اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

لاجئ سوري يكشف لـ {الشرق الأوسط} : ثمانية آلاف دولار سعر جواز السفر المسروق عبر شبكة من المهربين

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا
TT

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

اليونان محطة المهاجرين السوريين الأولى إلى أوروبا

بدأ رنين الهاتف في تمام الساعة الثامنة والنصف مساء، وعرف عاصم الموضوع الذي ستدور حوله المكالمة حتى قبل أن يرد عليها، كما عرف أيضا أن هذه المكالمة ربما تكون بمثابة دفعة لبدء حياته مرة أخرى. بيد أن التجارب الصعبة والإحباطات السابقة قد علمته أن لا يتوقع الكثير. لقد صار هذا النوع من المكالمات الهاتفية أمرا روتينيا للغاية، لدرجة أنه لا يذكر حتى موضوع المكالمة، إلا بعد مرور عشر دقائق من وقت إنهائها. ويقول عاصم: «بالمناسبة، كانت هذه المكالمة عبارة عن اتصال وارد من شقيقي، وكانت لإبلاغي بالذهاب لمقابلة المهرّب».
يقيم عاصم، البالغ من العمر 25 سنة، وشقيقه الذي يبلغ عمره 18 سنة، في مكان لا يرحب بهما. وهما اثنان من بين نحو 40 ألف لاجئ، وطالب للجوء السياسي (وفقا لتقديرات الأمم المتحدة) موجودين حاليا في اليونان.
وتعتبر اليونان من الدول التي تكافح، في ظل مرورها بأسوأ أزماتها الاقتصادية منذ عقود، ويتدفق إلى أراضيها المهاجرون غير الشرعيين من خلال شواطئها. ويوفر هذان الأمران معا مزيجا متقلبا؛ حزب النازيين الجدد «الفجر الذهبي»، الذي يشتمل برنامجه على تبني القومية المتشددة والعنصرية المطلقة، والذي يشغل حاليا 18 مقعدا في البرلمان اليوناني. ويقع مقر الحزب في منطقة عاصم، ولكنه يقول إن ذلك الأمر لا يضايقه كثيرا. ويوضح قائلا: «الشرطة هي التي تثير قلقي أكثر من الفاشيين، وهذا هو السبب وراء ندرة خروجي من منزلي، ففي حال قبضت الشرطة علي، ربما أقضى ستة شهور في السجن».
يستغل «الفجر الذهبي» تصعيدا تدريجيا للاستياء الشعبي. ويشعر كثير من الأشخاص في اليونان بأن بلدهم أصبح بمثابة الباب الخلفي السري غير الشرعي للوصول إلى أوروبا، فهو أسهل طريق يمكن من خلاله الوصول إلى أرض الميعاد بالنسبة لعشرات الآلاف من المهاجرين البائسين الذين يقومون برحلاتهم مقبلين من الشرق في كل عام.
بيد أن اليونان أصبحت في حقيقة الأمر بمثابة السياج لأوروبا. وقد يكون هذا البلد هو المكان الذي يدخل من خلاله أعداد ضخمة من المهاجرين إلى أوروبا، ولكنه ليس بالمكان الذي يريدون الإقامة فيه. ويقول عاصم: «بالطبع لا نريد البقاء هنا، ولا يرغب أحد مطلقا في الإقامة في هذا المكان. ولا يحب أي شخص أن يكون لاجئا في هذا البلد». إنه تحول قاسٍ في الأحوال بشكل كبير؛ فهو لا يريد البقاء هنا، كما أن اليونانيين لا يريدون أن يكونوا في هذا البلد أيضا، ومع ذلك، فمن شبه المستحيل بالنسبة له أن يغادر البلاد.
إن مقاطع الفيديو البراقة التي يعرضها مجلس السياحة اليوناني في حلقات رائعة في محطات مترو أثينا تصور جنة رعوية جميلة تشترك في القليل من السمات، مع المعيشة الخانقة التي يعاني منها عاصم، حيث يقيم خمسة منهم في غرفة في ضاحية محددة الملامح لمدة ستة أشهر في المدينة. وأخبرني عاصم (وهو يضحك ساخرا من الموقف برمته) أن «الأمر يتمثل في رغبتي في السفر دوما. فقط لم أرغب مطلقا في السفر بهذه الصورة».
منذ 10 أشهر، لم يسافر عاصم وعائلته خارج دمشق. بيد أن الغارة الجوية المدمرة التي تم شنها على منطقتهم في ديسمبر (كانون الأول) الماضي أجبرتهم على بيع منزلهم وممتلكاتهم وسيارتهم، وبدء رحلة شاقة تحت مسؤولية مهربي الأشخاص. وفي الوقت الحالي، تشتتت أسرة عاصم عبر أوروبا، حيث توجد والدته وشقيقاته في ألمانيا، بينما يقيم والده في تركيا، وتقيم عماته وخالاته في السويد، في حين يقيم أخواله وأعمامه في الدنمارك.
