مستشارو كاميرون يعملون على مدار الساعة للإقناع بحملة البقاء في «الأوروبي»

يهدفون إلى الحصول على تأييد 60 % من الناخبين

مستشارو كاميرون يعملون على مدار الساعة للإقناع بحملة البقاء في «الأوروبي»
TT

مستشارو كاميرون يعملون على مدار الساعة للإقناع بحملة البقاء في «الأوروبي»

مستشارو كاميرون يعملون على مدار الساعة للإقناع بحملة البقاء في «الأوروبي»

يرى عدد محدود من المستشارين المقربين لرئيس الوزراء ديفيد كاميرون، والمروجين لحملة البقاء في الاتحاد الأوروبي، أن الفوز في الاستفتاء ليس كافيًا، ويسعون إلى تحقيق الانتصار على حملة الخروج بفارق كبير.
وقال أعضاء في الدائرة المقربة لكاميرون إنهم يهدفون إلى تحقيق نسبة 60 في المائة من الأصوات لصالح حملة البقاء خلال الاستفتاء المقرر تنظيمه في 23 يونيو (حزيران). ويعتقد هذا الفريق أن هذه النسبة هي الحد الأدنى لدفن «قضية أوروبا» نهائيًا، وضمان قدرة كاميرون على الاستمرار في منصبه حتى عام 2020.
وتشير استطلاعات الرأي إلى نتائج متقاربة للغاية، لكن هؤلاء المستشارين يعتقدون أن الفوز بهامش قليل لا يكفي، حيث إن دون الفوز بفارق واضح، سيبقى كاميرون عرضة لخطر تمثله القضية التي أسقطت اثنين من أسلافه، هما مارغريت ثاتشر وجون ميجور، وأنهكت حزب المحافظين لعقود.
ويقول مصدران بحزب المحافظين لوكالة «رويترز» إن بعض المشككين في الاتحاد الأوروبي يتآمرون بالفعل لإجبار كاميرون على التنحي بغض النظر عن نتيجة الاستفتاء. ويقول مساعدوه إنه كلما زاد هامش الفوز تراجعت فرصهم في النجاح.
وقال متحدث باسم كاميرون إن رئيس الوزراء ملتزم بتحقيق الفوز في الاستفتاء، لكنه امتنع عن التكهن بمستوى الفوز الذي يتطلع إليه. بينما أكد مصدر مقرب من رئيس الوزراء أن كاميرون يعي أنه كلما زاد مستوى الفوز تعزز موقعه. وأفاد بأنه «حتى حينها، فإن لملمة شتات الحزب مرة أخرى لن تكون مهمة سهلة». وطلب المصدر عدم نشر اسمه ليحذو حذو الأشخاص الآخرين الذين جرت مقابلتهم لهذا التحليل، بسبب عدم السماح لهم بالحديث علنا عن الحملة.
وليست البلاد منقسمة فحسب بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي، لكن نصف نواب حزب المحافظين وبعض أعضاء مجلس الوزراء يروجون للانسحاب من الاتحاد الأوروبي الذي يضم 28 عضوا. وقال المصدر المقرب من كاميرون إن رئيس الوزراء «متوتر». ولذلك تحول كاميرون إلى المستشارين محل الثقة والذين يملكون خبرة انتخابية عالية لضمان أن «الأمور تسير بالشكل الملائم، وأن لديه أناسًا يفهمون ما يعنيه وكيف يعمل»، وفق ما أكده أحدهم.
ويعتمد رئيس الوزراء بصفة أساسية على نحو ستة مساعدين لعبوا دورا أساسيا في الانتصار الذي حققه المحافظون في الانتخابات العام الماضي، والتصويت ضد الاستقلال في اسكتلندا في 2014. وتشمل المجموعة «أسلحته السرية» التي اعتمد عليها في الانتخابات البرلمانية لعام 2015، وتشمل كريج آلدر، وتوم أدموندز اللذين يستهدفان الناخبين المترددين بتسجيلات مصورة على الإنترنت، وإعلانات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وترك آلدر وأدموندز، وهما خبيران استراتيجيان في المجال الرقمي، عملهما في حزب المحافظين بعد مساعدة كاميرون في الفوز بانتخابات 2015، وأسسا وكالتهما الخاصة تستعين بها حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي.
ورفض الاثنان التعليق، لكنهما تحدثا في السابق عن الخطوط العريضة لاستراتيجيتهما التي تشمل استهداف المجموعات المختلفة في أكثر الأوقات تأثيرا خلال اليوم.
من جهته، ساعد ستيوارت هاند، الرجل الذي يقف خلف الفريق الميداني لمعسكر البقاء في الاتحاد الأوروبي، في إدارة الحملة الميدانية خلال انتخابات 2015. ويقدم اثنان من المستشارين الآخرين، هما أندرو كوبر وستيفن غيلبرت، المشورة بشأن الاستفتاء ويملكان خبرة الانتخابات، وكان كل منهما وثيق الصلة بكاميرون على مدى نحو 20 عاما.
وفي كل أسبوع، يحضر واحد على الأقل من مستشاري حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي اجتماعات رئيس الوزراء المنعقدة في الساعة الثامنة والنصف صباحا والساعة الرابعة مساء في مقرّه بـ«10 داونينغ ستريت». ومع اقتراب تاريخ الاستفتاء، سيتم اطلاع كاميرون بشكل شبه مستمر بأحدث التطورات ونتائج استطلاعات الرأي.
ويعمل عشرات المروجين الذين عينتهم حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي على مدار الساعة. ويقول عضو جديد بإحدى المجموعات (مازحا)، إنه تلقى نصيحة «بتخزين علب الفاصوليا المطبوخة والملابس الداخلية الجديدة، لأنه لن يكون هناك وقت لتناول الطعام أو غسل الملابس».
إلى ذلك، ينسّق مجلس الوزراء مع وحدة لاستفتاء الاتحاد الأوروبي تدير الرسالة التي توجهها الحكومة إلى المواطنين، إلى جانب حملة «البقاء» وحملة «بريطانيا أقوى في أوروبا» التي تدار من مكتب في وسط لندن، حيث تتركز البنوك والمؤسسات المالية.
وقال مصدر مقرب من الحملة إن كاميرون لا يستطيع زيارة قاعدة فريق البقاء داخل الاتحاد الأوروبي في حي «كانون ستريت» وسط لندن في كثير من الأحيان، بسبب عمل الحكومة، لذلك يعتمد على غيلبرت الذي أخذ إجازة من منصب نائب رئيس حزب المحافظين للتفرغ للحملة.
وسيحدد استفتاء 23 يونيو الإرث السياسي لكاميرون ومستقبل بريطانيا وأوروبا إلى حد كبير. ودعا كاميرون للاستفتاء تحت ضغط من أعضاء حزبه، وردا على التهديد الانتخابي المتزايد من حزب استقلال المملكة المتحدة المناهض للاتحاد الأوروبي. وألقى كاميرون بثقله في الحملة، وقام بجولة في البلاد لمحاولة إقناع الناس بتأييد البقاء في الاتحاد الأوروبي، مكرّرا تأكيده على أن بريطانيا «أقوى وأكثر أمنا وأفضل حالا» داخل الاتحاد الأوروبي.
وزار كاميرون عاملين في قطاعات التمويل وصناعة السيارات والصناعات العسكرية، وتحدث مع بريندان باربر، الخصم السياسي الذي تحول إلى حليف للاتحاد الأوروبي، وهو زعيم نقابي سابق. كما اجتمع مع طلاب معارضين للبقاء في محاولة لإقناع البريطانيين بالتصويت على البقاء في الاتحاد الأوروبي.
وأشار أحد المصادر إلى أن نجاح كاميرون في امتحان الاستفتاء وتأمينه إرثه، قد يدفع بعض المعارضين لعضوية الاتحاد الأوروبي إلى الاستقالة من مناصبهم. وقال متحدث باسم كاميرون إن الأمر يرجع لكل فرد ليقرر ما إذا كان سيبقى في الحزب بعد الاستفتاء، لكنه أضاف أنه في حين يتوقع أن «الأغلبية العظمى في الحزب» ستحترم تصويت بريطانيا، «وسيكون هناك بعض الناس الذين سيواصلون الإيمان بشدة بضرورة الانسحاب من الأوروبي».
بهذا الصدد، أوضح جيمس مجروري، كبير المتحدثين باسم حملة «بريطانيا أقوى في أوروبا» التي توحد المؤيدين لأوروبا من بعض الأحزاب السياسية، أن دور رئيس الوزراء رئيسي. وكان مجروري مستشارا سابقا لنائب رئيس الوزراء، نيك كليغ، المنتمي للحزب الديمقراطيين الأحرار خلال فترة الحكومة الائتلافية في الفترة من 2010 إلى 2015. ويسلط مجروري الضوء على أن حملة «بريطانيا أقوى في أوروبا» حملة شاملة تسمح لكل الأحزاب بالتأثير فيها. والتعاون بين الأحزاب نادر في بريطانيا، حيث يخلق عادة الانقسام السياسي بين اليسار واليمين مناخا يتسم بالتعصب في البرلمان. لكن كاميرون يحتاج إلى أن يحشد حزب العمال المعارض وحزب الديمقراطيين الأحرار أصوات ناخبيهما.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...