك» فيلم صادم أريد له أن يكون كذلك

لقطة من فيلم «اشتباك» للمصري محمد دياب  -  لقطة من «أمور شخصية»
لقطة من فيلم «اشتباك» للمصري محمد دياب - لقطة من «أمور شخصية»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان «كان» 4‬ : فيلم مصري يفتتح «نظرة ما».. وإسرائيلي لمخرجة فلسطينية

لقطة من فيلم «اشتباك» للمصري محمد دياب  -  لقطة من «أمور شخصية»
لقطة من فيلم «اشتباك» للمصري محمد دياب - لقطة من «أمور شخصية»

لم يكن الإقبال يوم أول من أمس على الفيلم المصري «اشتباك» مشهودًا له بالكثافة، وأقل منه مستوى الإقبال على الفيلم الإسرائيلي الذي تبعه «أمور شخصية».
«اشتباك»، الفيلم الثاني لمحمد دياب من بعد «678» الذي حققه سنة 2010 حول ظاهرة التحرش بالمرأة في حافلات الدولة، لا يخيب أمل منتظريه من حيث جدية تناوله الأحداث السياسية والأمنية التي شهدتها مصر في عام 2013 عندما اندفعت المظاهرات الإخوانية مطالبة بإطلاق سراح الرئيس المعزول محمد مرسي.
«أمور شخصية»، من ناحيته، لمخرجة أول مرّة اسمها مها حاج، وهو ليس عن أحداث كبيرة، بل، وكما يوحي عنوانه، عن وقائع يومية عادية في حياة أسرة صغيرة مكوّنة من جيلين. الفيلمان يختلفان في كل شيء لدرجة التناقض. وفي حين رغب الحاضرون في مشاهدة فيلم مصري عن الواقع المصري ذاته، كان الفضول مختلفًا بالنسبة لـ«أمور شخصية» فالموضوع الفلسطيني قائم قبل وبعد ثورات الربيع العربية وما آلت إليه، والمخرجة فلسطينية والفيلم مقدّم باسم إسرائيل. الأمر الذي أدى إلى تكرار ما إذا كان الفيلم يُحسب لمخرجه وينتمي إلى هويته أو يُحسب لمنتجيه ويحمل، بالتالي، هوية الدولة التي ينتمون إليها.

صدام أبناء الشعب الواحد
العرض الصحافي لفيلم «اشتباك» كان للنقاد والصحافيين فقط، لكن الحفلة التالية له، كونه فيلم افتتاح مسابقة «نظرة ما» (المظاهرة الرسمية الثانية في المهرجان)، لجمهور عام، وكل من في الفيلم من ممثلين ومسؤولين (أكثر من ثلاثين فردًا) صعدوا على خشبة الصالة وبادلوا الجمهور التحية.
«اشتباك» فيلم مهرجانات بلا ريب. ذلك النوع من الأفلام الذي بغض النظر عن مستواه، حالما يرتفع عن مستوى القبول، يجذب اهتمام المشاهدين لسببين رئيسيين: الأول أنه، كما ذكرنا، عن أحداث مصر الأمنية في إحدى أهم حقبها التاريخية الحديثة، والثاني أن الفيلم يجمع 25 ممثلاً في شاحنة أمن مغلقة طوال الوقت (باستثناء لقطات قليلة). هذا كمّ كبير من الأشخاص الذين عليهم التعايش علما بأنهم مؤلّفون من مؤيدين لمرسي ورافضين له. الكاميرا لا تغادر الشاحنة وتحشر نفسها وسط هذا الحشد من الممثلين بفاعلية.
بعد أقل من عام على حكم الرئيس مرسي، أُطيح بحكمه مما أثار الشارع الإسلامي في مصر المؤلف من حزب الإخوان المسلمين أساسًا وبعض المؤيدين. الفيلم يُفتح على مذيع تلفزيوني ومصوّره وهما في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. تعترضهما الشرطة فيخبرها الأول أنه «أميركي مصري» يعمل لوكالة «أسوشييتد برس». لكن البوليس يرميهما في الشاحنة المخصصة للمعتقلين. الشاحنة خالية لكن بعد قليل تم إيقاف عدد من المتظاهرين الذين اعتقدوا أن الصحافيين من «الإخوان» فرشقوا الشاحنة بالحجارة. البوليس يقبض عليهم (ومن بينهم أولاد ونساء) ويدخلهم بالقوّة إلى الشاحنة. ما هي إلا فترة قصيرة ويلقي البوليس القبض على نحو عشرة أفراد آخرين إنما من المتظاهرين المؤيدين لمرسي ويحشرهم في الشاحنة ذاتها. ما إن يدخل هؤلاء حتى تقع معركة بينهم وبين المعارضين لمرسي يتدخل البوليس لفضها.
بعد ذلك، ينصرف المخرج لعرض بانوراما اجتماعية لهذه الشخصيات المتناحرة ذات المذاهب السياسية المختلفة. مع وصول الفيلم إلى نهايته بعد ساعة و37 دقيقة، وبعد عرض أحداث دامية مصدرها حينًا البوليس الباطش وأحيانًا المتظاهرون الذين لا يكفون عن رشق الشاحنة بالحجارة وإلقاء الأنوار الليزرية، كما الخلافات المستشرية بين البعض من الفريقين، ينتهي الفيلم بمفاد أن الجميع ضحايا الوضع المتأزم. الفيلم ينتهي بالشاحنة مقلوبة ومجهولي الانتماء يهاجمون من فيها، صغارًا وكبارًا، إناثًا ورجالاً، في عنف جلي.
«اشتباك» فيلم صادم لا جدال. أريد له أن يكون كذلك وحقق - بالصورة وعبر الوجوه المختلفة لشخصياته ذلك. لكنه بالكاد فيلم جيد. إنه مثير للمتابعة وليس فيه أي هنّات تنفيذية تذكر، لكن الدراما التي يودعها فينا تبقى محدودة الأثر. خالية من عمق مطلوب. الجهد المبذول (استمر التصوير لـ26 يوما بكاميرا Alexa Mini) منهمك في إنجاز فيلم محبوس في مكان واحد مع شخصيات أكثر مما يكترث المرء لمتابعته. مع عدد أقل، وبمواقف أقل تكرارًا، كان يمكن للفيلم أن ينحو صوب إلقاء ظلالات أكثر وضوحًا على كل ما يريد قوله من دون أن يخسر حدّته ومن دون التخلي عن حياده (ولو أن ذلك الهدف سيصبح أكثر صعوبة في هذه الحالة).
يختار المخرج ما يريد تداوله. حاجة البعض (اثنان فقط) للتبوّل طبيعية لكنها محشورة، لأن الأحداث تقع طوال يوم وليلة وليس من المعقول أن شخصين فقط هما من شعرا بهذه الحاجة. كذلك لم يشكُ أحد من الجوع ومعظمهم لم يتناول الماء طوال تلك الساعات. كون الفيلم يفتح جبهة هذا الوضع كان عليه أن يفكر في كيفية إغلاقها.
ليس هذا من باب تقليل أهمية ما يدور، بل نقد بعض الوسائل التي اعتمدها المخرج لفيلمه ومن بينها الاضطرار لإبقاء التوتر عاليًا والمكان مضجًا عوض أن يختار مساحات كافية لطرح الأمور ذاتها بنبرة منطقية. الأمن في الفيلم هو المدان أكثر من سواه، لكن ذلك يتم من دون النظر إلى الدوافع ذاتها. كل هذا يدفع المشاهد لمنطقة من الصعب فيها قبول ما يعرضه الفيلم كواقع حتى ولو كان مستمدًا من أحداث واقعة واحتمالات حقيقية.

علاقات مثيرة للاهتمام
أحداث «أمور شخصية» بالغة الاختلاف. هو أيضًا يبتعد قدر ما يستطيع عن طرح الوضع السياسي، بل يستأصل (على عكس «اشتباك») احتمالاته.
مها حاج تفتح على زوجين أمضيا سنوات مديدة معًا ويعيشان وحدهما في الناصرة في الزمن الراهن. روتين العلاقات طغى. البرودة فيها سادت. الزوج يسأل طوال الوقت والزوجة تجيب. يريدها أن تستمع لما يقرأه من مقالات علمية وغذائية وهي لا تأبه لذلك. يمضي النهار فتلجأ إلى التلفزيون لتتابع مسلسلاته.
يشكو الأب لأبنه الذي يعيش في ستوكهولم. هذا نراه يخرج إلى شرفة الشقق التي يعيش في إحداها في كل مساء، فتنهض على الفور الجارة من على كرسيها وتدخل البيت والكرسي معها. يتصل الشاب بشقيقه طارق الذي يعيش في رام الله ويطلب منه أن يزور والديه للتخفيف عنهما. يفعل ذلك على مضض ويعود إلى رام الله (حيث تعيش شقيقته المتزوجة) محملاً بالطعام. شقيقته تعني بجدتها التي فقدت الذاكرة، وزوجها جورج يعمل في محل تصليح سيارات. أما طارق فلديه علاقة متوترة مع الفتاة التي يعتقد أنه يحبها واسمها ميساء (ميساء عبد الهادي). يتشاجران عند حاجز للجيش الإسرائيلي مع بعضهما فيتم حجزهما والتحقيق معها لعلهما إرهابيان. في الوقت ذاته يلبي الزوجان العتيقان دعوة ابنهما في السويد الذي استأجر لهما منزلاً يشرف على بحيرة. هناك فقط تبتسم الأم وتضع رأسها على كتف زوجها في نهاية مناسبة.
كفيلم أول لها، تنجز مها حاج فيلمًا محسوبًا بلقطاته المؤطرة بأوضاع صحيحة وبأسلوب كلاسيكي. لا مغامرات أسلوبية هنا بل نظرة باردة نوعًا حيال حياة شخصياتها. ومع أن الفيلم لا يطرح أي وضع سياسي، فإنه يوحي به من خلال هنّات منفردة كلما تم ذكر ما يستطيع الفلسطيني القيام به أو عدم القيام به تبعًا للقوانين الإسرائيلية. كذلك يعكس ذلك الفتور التام في علاقات الجيرة في الغرب من خلال ملاحظة (عبر كاميرا منصبّة عن بعد) كيف لا تأمن الجارة (وهي ليست صغيرة السن) لجارها لكونه عربيًا فتترك الشرفة المشتركة وتدخل بيتها ولا تنسى أن تأخذ كرسيها معها.
على ذلك، الوقع العام للفيلم أقل من المأمول. ابتعاد المخرجة عن أي طرح من شأنه إخراج العمل من بحث الأمور الشخصية، كما عنوانه، لتداول ولو بحدود شؤون حياة فلسطينيي الداخل، يعود على الفيلم بحالة لا تتعدى إثارة الاهتمام إلى الاهتمام الفعلي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».