الأهوار العراقية.. حكاية حضارة تنتظر إنعاشها

الأهوار العراقية.. حكاية حضارة تنتظر إنعاشها

تفاؤل بضمها للائحة التراث العالمي في يوليو المقبل
الأحد - 30 رجب 1437 هـ - 08 مايو 2016 مـ
تتميز الأهوار بعمارتها المميزة المصنوعة من نبات البردي والقصب ({الشرق الأوسط})

على مدى أزمنة طويلة تفردت فيها الأهوار العراقية، التي تقع في جنوب البلاد بنظام بيئي وحضاري مميز، لما تحمله من محميات طبيعية للنباتات والحيوانات البرية والداجنة والطيور المقيمة والمهاجرة، إضافة لازدهار صيد أنواع الأسماك والزراعة فيها، وتميزها قبلاً بأنها شهدت ملامح ظهور الكتابة والهندسة المعمارية والمجتمعات المتطورة فيها حتى أطلق عليها اسم «مهد الحضارة»، لكنها اليوم تعيش بصورة مغايرة بعد أن شوهتها الصراعات والحروب واضطراب الأوضاع السياسية في البلاد، مما أجبر سكانها إما على هجرتها أو على تغيير نمط حياتهم المعيشية، ولم تتمكن محاولات خجولة للحكومات العراقية من إعادة صورتها كما كانت، مقابل تواصل تدخلات الأمم المتحدة لأجل حماية التراث الثقافي والطبيعي فيها باعتبار أن الحفاظ عليها مهمة بالغة الأهمية بالنسبة للعراق والعالم.
وسبق أن أصدرت الأمم المتحدة تقريرًا أكدت فيه وقوفها مع العراق لحماية تراثه الثقافي والطبيعي، لا سيما الأهوار، كونهما يمثلان التراث العراقي الفريد من نوعه في التنوع والتسامح.
وكانت الحكومة العراقية قد قدمت في وقت سابق ملف ترشيح الأهوار ومدن أور والوركاء وأريدو، لإدراجها على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي.
وقال عادل شرشاب وزير السياحة والآثار العراقي السابق في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أنا مطمئن لنتيجة التصويت التي ستكون لصالح العراق بعد اكتمال كل الشروط المطلوبة لأجل إدراج أهوار العراق ضمن لائحة التراث العالمي، وهي مواقع استثنائية ونسعى اليوم لأجل تحشيد الرأي العام المحلي والعربي والعالمي وكل الأصدقاء والمهتمين لأجل دفع الأعضاء الـ21 الذين سيصوتون في منتصف يوليو (تموز) المقبل إلى القبول بهذه المواقع».
وأضاف: «الأهوار والمواقع الأثرية ستخضع لرقابة عالمية، في حال لو تم ضمها إلى لائحة التراث العالمي كمحمية طبيعية، عندها لا يمكن لأي حكم أو قوة إرهابية أن تجفف الأهوار لأنها خاضعة للرقابة العالمية».
وحول المعايير التي يمتلكها العراق لأجل كسب التصويت والمزاعم التي روج لها الجانب الإيراني بشأن اتصال الأهوار العراقية بهور العظيم في إيران، قال شرشاب: «هناك عشرة معايير للجنة التراث العالمي (اليونيسكو)، قدم العراق للمواقع الأثرية ثلاثة معايير تنطبق عليها، وفي الأهوار معياران، لذلك مواقعنا تعد مؤهلة وبشكل جيد ومعروفة عالميًا، لكن مع ذلك نبقى بانتظار نتائج التصويت وهي نتائج لا يمكن التحكم بها، لكن ما نريد قوله هنا أن مواقعنا كاملة المتطلبات من ناحية إدراجها على اللائحة البيئة وخطة الإدارة والخبراء والأسئلة التي جاوب عليها العراق، كلها جيدة، فقط هناك رأي إيراني بأن الأهوار متصلة مع أهوارهم لكن قمنا نحن كجهة فنية، هي الهيئة العامة للآثار، التي عاينت المكان ميدانيًا، بإثبات عكس ذلك، وأن الهور الإيراني (هور العظيم)، منفصل عن الأهوار العراقية، وأنا متفائل بالنتائج». وسبق أن شارك وفد من وزارة السياحة والآثار اجتماعات الهيئات الاستشارية التي عقدت على هامش مؤتمر التراث العالمي في مدينة بون الألمانية للفترة من 5 إلى 12 يوليو 2015.
وتأتي هذه الاجتماعات لمناقشة الجوانب الأمنية والفنية لإدراج ملف الأهوار على لائحة التراث العالمي.
بدورها أكدت نائبة رئيس لجنة الزراعة والمياه والأهوار النيابية شروق العبايجي أن إجراءات ضم الأهوار إلى لائحة التراث العالمي اكتملت، ونحن بانتظار التصويت عليها، إذ إن الإجراءات وتقديم الملف كان منذ أربع سنوات، وهناك فرق عملت وأنجزت تقاريرها خلال تلك الفترة، وأعتقد أن الأهوار لها نصيب كبير في التصويت لأنها تمتلك كل المعايير المطلوبة.
