فيينا.. كما تبدو تحت الشمس

فيينا.. كما تبدو تحت الشمس

اختيرت 7 مرات كأفضل مدينة للعيش... ومن بين أفضل المدن للسياحة
الثلاثاء - 2 شعبان 1437 هـ - 10 مايو 2016 مـ

زرت فيينا لأول مرة منذ نحو عامين، قبل أيام من أعياد الميلاد، أي في شهر ديسمبر (كانون الأول)، كانت الأجواء باردة، ودرجات الحرارة كانت سابحة في أعماق الصفر، بدت جميلة ولكن داكنة، لا أزال أذكر رائحة المشروبات الساخنة، ومشاوي الكستناء المنتشرة في محيط المربع الذهبي، وأتذكر كيف كنت أسرق النظرات من تحت وشاحي الدافئ لكي أمعن نظري بأحد مبانيها التاريخية الراقية.

واليوم أزور فيينا للمرة الثانية في طقس مشمس يداعب خضرتها وحدائقها الغناءة، وتعكس الشمس أشعتها على المباني والقصور فتجدها مغلفة بخيوط من الذهب.

الشمس غيرت المشهد، زادت فيينا جمالا ورونقا، المشي فيها متعة والأكل في أحد مقاهيها الخارجية فرصة حقيقية لأناس مثلنا يعيشون في لندن، ويعرفون معنى الحرمان من الشمس وغزلها، ودفئها الذي يلامس البشرة، ويدغدغ المشاعر، ويعطي جرعة من فيتامين «د» الذي يفتقده جسم المقيمين في بلدان لا ترى الشمس إلا نادرا.

لا أستطيع إلا المقارنة ما بين زيارتي السابقة وزيارتي الأخيرة، وأتقدم من فيينا بالاعتذار لأني في مقالي السابق وجدت سحرها محصورا في مربعها الذهبي، ولم أشعر بهيبتها وجمالها الحقيقي إلى أن وصلت إلى وسطها.

* فيينا.. تستحق اللقب

تم اختيار فيينا للمرة السابعة على التوالي كأفضل مدينة في العالم للعيش فيها، وذلك من خلال استفتاء قامت به شركة «ميورسير» الاستشارية الدولية، وجاءت النتيجة استنادا إلى الاستقرار السياسي ونوعية العناية الصحية المتوفرة ومستوى التعليم واستشراء الجريمة وجودة وسائل النقل ومرافق الترفيه.

ويتمتع سكان العاصمة النمساوية، الذي يبلغ عددهم نحو 1,7 مليون نسمة، بثقافة المقاهي والمتاحف والمسارح والأوبرا التي تشتهر بها فيينا، فضلا عن انخفاض كلفة الإيجارات ووسائل النقل فيها، مقارنة بسواها من المدن الأوروبية.

* الجلسات الخارجية

كان من الصعب التعرف على نفس الشوارع لأنها بدت مختلفة، فتنتشر المقاهي بجلساتها الخارجية في جميع الأماكن، واللافت هو حب النمساويين للجلوس في الهواء الطلق وتناول الحلويات النمساوية والقهوة والشوكولاته الساخنة والطبق الأشهر «الشنيتزل»، مدافئ جميلة تضفي حرارة إضافية كي لا تؤثر فيك نسمات الليل، وستقف عاجزا أمام الكم الهائل للمقاهي المخفية، فأفضل طريقة لاكتشاف فيينا هي المشي على الأقدام، لأن هذه الوسيلة ستعرفك على فيينا الحقيقية، وخباياها ومبانيها التي تقطع من داخلها من شارع إلى آخر عبر قناطر جميلة، وأرضية رخامية لا يمكن وصفها إلا بالملكية. وأنصح أيضا بالاستعانة بدليل سياحي في فيينا، ليس فقط للتعرف على تاريخها العريق، وإنما أيضا للتعرف على أفضل الأماكن التي يزورها السكان المحليون من مطاعم ومحلات وبوتيكات، ولحسن الحظ كان دليلنا السياحي سيدة مصرية لطيفة لا يمكن وصفها إلا بالرقي، فهي زوجة سفير سابق، وتعرف فيينا عن ظهر قلب، وتتكلم العربية والألمانية، بالإضافة إلى لغات أوروبية أخرى بطلاقة، نبرة صوت فاطمة عبد الله الهادئة التي تترجم سبب اختيار فيينا لتكون أفضل مكان للعيش في العالم، فبهذه النبرة الناعمة والهادئة تتعرف على كل ما تريده في فيينا من متاحف وقصور وأهم محلات لبيع الحلوى والشوكولاته بأسلوب جميل ومريح، والأهم أنها ترافقك في مشوارك على الأقدام، ولديها الجواب اليقين لأي سؤال قد يخطر على بالك، والأهم أنها تضع برنامجًا للزوار بحسب احتياجاتهم واهتماماتهم.