ويضيف عاصم قائلا: «في بداية الأمر، ذهبنا إلى لبنان وأقمنا هناك لمدة شهر واحد، ثم تقدمنا بطلب للحصول على تأشيراتنا لدخول تركيا. وبعد ذلك، سافرنا إلى إسطنبول. أحببت المكان هناك، وكنت أريد الإقامة فيه، ووجدت وظيفة مصمم غرافيك، ولكن أرادت أسرتي المجيء إلى أوروبا، واضطررت إلى النزول على رغبتهم؛ فأنت تعرف مدى قوة الروابط الأسرية في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن أفراد أسرتنا تربطهم أواصر قوية».
ومع زيادة حدة الحرب في سوريا، تضاءلت الخيارات أمام الأشخاص الراغبين في الهروب خارج البلاد. وفي جنوب تركيا، تقابلت مع فتاتين من اللاذقية، بدأتا حياة جديدة في مصر، قبل أن تضطرا إلى مغادرة مصر مرة أخرى بعد عزل الرئيس مرسي واشتداد حالة العداء ضد السوريين. والأدهى من ذلك أن جمهورية قبرص قد أعلنت مؤخرا أنها لن تدع السوريين يدخلون عبر حدودها مرة أخرى. كذلك، اكتشف صديق سوري، يعيش ويعمل في تركيا، أنه لا يوجد أمامه في الوقت الحالي سوى تسع دول في العالم بأسره يمكنه السفر إليها لقضاء إجازة دون الحصول على تأشيرة. «والأكثر من ذلك، أنني أحتاج إلى تأشيرة للدخول إلى الصومال»، حسبما ذكر عاصم، وهو في حالة استسلام للترويح عن نفسه.
ويعد الخيار الوحيد المتاح أمام معظم السوريين الذين يرغبون في الذهاب إلى أوروبا متمثلا في ذهابهم إلى اليونان، بصورة غير شرعية. فبمجرد دخولهم إلى هناك، لا يمكن إجبارهم على مغادرة البلاد، حيث يتم منحهم حق اللجوء السياسي، ويكون مسموحا لهم بالتقدم بطلب للحصول على إقامة، ولكن ليس هناك مفر من التقدم بطلب من الخارج، ولذا، لا يكون السفر إلى أوروبا عبر شبكة غامضة من المهربين هو الملاذ الأخير للوصول إلى هناك، ولكنه هو الخيار الوحيد المتاح. لقد اتبعت عائلة عاصم خط سير يسلكه كثيرون، لكن قصتهم تكشف كيف كانت رحلتهم مخاطرة لا يمكن التنبؤ بنتيجتها.
كانت خطتهم الأولى هي شراء جوازات سفر مزيفة من أحد مهربي الأشخاص، مع استخدام هذه الجوازات للسفر من إسطنبول إلى أي مكان آخر في أوروبا. ويشرح عاصم هذا الأمر قائلا: «إنهم يبحثون عن شخص ما يبدو مثلك. فيتم منح بعض الأموال للشخص الذي يمتلك جواز السفر، وينتظرون لمدة 30 يوما لحين الإبلاغ عن سرقة هذه الجوازات. بيد أن السعر المتعارف عليه لجواز السفر المسروق في إسطنبول يصل إلى 8000 دولار أميركي، وليس بإمكان الأسرة تحمل سداد تلك المصاريف. ولذا، لم يكن هناك بد أمام العائلة سوى اللجوء إلى الخيار الثاني».
ويضيف عاصم قائلا: «نصحنا البعض بالسفر بالقارب إلى أثينا، حيث يرون أن هذه الطريقة أسهل بكثير من السفر جوا من المطار هناك. ولذلك، فقد عقدنا صفقة مع أحد المهربين، حيث أخذ 1000 دولار أميركي من كل واحد منا، وأخبرنا أنه ستكون هناك حافلة تقلنا إلى الساحل في تمام الساعة الرابعة صباحا. ومن هذا المكان، سنأخذ القارب إلى اليونان».
إن الوضوح الذي يسترجع من خلاله عاصم تفاصيل تلك الرحلة يكشف لنا إلى أي مدى طبعت هذه الرحلة في ذهنه إلى أبعد الحدود. ويقول عاصم: «إنهم ينظمون تلك الرحلات بانتهاج مثل هذا الأسلوب. القارب عبارة عن زورق مطاطي، ولكن الجزء الأسفل منه مصنوع من الخشب. ولذلك، تجلس النساء والأطفال في قلب القارب، في حين يجلس الرجال فوق القطعة المطاطية حول الجزء الخارجي. كان طول القارب ستة أمتار، وكان على متنه أربعون شخصا».
وفي ضوء القمر، تمكّن عاصم بالفعل من رؤية الجزيرة اليونانية التي كانوا يتجهون إليها، حتى عندما وقف على شواطئ تركيا. لقد بدت الجزيرة قريبة جدا لدرجة أنه أعتقد أن الوصول إليها لن يستغرق سوى 10 دقائق. ولم يأتي المهرب معهم، بل علم أحد الأشخاص كيفية قيادة القارب». وأضاف عاصم: «لم يسدد ذلك الشخص سوى نصف المبلغ المطلوب، بيد أنها مخاطرة كبيرة. ففي حال إلقاء القبض عليك، فستتم إدانة ذلك الشخص كما لو كان هو المهرب». كانوا متيقنين من أنه سيتم إلقاء القبض عليهم. ولم تستغرق الرحلة 10 دقائق، ولكنها استمرت لمدة ساعتين.
وكان عاصم متأكدا أنه سيتم رصدهم من قبل سفن خفر السواحل، أثناء سفرهم ليلا في اتجاه اليونان تحت ظلال السماء منقشعة الغيوم. وكان يجثم على صدر عاصم مصير بعض المسافرين السابقين الذين أبحروا ليلا، حيث سقط بعض منهم في تلك المنطقة في مياه البحر المتجمدة في شهر فبراير (شباط) وغرقوا. ويقول عاصم: «ما زلت مندهشا من نجاحنا في تلك الرحلة».
سافر 26 شخصا من أفراد عائلة عاصم إلى اليونان، ولكن والده لم يكن من بين هؤلاء الأشخاص، قُتل أخوه في الغارة الجوية التي تم شنها في ديسمبر (كانون الأول)، وبقي والده في دمشق للتخفيف عن والدته ومواساتها. وفي الوقت الحالي، وفي ظل القصف المستمر ومحاصرة المنطقة من قبل قوات الأسد، غادر والده أيضا سوريا، وهو حاليا عالق في تركيا في انتظار فرصته للقيام بالرحلة نفسها بالقارب واللحاق بباقي أفراد أسرته. ويضيف عاصم قائلا: «لقد حاول والدي بالفعل أن يقوم بتلك الرحلة أربع مرات، ولكن في كل مرة، كان يتم القبض عليه وإعادته. وأعتقد أنهم قد قاموا الآن بزيادة سفن خفر السواحل على الجانبين التركي واليوناني. ينجح قارب واحد فقط من بين كل خمسة أو ستة قوارب في العبور. وسيحاول والدي مجددا في الأسبوع المقبل».
كانت خطة الأسرة متمثلة في السفر إلى السويد. ويوضح عاصم قائلا: «ذهبت بقية أفراد عائلتي إلى هناك أولا. وكانت الفكرة أنني أنا وأخي سنسافر إلى هناك لاحقا»، وكان المهربون يتقاضون 3000 يورو عن كل شخص من أجل الحصول على جوازات سفر مزيفة لمغادرة اليونان، بيد أن العائلة لم يكن لديها المال الكافي لكل أفرادها. ولكن والدة عاصم وشقيقاته تم توقيفهن واكتشاف أمرهن أثناء تنقلهن بين الرحلات الجوية في ألمانيا.
وطبقا لقواعد الاتحاد الأوروبي، يجب عليك التقدم بطلب الحصول على حق اللجوء في أول بلد تصل إليه. ولذلك، تعين عليهم البقاء في ألمانيا، على الرغم من عدم معرفتهم بأي شخص هناك، وكذلك عدم قدرتهم على تحدث اللغة الألمانية.
إن على عاصم وأخيه الآن أن يلعبا لعبة الانتظار، طالما أنهما يحاولان الخروج من اليونان. ولقد حاولا بالفعل الخروج من اليونان ولكنهما فشلا أربع مرات عند استخدامهما لجوازات سفر مزورة. وفي كل مرة، يتم اكتشاف أمرهما وإعادتهما. ومع انتهاء موسم السياحة وعدم وجود مسافرين في المطارات، يصبح الفحص الأمني أكثر صرامة، كما ترتفع الأسعار التي يطلبها المهربون. انتهى عاصم من شرب قهوته وغادر المكان لمقابلة جهة اتصاله لمعرفة آخر معدلات الأسعار. ويخبرني عاصم قائلا: «إن المال الذي معنا بدأ ينفد، حيث إننا أنفقنا بالفعل كل الأموال التي جمعناها من بيع المنزل والسيارة».
ويضيف عاصم: «في اليوم التالي، قام ذلك الشخص بإرسال رسالة بريد إلكتروني إليّ، حيث طلب مني 5500 يورو مقابل كل فرد. وفي كل مرة يرتفع السعر».
وعلى الرغم من موقفه اليائس، فقد استطاع التحلي بروح دعابة مشوبة بالمرارة وكتب: «عنوان اليوم: سأموت في أثينا».



الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد
TT

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

الزنداني: الحكومة إلى عدن... والتعافي يتطلب ضبط الموارد

في أول مقابلة له بعد أدائه اليمين الدستورية رئيساً للحكومة اليمنية، أعلن رئيس مجلس الوزراء، شائع الزنداني، أن حكومته ستنتقل قريباً إلى عدن، مؤكداً أن الوجود داخل البلاد ليس خطوة رمزية، بل هو شرط لفاعلية القرار واستعادة انتظام مؤسسات الدولة.

وقال الزنداني، خلال اللقاء الذي أجرته معه «الشرق الأوسط» في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG)» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» في الرياض، إن المرحلة «لا تحتمل خطاباً واسعاً»، وإنما تتطلب عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة ويثبت الإيقاع المؤسسي، مشدداً على أن تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي تمثل أولويات عاجلة.

وبرر رئيس الوزراء اليمني احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بالحاجة إلى استكمال إصلاحات تنظيمية ودبلوماسية بدأها سابقاًً.

وأوضح الزنداني أن تشكيل حكومته استند إلى معايير مهنية بعيداً عن المحاصصة، مع التركيز على الكفاءة، والتخصص، والتوازن الوطني.

اقتصادياً؛ تبنّى رئيس الحكومة اليمنية خطاباً واقعياً، متجنباً الوعود السريعة، مؤكداً أن التعافي يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وضبط الموارد، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة.

وشدد على أن توحيد القرارين السياسي والعسكري يمكن مؤسسات الدولة من تطبيق القانون، ويجعل مبدأ المحاسبة ممكناً، كما يمنح الحكومة موقعاً تفاوضياً أشد تماسكاً في أي مسار سلام مقبل مع الحوثيين.


رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»
TT

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

رئيس الصومال: نسعى لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»

أكّد الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود أن بلاده تنسق مع شركائها، بقيادة السعودية، لإبطال الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال»، وتحييد القرن الأفريقي عن أي تصعيد غير محسوب العواقب.

وكشف الرئيس حسن شيخ محمود، في حوار مع «الشرق الأوسط»، عن حزمة من 3 خطوات سياسية وقانونية، تتخذها بلاده حالياً، لإبطال هذا الاعتراف الإسرائيلي.

وتحدث عن وجود دول في المنطقة لها مصلحة في هذا الاعتراف الإسرائيلي، قائلاً: «لا أودّ تسمية دولة أو دول بعينها، لكن من الواضح أن البعض ربما يرى في هذا الاعتراف فرصة لتحقيق مصالح ضيقة وقصيرة الأمد على حساب وحدة الصومال واستقرار المنطقة».


قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.