وتغطي مناطق الأهوار في العراق مساحات شاسعة من محافظات البصرة وميسان وذي قار تقدر بنحو 8635 كيلومترًا مربعًا، وهي تزخر بالأسماك النهرية، وكثير من الأحياء المائية الأخرى مثل الروبيان، إضافة إلى أنواع مختلفة من النباتات، أهمها القصب والبردي، ونتيجة لاعتدال مناخها تقصدها مئات آلاف الطيور المهاجرة التي تستقر وتتكاثر فيها خلال فصل الشتاء، ومع بداية فصل الصيف تعود تلك الطيور إلى مواطنها الأصلية في الدول الإسكندنافية وكازاخستان وروسيا والصين، ضمن هجرات كبرى تمتد أحيانًا عبر القارات.
يقول المهندس سامر الأسدي مختص في شؤون البيئة العراقية: «تُعد الأهوار أرضا رطبةً نادرةً في محيط صحراوي وتضم نظامًا بيئيًا للمياه العذبة، كما توفر موئلاً للحياة البرية فيها كثير من أنواع الطيور والأسماك وكانت الأهوار حتى سبعينات القرن الماضي تغطي مساحة تقارب 20 ألف كيلومتر مربّع عند ملتقى نهري دجلة والفرات».
وأضاف: «محيط الأهوار أيضًا تنشط فيه الزراعة وتقطنه الأسر الفلاحية، وقد اتخذ عمق الأهوار موطنًا للسكان الذين يطلق عليهم «المعدان»، ويعيشون منذ القدم نمط حياة خاصًا في منازلهم المبنية من نبات البردي والقصب معتمدين على تربية الحيوانات، وبشكل خاص الجاموس الذي يستخدم لإنتاج الألبان ومشتقاتها.
وتعد الأهوار معلمًا أساسيًا في جغرافيا المنطقة الجنوبية التي تشمل محافظات ثلاثًا هي البصرة وذي قار وميسان، وتقع على حافة المدن الحضرية، البصرة والناصرية والعمارة والبلدات الأخرى، وهي مراكز النشاط التجاري والتعليمي والإداري. لكن هذه الصورة اهتزت، في العقود الأخيرة من القرن الماضي وحتى يومنا هذا، وحالت ألوانها، بعد أن تعرضت تلك البيئة الطبيعية إلى ظروف استثنائية تداخلت فيها عوامل كثيرة، منها السياسي والاقتصادي والعسكري، فضلاً عن متغيرات أخرى طرأت على العراق وجواره. وأفرز تحولات طبيعية أجبرت السكان إما إلى النزوح أو تغيير نمط حياتهم المعيشية والإنتاجية.
وإبان الحرب العراقية الإيرانية، طالت الإجراءات الأمنية والعسكرية بيئة المنطقة بتغيير طبيعتها لأسباب تتعلق بعمليات الجيش وتحصيناته، وملاحقة أي تمرد معارض للنظام الحاكم فقام بعمليات التجفيف المتعمدة الواسعة لها منذ عام 1991 وإقامة كثير من السدود على الروافد المغذية لها بالمياه من نهري دجلة والفرات وإنشاء شبكة من الطرق المعبدة فيها لتسهيل السيطرة عليها، مما حولها إلى صحراء جرداء، وانهار النظام الاقتصادي مما أدى إلى هجرة أغلب سكانها إلى داخل وخارج العراق، وقد اعتبرت الأمم المتحدة تجفيفها من أكبر الكوارث البيئية في القرن العشرين، حيث تعرضت كثير من الحيوانات لخطر الانقراض مثل «كليب الماء ذي الفراء الناعم العراقي»، الذي دخل في القائمة الحمراء للحيوانات المهددة بانقراض.. وتبع هذا الخراب حروب أخرى في البلاد أضافت المزيد من المتاعب بتدميرها البنية التحتية وتعقيدها العلاقات الإقليمية.
وقد تغيّر موقع الأهوار الجغرافي على مدى آلاف السنين بين الألفية الرابعة والثالثة قبل الميلاد إلى الشمال الغربي من موقعه الأصلي، مما أسهم في خلق الظروف البيئية المناسبة لازدهار بعض أوائل المراكز الحضرية في العالم مثل مدن أور، وركاء وأريدو.
وتقول المصادر التاريخية إن المنطقة شهدت ظهور الكتابة والهندسة المعمارية الهائلة، بالإضافة إلى ظهور مجتمعات متطورة في جنوب ما بين النهرين، وهي المنطقة التي يطلق عليها اسم «مهد الحضارة»، كما تعتبر الأهوار مصدر إلهام للحضارة السومرية، التي تركت ميراثًا هائلاً من الكتابات المسمارية. قد زارها كثير من المستكشفين ورحالة الغربيين في القرن العشرين وألفوا عنها الكثير من الكتب مثل كتاب «حلقات المياه الرائعة» لكيفن ماكسويل، و«العودة إلى الأهوار» لكيفن يونج، و«عرب الأهوار» لويلفرد ثيسيجر، إضافة إلى عالم الآثار والمستكشف النرويجي ثور هايردال صاحب كتاب «حملة دجلة.. في البحث عن البداية».
وقد عملت «اليونيسكو» بين عامي 2009 و2014، بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة وتمويل من الحكومة الإيطالية، على تنفيذ مشروع لدعم الحكومة العراقية في مجال تحسين الإدارة البيئية والثقافية في الأهوار، وذلك من خلال عملية إعداد ملف لترشيح هذا الموقع لدخول قائمة التراث العالمي.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة