لم يكن الإقبال يوم أول من أمس على الفيلم المصري «اشتباك» مشهودًا له بالكثافة، وأقل منه مستوى الإقبال على الفيلم الإسرائيلي الذي تبعه «أمور شخصية».
«اشتباك»، الفيلم الثاني لمحمد دياب من بعد «678» الذي حققه سنة 2010 حول ظاهرة التحرش بالمرأة في حافلات الدولة، لا يخيب أمل منتظريه من حيث جدية تناوله الأحداث السياسية والأمنية التي شهدتها مصر في عام 2013 عندما اندفعت المظاهرات الإخوانية مطالبة بإطلاق سراح الرئيس المعزول محمد مرسي.
«أمور شخصية»، من ناحيته، لمخرجة أول مرّة اسمها مها حاج، وهو ليس عن أحداث كبيرة، بل، وكما يوحي عنوانه، عن وقائع يومية عادية في حياة أسرة صغيرة مكوّنة من جيلين. الفيلمان يختلفان في كل شيء لدرجة التناقض. وفي حين رغب الحاضرون في مشاهدة فيلم مصري عن الواقع المصري ذاته، كان الفضول مختلفًا بالنسبة لـ«أمور شخصية» فالموضوع الفلسطيني قائم قبل وبعد ثورات الربيع العربية وما آلت إليه، والمخرجة فلسطينية والفيلم مقدّم باسم إسرائيل. الأمر الذي أدى إلى تكرار ما إذا كان الفيلم يُحسب لمخرجه وينتمي إلى هويته أو يُحسب لمنتجيه ويحمل، بالتالي، هوية الدولة التي ينتمون إليها.
صدام أبناء الشعب الواحد
العرض الصحافي لفيلم «اشتباك» كان للنقاد والصحافيين فقط، لكن الحفلة التالية له، كونه فيلم افتتاح مسابقة «نظرة ما» (المظاهرة الرسمية الثانية في المهرجان)، لجمهور عام، وكل من في الفيلم من ممثلين ومسؤولين (أكثر من ثلاثين فردًا) صعدوا على خشبة الصالة وبادلوا الجمهور التحية.
«اشتباك» فيلم مهرجانات بلا ريب. ذلك النوع من الأفلام الذي بغض النظر عن مستواه، حالما يرتفع عن مستوى القبول، يجذب اهتمام المشاهدين لسببين رئيسيين: الأول أنه، كما ذكرنا، عن أحداث مصر الأمنية في إحدى أهم حقبها التاريخية الحديثة، والثاني أن الفيلم يجمع 25 ممثلاً في شاحنة أمن مغلقة طوال الوقت (باستثناء لقطات قليلة). هذا كمّ كبير من الأشخاص الذين عليهم التعايش علما بأنهم مؤلّفون من مؤيدين لمرسي ورافضين له. الكاميرا لا تغادر الشاحنة وتحشر نفسها وسط هذا الحشد من الممثلين بفاعلية.
بعد أقل من عام على حكم الرئيس مرسي، أُطيح بحكمه مما أثار الشارع الإسلامي في مصر المؤلف من حزب الإخوان المسلمين أساسًا وبعض المؤيدين. الفيلم يُفتح على مذيع تلفزيوني ومصوّره وهما في المكان الخطأ في الوقت الخطأ. تعترضهما الشرطة فيخبرها الأول أنه «أميركي مصري» يعمل لوكالة «أسوشييتد برس». لكن البوليس يرميهما في الشاحنة المخصصة للمعتقلين. الشاحنة خالية لكن بعد قليل تم إيقاف عدد من المتظاهرين الذين اعتقدوا أن الصحافيين من «الإخوان» فرشقوا الشاحنة بالحجارة. البوليس يقبض عليهم (ومن بينهم أولاد ونساء) ويدخلهم بالقوّة إلى الشاحنة. ما هي إلا فترة قصيرة ويلقي البوليس القبض على نحو عشرة أفراد آخرين إنما من المتظاهرين المؤيدين لمرسي ويحشرهم في الشاحنة ذاتها. ما إن يدخل هؤلاء حتى تقع معركة بينهم وبين المعارضين لمرسي يتدخل البوليس لفضها.
بعد ذلك، ينصرف المخرج لعرض بانوراما اجتماعية لهذه الشخصيات المتناحرة ذات المذاهب السياسية المختلفة. مع وصول الفيلم إلى نهايته بعد ساعة و37 دقيقة، وبعد عرض أحداث دامية مصدرها حينًا البوليس الباطش وأحيانًا المتظاهرون الذين لا يكفون عن رشق الشاحنة بالحجارة وإلقاء الأنوار الليزرية، كما الخلافات المستشرية بين البعض من الفريقين، ينتهي الفيلم بمفاد أن الجميع ضحايا الوضع المتأزم. الفيلم ينتهي بالشاحنة مقلوبة ومجهولي الانتماء يهاجمون من فيها، صغارًا وكبارًا، إناثًا ورجالاً، في عنف جلي.
«اشتباك» فيلم صادم لا جدال. أريد له أن يكون كذلك وحقق - بالصورة وعبر الوجوه المختلفة لشخصياته ذلك. لكنه بالكاد فيلم جيد. إنه مثير للمتابعة وليس فيه أي هنّات تنفيذية تذكر، لكن الدراما التي يودعها فينا تبقى محدودة الأثر. خالية من عمق مطلوب. الجهد المبذول (استمر التصوير لـ26 يوما بكاميرا Alexa Mini) منهمك في إنجاز فيلم محبوس في مكان واحد مع شخصيات أكثر مما يكترث المرء لمتابعته. مع عدد أقل، وبمواقف أقل تكرارًا، كان يمكن للفيلم أن ينحو صوب إلقاء ظلالات أكثر وضوحًا على كل ما يريد قوله من دون أن يخسر حدّته ومن دون التخلي عن حياده (ولو أن ذلك الهدف سيصبح أكثر صعوبة في هذه الحالة).
يختار المخرج ما يريد تداوله. حاجة البعض (اثنان فقط) للتبوّل طبيعية لكنها محشورة، لأن الأحداث تقع طوال يوم وليلة وليس من المعقول أن شخصين فقط هما من شعرا بهذه الحاجة. كذلك لم يشكُ أحد من الجوع ومعظمهم لم يتناول الماء طوال تلك الساعات. كون الفيلم يفتح جبهة هذا الوضع كان عليه أن يفكر في كيفية إغلاقها.
ليس هذا من باب تقليل أهمية ما يدور، بل نقد بعض الوسائل التي اعتمدها المخرج لفيلمه ومن بينها الاضطرار لإبقاء التوتر عاليًا والمكان مضجًا عوض أن يختار مساحات كافية لطرح الأمور ذاتها بنبرة منطقية. الأمن في الفيلم هو المدان أكثر من سواه، لكن ذلك يتم من دون النظر إلى الدوافع ذاتها. كل هذا يدفع المشاهد لمنطقة من الصعب فيها قبول ما يعرضه الفيلم كواقع حتى ولو كان مستمدًا من أحداث واقعة واحتمالات حقيقية.
علاقات مثيرة للاهتمام
أحداث «أمور شخصية» بالغة الاختلاف. هو أيضًا يبتعد قدر ما يستطيع عن طرح الوضع السياسي، بل يستأصل (على عكس «اشتباك») احتمالاته.
مها حاج تفتح على زوجين أمضيا سنوات مديدة معًا ويعيشان وحدهما في الناصرة في الزمن الراهن. روتين العلاقات طغى. البرودة فيها سادت. الزوج يسأل طوال الوقت والزوجة تجيب. يريدها أن تستمع لما يقرأه من مقالات علمية وغذائية وهي لا تأبه لذلك. يمضي النهار فتلجأ إلى التلفزيون لتتابع مسلسلاته.
يشكو الأب لأبنه الذي يعيش في ستوكهولم. هذا نراه يخرج إلى شرفة الشقق التي يعيش في إحداها في كل مساء، فتنهض على الفور الجارة من على كرسيها وتدخل البيت والكرسي معها. يتصل الشاب بشقيقه طارق الذي يعيش في رام الله ويطلب منه أن يزور والديه للتخفيف عنهما. يفعل ذلك على مضض ويعود إلى رام الله (حيث تعيش شقيقته المتزوجة) محملاً بالطعام. شقيقته تعني بجدتها التي فقدت الذاكرة، وزوجها جورج يعمل في محل تصليح سيارات. أما طارق فلديه علاقة متوترة مع الفتاة التي يعتقد أنه يحبها واسمها ميساء (ميساء عبد الهادي). يتشاجران عند حاجز للجيش الإسرائيلي مع بعضهما فيتم حجزهما والتحقيق معها لعلهما إرهابيان. في الوقت ذاته يلبي الزوجان العتيقان دعوة ابنهما في السويد الذي استأجر لهما منزلاً يشرف على بحيرة. هناك فقط تبتسم الأم وتضع رأسها على كتف زوجها في نهاية مناسبة.
كفيلم أول لها، تنجز مها حاج فيلمًا محسوبًا بلقطاته المؤطرة بأوضاع صحيحة وبأسلوب كلاسيكي. لا مغامرات أسلوبية هنا بل نظرة باردة نوعًا حيال حياة شخصياتها. ومع أن الفيلم لا يطرح أي وضع سياسي، فإنه يوحي به من خلال هنّات منفردة كلما تم ذكر ما يستطيع الفلسطيني القيام به أو عدم القيام به تبعًا للقوانين الإسرائيلية. كذلك يعكس ذلك الفتور التام في علاقات الجيرة في الغرب من خلال ملاحظة (عبر كاميرا منصبّة عن بعد) كيف لا تأمن الجارة (وهي ليست صغيرة السن) لجارها لكونه عربيًا فتترك الشرفة المشتركة وتدخل بيتها ولا تنسى أن تأخذ كرسيها معها.
على ذلك، الوقع العام للفيلم أقل من المأمول. ابتعاد المخرجة عن أي طرح من شأنه إخراج العمل من بحث الأمور الشخصية، كما عنوانه، لتداول ولو بحدود شؤون حياة فلسطينيي الداخل، يعود على الفيلم بحالة لا تتعدى إثارة الاهتمام إلى الاهتمام الفعلي.