ومن بين ما أشارت إليه فاطمة، البيوت التي عاش فيها بيتهوفن، الذي كان يتنقل من مكان إلى آخر بعد طرد جيرانه له بسبب الإزعاج الذي كان يسببه عندما كان يستيقظ في وسط الليل ليؤلف ويعزف قطعة موسيقية.

* أفضل الزيارات والنشاطات

لا يمكن أن تبدأ زيارتك إلى فيينا من دون أن تتمشى في Inner Stadt، حيث المربع الذهبي، وأول محطة لا بد أن تكون كاتدرائية سانت ستيفان، وميدان المتاحف، وبرج الدانوب، ومدرسة الفروسية الإسبانية، ودولاب فيينا، ويبقى قصر شونبرون من أهم معالمها، إضافة إلى دار الأوبرا الحكومية، ومتحف ليوبود، والقصر الإمبراطوري (هوفبورج).

من الممكن الدخول إلى الكاتدرائية والتصوير في أماكن محددة فيها، وستبهرك هندستها الرائعة من الداخل والخارج، ومن الممكن الصعود منها إلى منصة المشاهدة العالية.

* قصر شونبرون

وعلى مسافة نحو 30 دقيقة بواسطة السيارة تصل إلى قصر شونبرون، وهو القصر الإمبراطوري السابق والمؤلف من 1441 غرفة من روكوكو، وهو مصيف صيفي في فيينا، النمسا.

ويعتبر القصر من المعالم الأثرية والثقافية الأكثر أهمية في البلاد تصل إلى داخلها عبر بوابة عملاقة ليطالعك المبنى بلونه الأصفر اللافت.

بني القصر المخصص للقيصرة «إليونورا غونزاجا» بين عامي 1638 و1843، ولحق به تدمير كبير أثناء الحصار التركي الثاني لفيينا في عام 1683. وفي عام 1687 قرر القيصر ليوبولد الأول إعطاء المهندس المعماري «يوهان فون إيرلاخ» التصريح بتكملة القصر بباب مخصص لولي العهد يوزف الأول.

وفي عام 1743 في عهد الإمبراطورة ماريا تريزا اكتمل القصر وأصبح بحديقته على شكله الحالي. وكان القصر المبني مطابقا لفن روكوكو منذ أواسط القرن الثامن عشر وحتى الحرب العالمية الأولى المقر الصيفي للقياصرة النمساويين. وكان في رعاية عدة مئات من العاملين في البلاط الملكي، وتقام به المقابلات الرسمية والحفلات الخاصة بالعائلة الحاكمة هابسبورغ. وأثناء الإمبراطورية النمساوية المجرية سمى القصر «قصر الاستمتاع».

قصر شونبرون هو أكبر القصور وأهمها في النمسا، ويزوره أكبر عدد من السياح كل عام من الزائرين في فيينا. يقع القصر على مساحة قدرها 160 هكتارا، ويعتبر طبقا لليونيسكو موقع تراث عالمي منذ عام 1996. ومن معالمه المهمة، توجد في حديقته أقدم حديقة حيوان في العالم ولا تزال تعم بالحياة، وهي «حديقة حيوان شونبرون» على مساحة 16 هكتارا. ويمكن التجول بداخله عن طريق قطار يأخذك في رحلة في حدائقه التي تحتل نفس مساحة إمارة موناكو، ويوجد بالداخل مقهى جميل مطل على البحيرة.

* جولة على الأحصنة «فياكر»

في كل شارع من شوارع فيينا تجد عربات تجرها الخيل، ومن الأفضل بأن تؤجر عربة بالقرب من الكاتدرائية لتأخذك في رحلة في شوارع المدينة العتيقة، وتعتبر هذه الرحلة من أكثر ما يجذب السياح إلى المدينة، ويطلق على العربة والخيل اسم «فياكر» «Fiaker»، والاسم مشتق من الفرنسية تيمنًا بشارع «فياكر» الباريسي، ومنذ أن انتشرت العربات والخيل في شوارع فيينا منذ عام 1720 لا تزال من أهم نقاط الجذب السياحية فيها.

* حديقة ملاهي فيينا

إذا كنت بصحبة الصغار أنصحك بزيارة حديقة الملاهي «براتر» Prater، وتفتح أبوابها ما بين مارس (آذار) وأكتوبر (تشرين الأول)، أما دولاب فيينا فهو يعمل على مدى الفصول والأيام.

يمكنك حجز كبسولة من الدولاب في جولة خاصة تقدم فيها المأكولات الخفيفة والشاي والقهوة، ويدور بك الدولاب مرتين، وترى من خلاله روعة فيينا من فوق، واحتفل الدولاب بعيده الـ250 وهو بذلك الدولاب السياحي الأول في العالم، وتضم الحديقة الكثير من الألعاب ومتحف «مدام توسودز»، بالإضافة إلى المقاهي الكثيرة.

* بيت الموسيقى

عندما تذكر فيينا لا بد أن تذكر الموسيقى كيف ولا وهي بلاد الفن والموسيقى الكلاسيكية تغريك بحفلاتها الأوبرالية اليومية لتطرب أذنك لعمالقة أمثال بيتهوفن، وموتزارت، وفيفالدي، وهايدن، وستراوس، وغيرهم من عمالقة الموسيقى الكلاسيكية التي لا تفنى، وإذا كنت من عشاق هذا النوع من الموسيقى الراقية فما عليك إلا زيارة «بيت الموسيقى» House of Music الذي يضم تاريخ الموسيقى في النمسا بطريقة مبسطة، تصدح فيه الموسيقى من كل زاوية ومكان، وفيه الكثير من الأشياء التفاعلية التي يمكن أن يقوم بها الزائر، مثل اختبار قدرتك على أن تقود أوركسترا كاملة.

* الأكل

- كافيه سنترال Café Central ويعتبر من أقدم وأشهر مطاعم المدينة، واحتفل أخيرا بمائة وخمسين عاما، وهو معروف كونه عنوان الذواقة والأدباء والمثقفين، ويقدم أشهر طبق نمساوي «الشنيتزل» بلحم العجل، بالإضافة إلى الحلوى التقليدية والمشروبات الساخنة.

- إيميل Emile الواقع داخل فندق هيلتون، ويقدم أطباقا مميزة جدا على رأسها السمك المطبوخ بالملح.

- هوريغر زيمرمان Heuriger Zimmerman ويقع على هضبة على تخوم فيينا تبعد نحو النصف ساعة بواسطة السيارة، المكان ريفي جميل يقدم المأكولات المحلية على أنغام عزف عجوز على آلة موسيقية تقليدية.

* الإقامة

* فنادق المدينة لا تحصى ولا تعد، تناسب جميع الميزانيات، ولكن إذا كنت تبحث عن عنوان ملائم في وسط المدينة وتحديدا عند شارع «رينجستراس»، فقد يكون «هيلتون فيينا بلازا» Hilton Vienna Plaza من بين الأفضل، خاصة وأنه خضع لعملية ترميم شاملة، وهو يتميز بمبناه الأثري الذي يعود بناؤه إلى عام 1920، الذي لا يزال يحافظ على نمط «الآرت ديكو» الذي اشتهر فترة السبعينات، وتم ترميمه مع المحافظة على جميع المفردات الجميلة، فأرضية المدخل باللونين الأسود والأبيض، ولوحات تحاكي تلك الحقبة الزمنية، كاميرا بطراز قديم مع أوشحة من الريش، وقبعات سوداء، تفتح المجال أمام الزوار لالتقاط الصور التذكارية معها.

وتم الانتهاء من تجديد الديكورات في الغرف والأجنحة، وكانت النتيجة ألوان هادئة وشرفات مطلة على الطريق العام.

الموقع يضع الفندق على مقربة من بعض أفضل نقاط الجذب السياحي في المدينة، بما في ذلك كاتدرائية القديس ستيفن، ومسرح بورغ، ودار الأوبرا، وقصر هوفبورغ.

ويتميز الفندق بتقديم خدمة خاصة للزبائن، حيث يقدم عامل الكونسييرج خدمة تنسيق الحجوزات، ووضع مخطط شخصي لكل زبون لمشاهدة معالم المدينة، عن طريق حجز الجولات السياحية، أو حتى حجز طاولة في أي مطعم من مطاعم المدينة.

وتحتوي جميع الغرف والأجنحة الـ 254 المترفة على حمام رخامي فاخر، في حين تقدم أجنحة البنتهاوس العشرة على الطابق العاشر شرفات خاصة وإطلالة رائعة على المدينة التاريخية. ويقدم الفندق أيضا وسيلة أصيلة وعصرية لتنقل الضيوف لاستكشاف المدينة: ألا وهي الدراجات الهوائية التقليدية.

كما يتألق الفندق بطابعه التراثي، وتصاميمه من العصر الذهبي مع اقتنائه لألف من الأعمال الفنية الأصلية والأرضيات الرخامية الفاخرة في البهو.

ويمتد ذوق العصر الذهبي لفيينا أيضا إلى لائحة الطعام والخدمة في مطعم الفندق المستوحى من التراث الفرنسي والنمساوي. ففي الأجواء الأنيقة لمطعم «أميل براسيري»، سيستمتع الضيوف بالأطباق الحصرية مثل «كريب سوزيت»، إلى جانب المشروبات الخاصة. أما الزي الموحد الجديد لأعضاء فريق هيلتون فيينا بلازا، فهو مستوحى من أزياء عشرينات القرن الماضي، ويؤكد على مفهوم الضيافة المتأصل في الفندق.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة