بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

لعب دورًا كبيرًا في صفقة «النووي» الإيراني والتفاوض بشأن استئناف العلاقات الأميركية ـ الكوبية * تقاربه في التفكير مع الرئيس جعل منه صاحب نفوذ هائل

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
TT

بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})

تخيله كرجل شاب، يقف بمواجهة الشاطئ في شمال ويليامسبرغ، عند مركز اقتراع في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، الذي كان يصادف يوم الانتخابات في مدينة نيويورك. رأى الطائرات تصطدم بالأبراج، وهي لحظة لا تُنسى من عدم التصديق، المتبوع بالهلع والصدمة، والرعب الدائم، ومشهد ذكره بشكل مخيف، في أعقاب الهجوم، بغلاف رواية دون ديليلو: «العالم السفلي».
تغير كل شيء منذ ذلك اليوم. لكن الطريقة التي غير بها ذلك اليوم حياة بن رودس ما زالت فريدة، وربما غير قابلة للتصديق كشيء من الخيال. كان في عامه الثاني من أطروحته لنيل درجة الماجستير في الآداب في جامعة نيويورك، يسكن الأدوار الأرضية، ويكتب القصص القصيرة عن الخاسرين، ويتخيل أن نشر أعماله قريبا في المجلات الأدبية، وأن يكون له وكيل أعمال ويصدر عملا روائيا عندما يصل عامه الـ26، رأى أول برج يسقط، وبعد ذلك ركض نحو سيدة يعرفها، وعادا إلى شقتها المشتركة في ويليامسبرغ وحاولا العثور على جهاز تلفزيون يعمل، وعندما عادا إلى الخارج، كان الجميع يتحدث عن صور البرجين اللذين تتصاعد منهما ألسنة اللهب. رأى رجلا عربيا يبكي داخل محطة لقطار الأنفاق. يقول: «لقد ظلت هذه الصورة ترافقني على الدوام. لأنني كنت أعتقد أنه كان يعرف أكثر مما نعرفه عما يحدث». وفجأة باتت فكرة كتابته أعمالا تحاكي فريدريك بارثيليم مضيعة للوقت.
أوضح: «تكونت لدي سريعا هذه الفكرة عن أنني ربما أريد أن أكتب عن الشؤون الدولية. وبشكل رجعي، لم تكن لدي أي فكرة عما يعنيه هذا». كانت صديقة مقربة لوالدته منذ أيام الطفولة تدير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي كانت تنشر آنذاك موضوعات تتعلق بالسياسة الخارجية. أرسل إليها برسالة وتضمنت ما صار أول عمل أدبي منشور له، وهي قصة قصيرة ظهرت في «مجلة بلويت الأدبية». كانت بعنوان «السمكة الذهبية تضحك وأنت تضحك لها». يقول إن القصة ما زالت تطارده، لأنها «تنبأت بحياتي بالكامل».
إنه يوم خطاب الرئيس باراك أوباما الأخير عن حالة الاتحاد، في 12 يناير (كانون الثاني)، ولم تكن الأخبار الواردة من داخل البيت الأبيض تبشر بخير. ولحسن الحظ، فإن الصحافيين الجالسين في غرفة الانتظار بالجناح الغربي لم يكونوا قد عرفوا بشأن هذه الأخبار بعد. كانت الخلاصة هنا في هذا الغداء الودي الخاص في وقت مبكر من المساء مع الرئيس الذي سيراجع كلمته السنوية إلى الكونغرس على وجبة يقال إنها ستكون من أفضل ما في جعبة طاهي البيت الأبيض.
ينادي رجل قائلا: «بليتزر!». يستدير رجل يرتدي معطفا طويلا، في دهشة ساخرة.
يرد وولف بليتزر، مذيع «سي إن إن»: «لا تكتب، لا تناد».
يرد زميله السابق رولاند مارتن: «حسنا يمكنك أن تنادي». تنتهي محادثتهما القصيرة، ثم ينتقلان لموضوع الزحام المروي في واشنطن. يقول مارتن: «اعتدت على الوصول إلى سي إن إن عند الساعة 9:30، كان المكتب يبعد 8.2 ميل عن منزلي. كان يستغرق مني 45 دقيقة للوصول». ويحكي سكوت بيلي، مذيع الأخبار في «سي بي إس» حكاية عن كيف أن الصحافيين دمروا الأرضية العشبية خلال فضيحة مونيكا لوينسكي وقيل لهم إنه سيتم السماح لهم بالعودة بمجرد إصلاح العشب. أعادت هيئة الحدائق الوطنية زراعة العشب خارج البيت الأبيض، لكن لم يتم السماح بعودة الصحافيين للمنطقة العشبية.
من دون أن ينته إليه المراسلون، يمشي بين رودس خلال القاعة، خطوة خطوة وراء سيدة ترتدي حذاء بلون فراء النمر. يمسك بهاتف قرب أذنه، ويردد لازمته: «أنا لست شخصا مهما، أنت ذلك الشخص المهم».
يبلغ الولد المعجزة في بيت أوباما الأبيض من العمر 38 عاما الآن. يتجه إلى الطابق الأسفل نحو مكتبه الذي من دون نوافذ في الطابق الأرضي، والمقسم إلى جزأين. في المكتب الأمامي، تجلس مساعدته رومانا أحمد ونائبه نيد برايس، الغارقان وراء مكتبيهما الواقعين في مواجهة شاشة تلفزيونية ضخمة، مضبوطة باستمرار على قناة «سي إن إن». تزين صور كبيرة لأوباما الجدران. هنا يعدل الرئيس رابطة عنق رودس؛ ويهدي ابنته الصغيرة المحببة إيلا، زهرة؛ ويبتسم ابتسامة عريضة بينما يلعب مع إيلا على بساط عملاق يحمل العبارة: «من بين الكثيرين، واحد».
على مدار الكثير من الأسابيع الخمسة الماضية، كان رودس ينقل ما يشعر به الرئيس إلى ما تم تخيله كخطاب حالة اتحاد مغلف بالتفاؤل وبعد النظر. الآن، من هذه الشاشات المسطحة، يبرز تحد للخطاب: استولت إيران على زورقين صغيرين يحملان 10 بحارة أميركيين. عرف رودس بأمر التحرك الإيراني في وقت سابق من ذلك الصباح، لكنه كان يحاول التغطية عليه حتى ينتهي الرئيس من خطابه. يقول رودس: «إنهم لا يستطيعون الحفاظ على سر لساعتين».
باعتباره نائب مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية، يكتب رودس خطابات الرئيس، ويضع خطط رحلاته الخارجية ويدير استراتيجية الاتصالات عبر البيت الأبيض، وكل منها في حد ذاته تعد مهام تعطي إحساسا بأهمية دوره.
وهو بحسب إجماع أكثر من عشرين من موظفي البيت الأبيض السابقين والحاليين الذين تحدثت إليهم، أهم صوت مؤثر في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، بخلاف رئيس الولايات المتحدة نفسه. يتواصل الرئيس ورودس «بانتظام عدة مرات في اليوم»، وفقا لـدينيس ماكدونو، رئيس موظفي البيت الأبيض، المعروف عنه أنه يدير البيت الأبيض بطريقة منظمة. ويقول ماكدونو: «أرى هذا شخصيا على مدار اليوم»، مضيفا أنه متأكد من أنه بالإضافة إلى الساعتين إلى 3 ساعات التي ربما يقضيها رودس مع الرئيس، فإن الرجلين يتواصلان عن بعد على مدار اليوم عن طريق البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية. وضع رودس استراتيجية حملة التواصل بشأن الاتفاق مع إيران، وأدارها بنجاح، وساهم في التفاوض على بدء علاقات أميركا مع كوبا بعد توقف دام لأكثر من 50 عاما، وكان مشاركا في كتابة كل خطابات أوباما الكبرى حول السياسة الخارجية.
قال لي تيري سوبلات، وهو أطول من عمل ضمن فريق كتابة الخطابات في مجلس الأمن القومي: «يقوم (رودس) بـ12 مهمة كل يوم، وهو يقوم بها جميعا أفضل من الأشخاص الموكلين بهذه المهمات بالأساس». وفي كل القضايا، الكبرى والصغرى، يكون الصوت الذي تتحدث به أميركا إلى العالم، وهو صوت بين رودس.
وشأن أوباما، فإن رودس قاص يستخدم أدوات الكاتب لتعزيز أجندة مغلفة بشكل سياسي لكنها شخصية للغاية في كثير من الأحيان. وهو متمرس على بناء حبكة شاملة تشمل الأبطال والأوغاد، الذين يدعم صراعاتهم ودوافعهم بمجموعة من الصفات والاقتباسات والتسريبات المنتقاة بعناية، من مسؤولين كبار، سواء بذكر أسمائهم أو حجبها.
ومن بين ما يستند عليه نفوذ رودس هو «التقارب في التفكير» مع الرئيس. استخدم تقريبا كل من تحدثت إليهم عبارة «التقارب الفكري» حرفيا، حيث كان بعضهم يستخدمها بثقة عفوية، فيما كان بعضهم الآخر يقولها بنبرة مكتومة عادة ما تنم عن رؤى خاصة.
هو لا يفكر للرئيس، لكنه يعرف ما يفكر فيه الرئيس، وهو مصدر نفوذ هائل. في يوم من الأيام، عندما كنت أنا ورودس جالسين في غرفة اجتماعاته، اعترف بقدر من الحيرة: «لم أعد أعرف من أين أبدأ وأين ينتهي أوباما».
أثناء وقوفه أمام مكتبه قبل خطاب حالة الاتحاد، يحسب رودس سريعا الحسابات السياسية للخبر العاجل عن التحرك الإيراني. يقول متوقعا وهو ينظر إلى شاشة التلفزيون: «الآن سيعرضون صورا مخيفة لأشخاص يتوسلون إلى المرشد الأعلى». وبعد برهة يقوده تفكيره إلى رواية لوقف النزيف السياسي بسبب هذا الخبر. يلتفت إلى نائبه، برايس ويقول: «نحن نعمل على التوصل لحل لهذه المسألة، لأن لدينا علاقات».
عندما أشاهد رودس وهو يعمل، أتذكر أنه لا يزال روائيا بالأساس، إذ يستخدم مجموعة جديدة من الأدوات - إلى جانب فنون الحكاية والحبكة التقليدية - لخلق قصص عن العواقب الرائعة بأوسع نطاق يمكن تخيله. السياق الذي يرسم معالمه، أصوات المسؤولين الكبار، وكتاب الرأي، والمراسلين الذين يشكل عملهم ويتحكم بأصواتهم بمهارة، وحتى خطابات الرئيس ونقاط الحديث، هي مجرد نقاط ملونة في رؤية أوسع بكثير عن من هم الأميركيون والمسار الذين نتجه إليه، وكل ذلك أمر عمل رودس والرئيس على صياغته معا على مدار السنوات الـ7 الماضية.
عندما سألت جون فافرو، كاتب خطابات أوباما الأول في حملة 2008، وهو صديق مقرب لـرودس، عما إذا كان هو أو رودس أو الرئيس، قد فكروا في خطاباتهم الفردية، واتخاذهم للقراءات، كجزء من عملية أكبر لإعادة هيكلة الخطاب الأميركي، أجاب: «كنا نرى هذا باعتباره مهمتنا الكاملة».
كان من النادر أن تجد اسم بين رودس في القصص الإخبارية عن الأحداث الكبرى في السنوات الـ7 الماضية، ما لم تكن تبحث عن تصريح منقول عن مسؤول كبير لم يتم ذكر اسمه، في الفقرة رقم 9، هو غير مرئي لأنه ليس من نوع الشخص المحب لذاته، ولأنه يكرس نفسه من أجل الرئيس. لكن ما إن تصبح معتادا على الصفات المميزة لصوت رودس - المغلف دائما باحتقار عدائي لأي شخص وأي شيء يقف في طريق الرئيس - حتى تستطيع أن تسمع صوته في كل مكان.
والد ووالدة رودس ليسا مهتمين بالحديث عن ابنهما. وكذلك شقيقه الأكبر، ديفيد، الذي يرأس «سي بي سي نيوز»، وهي مؤسسة إعلامية أحيت مؤخرا جهود الكشف عن محتوى الصفحات الـ28 المنقحة من تقرير 11 سبتمبر (أيلول) غداة زيارة أوباما إلى المملكة العربية السعودية، التي رافق رودس الرئيس خلالها، كالمعتاد.
تربط الشقيقين علاقة وثيقة، لكن في كثير من الأحيان تمر شهور من دون أن يقابلا بعضهما البعض. يقول رودس عن شقيقه الذي عمل في «فوكس نيوز» و«بلومبيرغ» قبل الانتقال إلى «سي بي سي»: «كان من نوع الولد الحريص على دراسته. أما أنا فلم أكن متفوقا بهذه الدرجة في المدرسة العليا، لأنني كنت أشرب وأدخن وأخرج في الحديقة المركزية».
ينبغ مزاج رودس المتقد، وإن كان كئيبا، الذي استشعرته من تصريحاته الشاردة ومن غرابة قراره بأن يسمح لي بالتجول في البيت الأبيض، ينبع جزئيا من إحساسه بأنه مثقل بالضغوط؛ فهو يتمنى لو كان لديه وقت أكبر للتفكير والكتابة. والدته يهودية من ضاحية «أبر إيست سايد»، وتعشق الروائي الأميركي جون أبدايك، وتقرأ صحيفة «ذا نيويوركر».
أما والده فهو محام من تكساس، كان يعتاد اصطحاب والديه إلى كنيسة سانت توماس الأسقفية مرة كل شهر، حيث كان رودس يشعر كطفل يهودي في كنيسة، وهو نفس شعوره، عندما كان يحس بأنه «مسيحي يهودي» في عيد الفصح.
تصلح القصة التي نشرها رودس في مجلة «بيلويت الخيالية» أن تكون مبتدأ جيدا ننطلق منه.
فلقد كانت فكرة رواية السمكة الذهبية، كما قيل لي، هي فكرة السيدة ويلبيرغ.
«لماذا؟»، كما سألت. لأنها ذات شعر أشقر، ونحيفة، وصغيرة، وجذابة.
وكان المحرر في دورية السياسة الخارجية الذي قرأ رواية السمكة الذهبية، التي أرفقها رودس بخطابه للاستعلام، قال إن الموظف الصغير في وزارة الخارجية سوف يصاب بالملل من التدقيق في الحقائق. بدلا من ذلك، فإنه اقترح أن يتقدم لطلب الوظيفة لدى لي هاميلتون، عضو الكونغرس لمرة واحدة عن ولاية إنديانا، والذي كان يبحث عن موظف لكتابة الخطابات الرسمية.
يتذكر هاميلتون الأمر فيقول: «لقد فوجئت تماما. لأي شيء جاءني ذلك الشاب الذي يهتم بكتابة الروايات الخيالية؟» ولكنه دائما ما كان يجد فائدة ما في المؤلفين والكتاب، وكانت عينة رودس من الكتابة أفضل العينات في ذلك الاختبار. ومن ثم منحه الوظيفة في مركز ويلسون، وهي مؤسسة بحثية غير حزبية. ورغم أن رودس لم ينبس ببنت شفة خلال الاجتماعات، كما يقول هاميلتون، فإنه كان لديه فهم عميق لما يجري حوله، والموهبة الكافية لوضع مواقف المشاركين الحالية على الورق. وأوضح هاميلتون الأمر بقوله «سرعان ما أدركت أنها من أهم الصفات قاطبة في الموظف، وهي أن يحضر الاجتماع ويصل بمفرده إلى نفس القرارات التي يصل إليها الجميع». وأشرت إلى أن عبارة «يقرر ما قرره الجميع» تحمل قدرا هائلا من القوة التي يمكن أن تتحقق لشخص يملك مواهب رودس. ولقد أومأ هاميلتون موافقا إذ قال: «بكل تأكيد».
خدم رودس كموظف لدى هاميلتون في لجنة هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وهناك التقى مع دنيس ماكدونو، وهو من موظفي هاميلتون الآخرين، والذي انتقل للعمل لدى توم داشل في مجلس الشيوخ. ثم أصبح رودس بعد ذلك كبير مدوني الملاحظات لمجموعة الدراسات العراقية، وهي اللجنة المؤلفة من الحزبين الكبيرين والتي انتقدت حرب جورج بوش المعلنة في العراق. ولقد ترافق مع هاميلتون ونظيره الجمهوري في المجموعة، وزير الخارجية الأسبق والصديق المقرب من عائلة بوش، جيمس بيكر، إلى الاجتماعات مع كولن باول، وكوندوليزا رايس، وستيفن هادلي، وديفيد بترايوس، وغيرهم الكثير (ولقد التقى نائب الرئيس ديك تشيني غير أنه لم ينطق بكلمة). وفقا لكل من هاميلتون وإدوارد جرجيان، رجل بيكر الثاني في مجموعة الدراسات العراقية، ولقد كانت آراء رودس مهمة من زاوية صياغة استنتاجات المجموعة - وهي لائحة اتهام لاذعة بحق صناع السياسة المسؤولين عن غزو العراق. وبالنسبة إلى رودس، والذي كتب بنفسه أكثر محتويات تقرير مجموعة الدراسات العراقية، كانت حرب العراق دليلا بالأسود والأبيض، وليست تعقيدا للعلاقات الدولية أو ما يصاحب ذلك من الكثير من المخاطر على صناعة القرار السياسي ولكن من واقع حقيقة أن صناع القرار السياسي وقتئذ كانوا مجموعة من البلهاء.
وإحدى نتائج هذه التجربة أنه عندما انضم رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007، كان يعلم الكثير عن حرب العراق من المرشح الرئاسي نفسه، أو أي من مستشاريه. ولقد تكون لديه ازدراء صحي حيال مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك المحررين والمراسلين في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«نيويوركر»، وغيرها من الصحف، التي أشادت في بادئ الأمر بالحرب على العراق ثم تحولت إلى إلحاق اللوم الكامل بالسيد بوش وفرقته المرحة من المحافظين الجدد عندما ساءت الأوضاع على الأرض لمستويات غير مسبوقة. وإذا كان هناك أي شيء، فلقد ازدادت حدة وشراسة هذا الغضب لدى رودس داخل البيت الأبيض. فلقد أشار إلى مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية باسم «الفقاعة». ووفقا إلى رودس، فإن تلك الفقاعة ضمت السيدة هيلاري كلينتون، وروبرت غيتس، وغيرهم من المروجين للحرب على العراق من كلا الحزبين الكبيرين، الذين يتألمون بأنين شديد على انهيار النظام الأمني الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط.
شعر جون فافرو، كبير كتاب الخطب الرئاسية، بأنه قد يستخدم أحد خبراء الشؤون الخارجية والذي يمكنه كتابة الخطب الرئاسية. ويتذكر ذلك الأمر فيقول: «داوم مستشارو السياسة الخارجية على تغيير اللغة الرئاسية التي جعلت أوباما يبدو وكأنه ليس جزءا أصيلا من مؤسسة السياسة الخارجية الديمقراطية. وفكرة تعيين شخصية تحمل درجة الماجستير في أدب الروايات وشارك كذلك في صياغة تقرير الحرب على العراق وتقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كانت فكرة مثالية للمرشح الرئاسي الذي يضع الكثير من التركيز على رواية الأقاصيص على الجماهير». ووجد كاتبا الخطابات الشابان نفسيهما في وضع متزامن، «قد كان يجرد أغلب الناس في واشنطن من قيمة أفكارهم تماما»، كما يقول فافرو بإعجاب شديد حول رودس. وأضاف يقول: «أعتقد أنه دائما ما كان يعتبر الوقت الذي يقضيه هناك وقتا موجزا، ولن يعبأ إن لم يدعه أحد مرة أخرى إلى حفل استقبال رسمي، أو يطلب منه أحد الظهور في برنامج (جو الصباحي)، أو وضع اسمه على قائمة المشاهير في مجلس العلاقات الخارجية، أو أيا ما كان يفعلونه هناك».
وتتذكر سامانثا باور وصول رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007 حيث تقول: «كان يقلل من شأن الجميع بصورة ملحوظة». وهي نفسها كانت كاتبة، وحاز مؤلفها بعنوان «مشكلة من الجحيم» ويدور حول تاريخ الاستجابة الأميركية لعمليات الإبادة الجماعية، على جائزة بوليتزر الأدبية الأميركية، ثم انطلقت للعمل في مكتب مجلس الشيوخ للسيناتور أوباما في عام 2005، والسيدة باور الآن هي سفيرة الولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة.
وفي وقت مبكر، ما الذي لفت انتباهها حول رودس كانت النزعة الاستراتيجية في شخصيته. وقالت عن ذلك: «كان يقود في هدوء وصمت، في البداية وبالأساس من خلال متابعة التغييرات، مثالا بما يمكن قبوله أو رفضه».
وفي أول يوم له في الجناح الغربي، يتذكر رودس التفكير في مدى صخر حجم الفضاء الفعلي، ولاحظ أن نفس الفئة من الأشخاص الذين عمل معهم في مقر الحملة الانتخابية في شيكاغو صاروا الآن يرتدون السترات الرسمية بدلا من سراويل الجينز. وغرقت ضخامة المساعي المبذولة في اليوم الأول من العمل، ثم أدرك أنه بالنسبة لكافة الأعمال التحضيرية هنا، لم يكن هناك دليل واحد يرشدك لكيفية أن تكون موظفا في طاقم الموظفين التابعين للرجل الذي يدير شؤون البلاد، ولا سيما في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي فيه على شفا السقوط الحر، وهناك 180 ألف جندي أميركي يقاتلون في العراق وأفغانستان. ثم أدرك أمرين مهمين في آن واحد: قيمة القضايا التي تواجه الرئيس، والاهتمام العالمي الكبير حتى بأدنى درجات الاتصالات الرئاسية الآسيوية.
وكانت الوظيفة التي تعاقد عليها هي مساعدة رئيس الولايات المتحدة على التواصل مع الجمهور، تتغير بأساليب مهمة على حد سواء، وذلك يرجع إلى تأثير التكنولوجيا الرقمية التي كان الناس في العاصمة واشنطن يبدأون في إدراكها والتعامل معها. وكان من الصعب على الكثيرين استيعاب الحجم الحقيقي للتغيير في عالم الأخبار - 40 في المائة من المحترفين في صناعة الصحف فقدوا وظائفهم خلال العشر سنوات الماضية - ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن القراء يمكنهم استيعاب كافة الأخبار التي يريدونها من منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، والتي تبلغ قيمتها السوقية بعشرات بل ومئات البلايين من الدولارات ولا تدفع شيئا قط في مقابل المحتوى الذي توفره للقراء. عليك تغيير جلدك لتتمكن من المواصلة والمنافسة - حتى تكون في عالم الأخبار، أو الاعتماد بأسلوب الحياة أو الموت على المنتجات الإخبارية - ولتتفهم الأساليب الراديكالية والنوعية التي تتغير بها الكلمات التي تظهر على أطقم الحروف المطبعية. ولقد ضرب رودس مثالا في أحد الأيام، حيث كان الازدراء الشديد هو السمة المميزة لحديثه الخاص. ولقد قال: «اعتادت كافة هذه الصحف أن يكون لديها مكاتب خارجية. ولم تعد تستخدمها الآن. وأصبحوا ستصلون بنا لنوضح لهم ما الذي يجري في موسكو وفي القاهرة. وأغلب هذه المنافذ الصحافية تخرج بتقاريرها حول الأحداث العالمية من واشنطن. ومتوسط عمر المراسل الصحافي الذي نستقبله لا يتجاوز 27 عاما، ولا تتألف خبراتهم الصحافية من أكثر من تغطية الحملات الانتخابية العامة. هذا تغيير كبير فعلا. إنهم لا يعرفون شيئا على الإطلاق».
في هكذا بيئة، أصبح رودس بارعا في ازدراء الكثير من الناس في آن واحد. ولقد منحني نيد برايس، مساعد رودس، مثالا صادقا حول كيفية القيام بذلك. كانت أسرع طريقة للبيت الأبيض في صياغة الأخبار، كما أوضح لي، كانت من المنابر الإعلامية، ولكل منها مجموعته الصحافية الخاصة. ولكن كان هناك نوع من مضاعفات القوة، ولدينا كذلك أصدقاؤنا المقربون، وكل ما علي فعله هو التواصل مع مجموعة معينة من الأشخاص وأن بكل تأكيد تدرك أنني لا أريد أن أذكر أسمائهم إليك.
قلت: «أستطيع أن أذكر أسماءهم»، واستعرضت أمامه بعض الأسماء من صحافيي واشنطن البارزين وكتاب الأعمدة الصحافية الثابتة الذين يغردون في غالب الأمر بالتزامن مع رسائل البيت الأبيض.
فضحك برايس بشدة وقال: «انظر، إن بعض الناس يلوون عنق الكلام ويقولون إن هذا من علامات الضعف الأميركية. ولكن، في واقع الأمر، إنها إشارة من إشارات القوة». واستمر برايس يقول: «ولسوف أعطيهم بعض الألوان. والأمر التالي الذي أعلمه، أن الكثير من هؤلاء الناس يعملون في مجال الصحافة الإلكترونية، ولديهم متابعون كثيرون على تويتر، ولسوف يقتبسون كلماتي هذه وينشرونها في عبارات من صياغتهم».
من المرجح لحملة رودس المبتكرة لبيع الاتفاق الإيراني أن تكون أنموذجا للكيفية التي تفسر بها الإدارات الأميركية القادمة قضايا السياسة الخارجية أمام الكونغرس وأمام الناس. والطريقة التي سمع بها معظم الشعب الأميركي عن قصة الاتفاق الإيراني تجسد - أن إدارة الرئيس أوباما بدأت التفاعل وبجدية مع المسؤولين الإيرانيين منذ عام 2013 حتى يتسنى لها الاستفادة من الواقع السياسي الجديد في طهران، الذي جاء إثر الانتخابات التي دفعت بالمعتدلين إلى صدارة السلطة هناك - وأن قصة الاتفاق الإيراني قد صيغت بالكامل من أجل بيع الاتفاق إلى الكونغرس والجمهور. وحتى مع العلم بأن تفاصيل هذه القصة فعلا صحيحة، فإن الآثار التي استمدها القراء والمشاهدون من تلك التفاصيل كانت في غالب الأمر مضللة أو كاذبة. أدرك أقرب مستشاري الرئيس أوباما أنه شديد الحرص بصورة شخصية على التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران بقدر ما يعود الأمر لعام 2012، وحتى منذ بداية أولى فتراته الرئاسية في البيت الأبيض. وأوضح رودس الأمر بعد يومين من إبرام الاتفاق حيث قال: «إن ذلك الاتفاق هو مركز الاهتمام والتركيز»، وهو المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، التي نفذت حرفيا. ثم عمد رودس إلى التحقق من الأساليب التي تمكنت بها أهداف وأولويات السياسة الخارجية الأميركية من الالتئام في إيران. وقال رودس عن ذلك «لا يجب علينا أن نستمر في دورات الصراع الفارغة إذا ما كنا نستطيع البحث عن طرق أخرى لتسوية هذه القضايا. يمكننا فعل أشياء تصارع أو تتحدى أساليب التفكير التقليدية التي، كما تعرف، أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) لا تفضل هذا، أو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تفضل ذاك، أو أن دول الخليج العربي لا تفضل الأمر برمته». إنها إمكانية تحسين العلاقات مع الخصوم. إنها تتعلق بحظر انتشار الأسلحة النووية. ومن ثم فإن كافة تلك الفقرات التي كان يتابعها السيد الرئيس - وأعني تلك التي ليست بالمعني الصحافي للكلمة - ولمدة عشر سنوات تقريبا، قد تجمعت كلها في وقت واحد حول إيران.
* خدمة {نيويورك تايمز}



الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

TT

الحرب في قلب الخليل... 500 مستوطن يقاسمون آلاف الفلسطينيين تفاصيل الحياة

صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)
صورة جويّة للمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

قبل الوصول إلى مدينة الخليل، التي تبعد عن القدس نحو 35 كم جنوب الضفة الغربية، على الطريق الالتفافي السريع المعروف بالطريق «60» يواجهك كثير من الشاخصات واللافتات التي توجّه العابرين على اختلاف جنسياتهم وأديانهم ومللهم، باللغات الثلاث، العبرية والإنجليزية والعربية، إلى وجهتهم، أياً كانت تلك الوجهة؛ فلسطينية أو إسرائيلية، أو ربما أبعد... «كرمي تسور - حلحول - بيت أمر - كريات جات - مخيم العروب - كريات أربع»، و«الحرم الإبراهيمي»... وغيرها.

نقطة مراقبة عند مجمّع غوش عتصبون الاستيطاني قبل الوصول إلى الخليل (الشرق الأوسط)

«ممنوع الدخول»

وقبل قليل من المدخل الرئيسي للمدينة، تعترضك لافتة ضخمة تحذر الإسرائيليين من الدخول إلى المنطقة «أ» الممنوعة عليهم، و«الخطرة»، متجاهلة أن 500 مستوطن يقيمون داخلها، ويحتلون قلب المدينة الأكبر في الضفة الغربية، أي البلدة القديمة، ويتقاسمون مع أهلها الشوارع والمنازل والمحلات والساحات وإطلالات الشرفات والحرم الإبراهيمي. ويحاولون كل يوم طرد جيرانهم، في معركة طويلة ومرهقة، وأصبحت شرسة إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر 2023.

في مطلع شارع «الشهداء»، المعروف في منطقة باب الزاوية المكتظة بالناس والمحال التجارية في الخليل، ينتظرك جنود إسرائيليون متأهبون. مهمتهم منع كل فلسطيني من الدخول إلى المنطقة، إلا أولئك القلائل الذين ما زالوا يسكنون هناك في أحد المنازل القديمة المتهالكة والمحاصرة، ولم يرحلوا على الرغم من أنهم يخضعون يومياً، في ذهابهم وإيابهم لتفتيش دقيق، كمشتبه بهم طوال الوقت.

قبل 7 أكتوبر وبعده

قبل السابع من أكتوبر، كنا دخلنا الشارع بعدما سمح لنا الجنود بذلك. ولكن، بعد نحو 100 متر فقط، أوقفنا جندي وقال إننا ممنوعون من مواصلة الطريق، بسبب «سحنتنا العربية»، متذرعاً بأنه لا يستطيع تأمين سلامتنا.

أما اليوم فلم يعد مسموحاً بالدخول ولا لمتر واحد.

جندي إسرائيلي يمنع العبور بأحد شوارع المدينة القديمة في الخليل (د.ب.أ)

دخلنا إلى البلدة القديمة عبر طرق أخرى مفتوحة، لكننا وجدنا الكثير من شوارع البلدة القديمة وقد أغلقت، ولم نستطع الوصول إلى مناطق كثيرة، ومن بينها شارع السهلة خلف الحرم الإبراهيمي، الذي أُغلق كذلك مثل شارع الشهداء وأصبح ممنوعاً على أي فلسطيني ما لم يكن أحد هؤلاء «المزعجين» سكان المنطقة.

خرج إلينا إسلام الفاخوري إلى حارات ليست مغلقة أمام أحد، مثل سوق «اللبن» الذي كان خاوياً؛ محال مقفلة بلا تجار ولا سكان ولا متسوقين، وهو جزء من شوارع أخرى متداخلة في البلدة القديمة.

قال الفاخوري لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفضل الخروج لمرة واحدة في اليوم قبل أن يعود مرة أخيرة، لتجنّب الكثير من الإجراءات المذلّة والصعبة. موضحاً: «يعاملوننا كمشتبه بهم دائماً. يجب أن يكون اسمك مدرجاً على قائمة خاصة وتخضع للتفيش لدى خروجك وعودتك، ويدققون في الهويات ثم يسمحون لك بالعبور».

والفاخوري من بين قلائل بقي في منزله بشارع السهلة، قرب الحرم الإبراهيمي الذي يقع بالنسبة للطرفين الفلسطينيين والإسرائيليين في مركز الصراع.

تقاطع طرق رئيسي في مدخل الخليل (الشرق الأوسط)

يقول الفاخوري إنه بقي هنا لأنه لم يستطع تقبل فكرة مغادرة منزله كما أنه «لا يريد تركه لهم».

وأضاف: «إذا تركت البيت. فوراً يسيطرون عليه. هذا ما يريدونه أصلاً. كل ما يحدث يهدف إلى دفعنا لهجرة منازلنا. لماذا يضيق علينا الجيش؟ لماذا كل هذه الإجراءات؟ لماذا يهاجمنا المستوطنون؟ لأنهم يريدون المكان كله».

يشرح الفاخوري كيف تعرض وآخرون في المنطقة لهجمات واعتداءات متكررة، لكنه لم يستسلم، مؤكداً: «مش طالع ومش مستغني عن بيتي».

لم يغير الفاخوري موقفه حتى بعد السابع من أكتوبر عندما أصبحت معركة البقاء أصعب وأكثر تكلفة.

فمنذ السابع من أكتوبر صعّد المستوطنون في الضفة من سلوكهم العدائي وراحوا يشنون هجمات دموية في مناطق واسعة؛ يقتلون الفلسطينيين ويحرقون منازلهم وممتلكاتهم ودور عبادتهم ويخربون مزروعاتهم، ويستولون على الأراضي والمنازل وتلال الجبال وحتى على المواشي.

وقال الفاخوري: «بعد 7 أكتوبر، أصبح كل مستوطن حكومة بحالها».

وأضاف: «كنا نتحرك بحرية أكبر، وكان الاحتكاك أقل. لكن بعد 7 أكتوبر كل شيء تغير. أغلقوا البوابات وزادوا الحواجز. وأصبحت كل حركة هنا محسوبة. وفوق كل ذلك نتعرض لهجمات واعتداءات متواصلة بلا حسيب أو رقيب. يهاجمون المنازل ويعتدون علينا في الشوارع. كل يوم مشكل. كل يوم».

ما قاله الفاخوري يعطي فكرة لماذا لم يعد هناك سكان في مناطق واسعة في البلدة القديمة والمحلات مغلقة.

جنود إسرائيليون يحرسون أحد مداخل البلدة القديمة في الخليل خلال زيارة 10 مستوطنين أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

معركة بدأت في 1978

بالطبع لم يكن إغلاقاً بدأ بعد السابع من أكتوبر، بل قبل ذلك بكثير؛ فمعركة المستوطنين قديمة لكنها استفحلت بعد ذلك التاريخ.

وبحسب مركز المعلومات الوطني الفلسطيني أقيمت أولى البؤر الاستيطانية داخل البلدة القديمة عام 1978، باحتلال مجموعة من المستوطنين مبنى الدبويا وسط المدينة. وأطلق عليه المستوطنون فيما بعد اسم «بيت هداسا»، وبعد «عملية الدبويا» الشهيرة عام 1980، ورداً عليها قامت سلطات الاحتلال بهدم عشرات المنازل من أجل توسيع البؤرة الاستيطانية ذات الموقع الاستراتيجي. وفي عام 1983 أقيمت بؤرة قرب مبنى الدبويا عرفت باسم «بيت رومانو» بعد السيطرة على «مدرسة أسامة بن المنقذ» بزعم أنها أملاك يهودية.

وفي عام 1984 أنشئت بؤرة استيطانية جديدة (أبراهام أفينو) على موقع أثري في تل الرميدة، وأغلقت سلطات الاحتلال سوق الخضار المركزي في البلدة القديمة، وتم تسليمه فيما بعد للمستوطنين لإقامة بؤرة استيطانية جديدة؛ بالإضافة إلى بؤر أخرى مثل «بيت حسون» و«بيت شنرسون».

وقال المركز إن إسرائيل تسعى للسيطرة على المكان وتوسيع حجم البؤر الاستيطانية، وقد قامت من أجل ذلك باتباع سياسات عنصرية ضد السكان العرب، من خلال نشر عشرات الحواجز ونقاط التفتيش وإغلاق تام لبعض الشوارع والأسواق؛ في محاولة لطرد السكان العرب والتضييق عليهم؛ بغية تهجيرهم من المكان؛ حيث قدر عدد المحلات التجارية المغلقة بنحو 1829 محلاً تجارياً، منها 520 مغلقاً بأوامر عسكرية خاصة؛ والباقي مغلق من قبل أصحابها بسبب إغلاق الطرق ووضع الحواجز ونقاط التفتيش داخل الأزقة.

المسجد الإبراهيمي في البلدة القديمة بالخليل بالضفة الغربية المحتلة وعلى أحد جوانبه تُرفع أعلام إسرائيلية يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

يؤكد سكان البلدة الذين التقيناهم هناك على عجل إن «المعركة معهم قديمة، لكنها اشتدت في مرحلتين، وكانت مفصلية بعد الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بعد السابع من أكتوبر 2023».

وإلى اليوم، غادر معظم سكان البلدة البالغ عددهم 40 ألفاً.

«الحرم الإبراهيمي»... على مرمى حجر

كان الحرم الإبراهيمي الذي يصفه الفلسطينيون بأنه أقدم مكان مقدس في العالم، على مرمى حجر. وقبل الوصول إليه، دبّ في المكان بعض الحياة؛ محلات قليلة مفتوحة يعرض فيها حرفيون وصناعيون بعض الحلي والخزف والمنحوتات الخشبية، والكثير من خرائط فلسطين والمطرزات، والأكواب المزينة والبخور وحلوى الحلقوم في مصنع قديم للغاية، أقدم من الاحتلال نفسه.

تزينت إحدى واجهات العرض بصورة للشاعر الراحل محمود درويش مرسومة على قطعة من الصدف وكتب إلى جانبها ما قاله يوماً: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة». وإلى جانبه كانت هناك رسمة لفيروز وكتب إلى جانبها «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، وغير ذلك من خزفيات لا تشبه اللحظة.

جندي إسرائيلي يصلي خارج الحرم الإبراهيمي (مغارة المكفيلا) في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

ولكن على هذه الأرض مقابل الحرم الإبراهيمي، وقف جندي إسرائيلي خلف بوابات أمنية متأهباً ومتسلحاً، يراقب الراغبين بالصلاة، ثم يمنحهم إذناً بالمرور، عبر ضوء أخضر فقط.

مررنا ببوابات دوارة أو ما يسميه الفلسطينيون ساخرين «المعاطات» ثم ببوابات إلكترونية، قبل أن يفحص الجندي هوية كل شخص، ثم عبرنا إلى أكشاك أمنية تحت كاميرات مراقبة، وجنود حراسة، قبل أن تفحص جندية هناك الهويات مرة أخرى، ثم تسمح لنا بالمرور إلى الحرم الإبراهيمي.

خطوات قليلة تشبه عبور حدود بلد أو مقر وزارة دفاع ما، وليس مسجداً للصلاة.

كان للمكان الذي يحمل الكثير من القدسية للمسلمين هيبته، لكن قليلين كانوا هناك يصلون.

البعض جاء لأول مرة في حياته، فراح يتفقد بكثير من الدهشة مقامات الأنبياء ويكتشف زوايا كثيرة عتيقة تحت أعين الكاميرات الإسرائيلية.

كانت الكاميرات في كل مكان. وأينما وليت وجهك كان ثمة كاميرا ترصد كل حركة وكل كلمة.

فلسطينيون ينتظرون عند حاجز إسرائيلي من أجل أداء الصلاة بالمسجد الإبراهيمي في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (رويترز)

مدير الحرم: يبثون الخوف فينا

لم يكن الشيخ معتز أبو سنينة، مدير الحرم، متحمساً لفكرة القيام بجولة في المسجد، حتى وإن بدون كاميرات أو تصوير، كي لا يستغل الإسرائيليون ذلك ويقتحموا المكان.

وطبعاً لم نصل المكان بكاميرات تصوير وميكروفونات، لأن ذلك كان سيكلفنا ساعات من الأسئلة والأجوبة وانتظار موافقات قد لا تأتي أبداً.

كانت السلطات الإسرائيلية عززت كاميرات الحرم لتطال كل زاوية بالصوت والصورة، وأجبرت إدارة الحرم على وضع مسارات خاصة فوق السجاد بحيث يتمكن الجنود من اقتحام المسجد في كل وقت وبسرعة.

وقال أبو سنينة لـ«الشرق الأوسط»: «أنت ترى. كل من يدخل إلى هنا كأنه يدخل إلى ثكنة عسكرية، وهو قيد المراقبة. حواجز بوابات وفحص دقيق وتفتيش وتدقيق بالهويات. هذه إجراءات يومية تطال كل الوافدين والقادمين إلى الحرم الإبراهيمي الشريف والذين يتعرضون أحياناً إلى إهانة ومذلة. طبعاً بما في ذلك سدنة الحرم وموظفو الحرم وإدارة الحرم، كل من يدخل إلى هذا المكان تحت مراقبة شديدة بالصوت والصورة».

بالنسبة لمدير الحرم كل هذا جزء من سياسة أوسع لمحاولة فرض واقع جديد لتفريغ الحرم وجعله مكاناً لليهود.

مصلّون داخل المسجد الإبراهيمي (الشرق الأوسط)

كان الحرم بالفعل بدون مصلين كثر، وأكد أبو سنينة أن الوضع تغير إلى حد كبير بعد السابع من أكتوبر، ووصل إلى حد منع كل فلسطيني تحت سن 25 عاماً من دخول الحرم نهائياً.

وأضاف: «إنهم يبثون الخوف والرعب في نفوس القادمين».

تقسيم زمني ومكاني

بقي جزء آخر من الحرم ممنوع علينا بشكل تام كما هو عليه الوضع في البلدة القديمة.

فبعد مجزرة الحرم الشهيرة عام 1994 التي قتل فيها المستوطن الطبيب في الجيش الإسرائيلي باروخ غولدشتاين 29 مصلياً، سيطرت إسرائيل على 63 في المائة من الحرم وحولته إلى مكان خاص باليهود.

كان غولدشتاين ناشطاً في حركة «كاخ» الإرهابية، التي أسسها المتطرف مائير كهانا.

وقال أبو سنينة: «63 في المائة ممنوعة على المسلمين منذ ذلك الوقت».

كان هناك باب فاصل وخلفه تقام صلوات تلمودية وحفلات صاخبة ونفخ في البوق. لا أحد يستطيع من المسلمين الدخول إلى هناك إلا 10 أيام في السنة، وهي أيام الجمعة في رمضان وليلة القدر وعيدا الفطر والأضحى وذكرى المولد النبوي، وذكرى الهجرة النبوية وذكرى الإسراء والمعراج». ومقابل ذلك هناك 10 أيام يمنع المسلمون من دخول الحرم نهائياً، وهي أيام خاصة بالأعياد اليهودية.

هذا ما يعرف بالتقسيم الزماني والمكاني الذي يخشى الفلسطينيون أن يحصل في المسجد الأقصى في القدس، كذلك.

قام المؤذن فأقام الصلاة وسط الناس القلائل، بعدما كان ممنوعا من الوصول إلى غرفته التي تقع في القسم الذي يسيطر عليه الإسرائيليون.

كان ممنوعاً عليه رفع الأذان عبر مكبرات الصوت والسماعات الخارجية.

قبل ذلك كان على المؤذن أن ينتظر وصول الجنود الإسرائيليين من أجل أن يصحبوه إلى غرفته، فيؤذن بالناس ثم يغادر بصحبتهم كذلك في رحلة قصيرة محفوفة بالمخاطر.

ولكن لا يسري هذا في كل أوقات الصلاة، إذ يمنع عليه الوصول في أوقات محددة من أيام السبت والجمعة وساعات من الليل.

طفل فلسطيني أمام أحد الأضرحة داخل الحرم الإبراهيمي خلال رحلة مدرسية (الشرق الأوسط)

أضرحة مشتركة وصراع على الرواية

كانت أضرحة إبراهيم ويعقوب وإسحق ويوسف أكثر الأمكنة زيارة وفرصة لأخذ الصور التذكارية.

وهي الأضرحة التي يقول اليهود إنها دليل على أن المكان يخصهم كذلك. فالصراع هنا ليس صراعاً متعلقاً بالاحتلال فحسب، بل أيضاً صراع على الرواية والمكانة الدينية بما تحمله من هوية.

وقال أبو سنينة: «إنهم يحاولون طمس الرواية والهوية. هم يقولون هذا المكان لنا. ونحن نقول مكان إسلامي خالص. هم يعتقدون بالانتساب لإبراهيم؛ ويقولون إنهم نسل ابنه، ولهم الحق في هذا المكان لكن نحن أحق بالأنبياء. ما كان إبراهيم يهودياً».

رواية مدير الحرم هي رواية الفلسطينيين والمسلمين، لكنها غير مقبولة في إسرائيل. ويقدس الإسرائيليون الحرم الإبراهيمي الذي يُطلقون عليه اسم «مغارة المكفيلا»، لأنه يحوي قبر النبي إبراهيم وزوجته سارة، في مغارة أسفل البناء المقام حالياً.

مستوطنون إسرائيليون برفقة الوزير المتطرف بتسلئيل سموتريتش يرفعون علماً إسرائيلياً فوق مستوطنة جديدة في جبل الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

سموتريتش يعلن الحرم «ملكية سيادية»

بعد وقت قصير من زيارتنا، ذهب وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى الحرم الإبراهيمي، وأعلن من هناك أن الحرم الإبراهيمي في الخليل هو «أول ملكية سيادية للشعب اليهودي»، مؤكداً من المكان الذي وصل إليه لافتتاح المساحات المسقوفة التي كان أشار إليها أبو سنينة أن الحرم سيبقى للأبد رمزاً لسيادة إسرائيل في الضفة الغربية.

وقالت «القناة 14» الإسرائيلية إن سموتريتش الذي قاد فعالية إنهاء أعمال سقف وترميم شاملة في الحرم الإبراهيمي، يستكمل خطوة تاريخية في الحرم، وذلك عقب القرار السابق له بإنهاء العمل باتفاقيات الخليل وسحب الصلاحيات المتعلقة بهذا الشأن من البلدية الفلسطينية في البلدة القديمة في الخليل.

وكان سموتريتش أعلن في يونيو (حزيران) الماضي إلغاء «اتفاقية الخليل» الخاصة بمدينة الخليل، التي يسميها أرض الآباء. وقال آنذاك في حفل افتتاح مستوطنة «دورون» الجديدة في جبل الخليل في الخليل: «لقد ألغينا اتفاقيات الخليل. لسنوات عديدة، ظل أحد أكثر بنود أوسلو عبثية ساري المفعول، عندما مُنحت السلطات المتعلقة بالمستوطنات اليهودية في الخليل والأماكن المقدسة لبلدية الخليل».

ونص القرار الذي أعلنه سموتريتش بعد أن صادق عليه «مجلس التخطيط الأعلى» في «الإدارة المدنية» التابعة للجيش الإسرائيلي على سحب صلاحيات التخطيط والبناء في المنطقة «H2» من بلدية الخليل وهي البلدة القديمة.

جنود إسرائيليون منتشرون في شوارع المدينة القديمة بالخليل خلال زيارة سياحية لوفد من 10 مستوطنين للمنطقة أكتوبر 2026 (رويترز)

الخليل... تطوي صفحة أوسلو

الخليل هي المدينة الفلسطينية الوحيدة في الضفة التي حصلت على اتفاق خاص عام 1997 قسمها إلى منطقتين H1 وH2 فيما عرف بالبروتوكول المتعلق بإعادة الانتشار في الخليل، وكان ذلك استمراراً لاتفاقية أوسلو الثانية لعام 1995 وعملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي بدأت بموجب اتفاقيات أوسلو في عام 1993.

وبموجب اتفاقية الخليل، سحبت إسرائيل قواتها من المنطقة المصنفة H1 في الخليل، التي تمثل نحو 80 في المائة من المدينة، وتولت السلطة مسؤولية القضايا الأمنية هناك، والمدنية، ومقابل ذلك احتفظت إسرائيل بالسيطرة الأمنية على المنطقة المصنفة H2، البالغة 20 في المائة من المدينة، التي تشمل منطقة البلدة القديمة، وتضم الحرم الإبراهيمي والمستوطنة اليهودية في الخليل، فيما نقلت السلطات المدنية إلى السلطة.

وقال سموتريتش: «هذا أكثر بكثير من مجرد خطوة تخطيطية، إنه تعديل تاريخي. نحن نواصل ثورة الاستيطان، وتعزيز الحكم، وتعميق السيادة الإسرائيلية في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)». وبحسبه هذه الخطوة تنطبق على جميع «المواقع الدينية والتاريخية» في الخليل. كانت الخطوة تعني نهاية حقبة أوسلو في البلدة القديمة في قلب الخليل.

صبي إسرائيلي يحمل لعبة على شكل بندقية في مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة مارس 2024 (أ.ف.ب)

لم يوافق الفلسطينيون. وحذرت الرئاسة من خطورة الخطوة معتبرة أنها تمس الوضع السياسي والقانوني لمدينة الخليل، والاتفاقيات الثنائية الموقعة بخصوصها. رفضت بلدية الخليل كذلك الخطوة وقالت إنها لا تقبل بها.

لكن على الأرض ثمة واقع مختلف، أصبحت إسرائيل أكثر سيطرة على كل شيء في قلب الخليل، بما في ذلك الحرم الإبراهيمي.

وبعد يوم واحد فقط من إعلان سموتريتش «إلغاء اتفاقيات الخليل» تمت الموافقة على بناء كبير لصالح مدرسة دينية يهودية، قرب الحرم. وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن الموافقة على بناء المدرسة الدينية تم دون الحاجة إلى موافقة البلدية الفلسطينية، وذلك للمرة الأولى منذ عقود.

في كلمته التي ألقاها في الحرم الإبراهيمي محتفلاً بأعمال سقفه، قال سموتريتش: «مغارة المكفيلا (الحرم الإبراهيمي) هي أول ملكية سيادية لشعب إسرائيل. المكان الذي اشتراه سيدنا إبراهيم أصبح رمزاً لسيادتنا على هذه الأرض».

زيارات لتثبيت الذاكرة

لكن ليس كل شيء يمكن فرضه بالقوة. خارج المصلى الرئيسي كان ثمة رحلة مدرسية، تحاول المعلمات خلالها الشرح للتلامذة تاريخ الحرم ومكانته والمجزرة.

بائع حلوى فلسطيني داخل البلدة القديمة في الخليل (الشرق الأوسط)

وقالت المدرّسة شريفه دويك لـ«الشرق الأوسط»، إنها قررت أن تغامر وتأتي بهم إلى الحرم بعدما تنبهت لأنهم لا يعرفون أي شيء عنه. كان الأطفال متحمسين كأنهم في مغامرة، وراحوا يشرحون كيف دخلوا من أمام الجنود بدون تفتيش، وأنهم سيعودون مرة أخرى. قالت دويك إنه كان ضرورياً أن يزوروا المكان الذي يريد اليهود أن ينساه كل فلسطيني.

وقال الحاج عبد العزيز أبو حلتم إنه جاء من ترقوميا البعيدة من أجل زيارة الحرم والبلدة القديمة.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «لا آتي كثيراً بسبب المخاطر وساعات الانتظار الطويلة. لكني قلت سأغامر وفعلاً تعبت من الانتظار قبل أن أصل إلى الحرم».

لا يعاني اليهود من ذلك، بل يصلون معززين بالحراسات الكثيرة في محاولة لإظهار يهودية المكان.

ويحرس نحو 1500 جندي إسرائيلي المستوطنين الـ500 في قلب الخليل.

كانت الأعلام الإسرائيلية أيضاً تحيط بأسوار الحرم الإبراهيمي في محاولة أخرى لتثبيت الرواية بصرياً بكل الطرق الممكنة.

كذلك كان يمكن مشاهدة الكثير من هذه الأعلام في مناطق واسعة في قلب الأحياء العربية.

منازل في مستوطنة أفرات كما بدت من خلف السياج الشائك بالطريق إلى الخليل (الشرق الأوسط)

جيران أعداء

ومن مكان ليس بعيداً عن الحرم ومطلاً، كان التداخل السكاني في مناطق واسعة في البلدة القديمة مذهلاً للغاية. يعتلي اليهود محلات كانت للعرب، ويفصل بين بيوتهم وبيوت الفلسطينيين جدران فقط.

قبل السابع من أكتوبر حين كان يمكن للفلسطينيين فتح محلاتهم، اضطر أصحاب المحلات إلى حماية الشارع بشبكة من الأسلاك الشائكة، حتى تقيهم مما يلقيه المستوطنون من فوقهم، أما اليوم فأغلقت هذه المحلات عن بكرة أبيها.

وفيما يتمتع المستوطنون في «بيت إبراهيم»، و«بيت هداسا»، و«بيت رومانو»، و«تل رميدا» بالحماية الكاملة، قتل فلسطينيون كثر في المنطقة في سنوات سابقة بحجة طعن أو نية طعن جنود ومستوطنين.

رغم ذلك لم يغادر محمود محامرة بيته الذي وضعت خلفه بوابة خشبية محكمة الإغلاق لتفصله عن شارع الشهداء.

لم يكن يريد الإسرائيليون أي تواصل محتمل.

والبوابة الأخيرة هناك كانت جزءاً من نظام واسع من البوابات التي تغلق شوارع البلدة القديمة، والحواجز والكاميرات الأمنية.

جنود إسرائيليون خلال جولة أسبوعية للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة يوم 16 مايو 2026 (رويترز)

قال محامرة الذي يعتبر في منطقته أقرب جار للمستوطنين إنه يعيش في قلق، تحول إلى كابوس بعد السابع من أكتوبر.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «كانوا يزعجوننا دائماً لكن بعد السابع من أكتوبر الحياة أصبحت غير محتملة». يتذكر محامرة قبل الانتفاضة الثانية أوقاتاً من الرخاء، لم تدم كثيراً. وقال: «كنا عايشين مع بعض. كان في حياة لكن الآن لا».

ومن على سطح منزله، راح محامرة ينظر إلى حارات كانت كلها للعرب وصارت كلها لليهود. يأخذون البيوت ويرفعون عليها علماً إسرائيلياً. رغم ذلك لا يفكر محامرة بالخروج. وقال: «مش راح أطلع من هون».

و«مش طالعين» بات شعار يرفعه كل الفلسطينيين في الضفة الغربية، لكن ليس جميعهم يستطيعون الوفاء به، إذ يواجهون اليوم أكثر حكومة إسرائيلية متطرفة، وأكثر مستوطنين عنيفين على مر الصراع.

وتعمل الحكومة الإسرائيلية اليوم لتنفيذ خطة الحسم التي تنطلق من أن الحيز بين نهر الأردن والبحر لا يتسع إلا لمطالبة قومية شرعية واحدة، المطالبة الصهيونية بالسيادة اليهودية الكاملة.

واتهمت منظمة «بتسيلم» الحقوقية الإسرائيلية، الدولة العبرية بانتهاج مجموعة من السياسات المتزامنة في الضفة، في سياق مشروع أوسع يهدف إلى محو الفلسطينيين كشعب. كل هذا يحدث في البلدة القديمة في الخليل اليوم وربما تشكل الخليل بالنسبة لاسرائيل «بروفة» لما يجب ان يحدث في باقي الضفة.

غادرنا الحرم والبلدة القديمة وعبرنا بواجهة أحد أقدم المحلات، حيث رفعت خريطة كبيرة لفلسطين، نقشت عليها كلمات درويش المعروفة «كانت تسمى فلسطين... صارت تسمى فلسطين».


مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
TT

مرشد إيران الأخير... عندما تصبح الجمهورية تنظيماً شبكياً

عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)
عنصران من «الباسيج» خارج مصلّى طهران الكبير خلال مراسم وداع المرشد الإيراني علي خامنئي 3 يوليو 2026 (رويترز)

كانت القنبلة مخبأة داخل جهاز تسجيل في مسجد «أبو ذر» بطهران، بينما علي خامنئي يلقي محاضرة على مصلين في يونيو (حزيران) 1981. انفجر الجهاز، وأصيب عدد من الأشخاص، كان هو أشدهم تأثراً بجروح بليغة.

«ذَهبتُ إلى حافة الموت لكن الله أعادني (...) شعرت أنه ينتظر مني أداء تكليف عظيم». كانت هذه كلمات خامنئي مستعيداً لحظاته وقت الانفجار؛ نجا بيد يمنى مشلولة، وربط نجاته بانتظار ذلك «التكليف».

أمضى خامنئي نحو 37 عاماً مرشداً لإيران، خلفاً للمرشد الأول الخميني. ومع بلوغه ذروة النفوذ، متمركزاً في شبكات معقدة وأدوات متفرعة لضبط «الثورة الإسلامية»، تطلب الأمر - كما تفيد تقديرات - نحو 15 دقيقة من غارة إسرائيلية، أواخر فبراير (شباط) الماضي، لينتهي فصل طويل من إيران التي كنا نعرفها، ويبدو أنها تغيرت على نحو ملتبس.

المرشد السابق علي خامنئي خلال تلقيه العلاج داخل مستشفى «بهارلو» بطهران بعد تعرضه لمحاولة اغتيال في يونيو 1981 (موقع المرشد)

حتى مع مجيء المرشد الثالث مجتبى خامنئي، فإن التركة التي أورثها الأب من صلاحيات مطلقة ورمزيات دينية مكثفة، ومصالح متشابكة، ومركزية سياسية وعسكرية ومالية، لم يحصل عليها الابن بوصفه مرشداً تقليدياً، بل تقاسمها «أبناء» عديدون، كما تفعل التنظيمات الأصولية حين تنتقل بحكم الصدمة والاضطرار إلى العمل الشبكي، الخيطي.

ثمة جدل بشأن ما إذا كان خامنئي قد جهز «الثورة الإسلامية» للعمل بلا رأس، عبر رؤوس متعددة تعمل بشكل شبه مستقل، أو أنه لم يكن يتخيل المصير الذي انتهى إليه، لاعتقاده بأن «يد الله» تحميه، كما كان يكرر في مناسبات عامة، غير أن ابنه مجتبى سيبدو جواباً على لغز الدولة العميقة في إيران، التي استعدت لولادة جمهورية تعمل مثل شبكات خيطية.

في الحالتين، إيران اليوم جمهورية من خلايا متفرقة، تشبه سلوك في طريقة عملها أذرعها «المقاومة».

«لا نتحدث عن معركة الآن»

بنت «الثورة الإسلامية» مجدها على الردع البعيد. خامنئي نفسه، في هذا الردع، لم يكن يتخيل، على الأرجح، أن تقترب منه نيران المواجهات. كان هو أكثر من عبر عن هذه المقاربة، دون غيره.

في مارس (آذار) 2011، لم يخف خامنئي ارتياحه لاندلاع ما سمي آنذاك «الربيع العربي»، وقال: «في هذه الأحداث، يمكن الشعور بيد قدرة الله». وفي مايو (أيار) 2019، كان أنصاره يهتفون أمامه بشعار يدعو بحماس إلى «معركة ضد أميركا». أوقفهم خامنئي، قائلاً: «الآن لا نتحدث عن معركة. القضية هي المقاومة».

بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت إيران تتعرض إلى ضغوط متواترة للرد على إسرائيل والولايات المتحدة. مع ذلك ابتكرت طهران «الصبر الاستراتيجي»، الذي وصل إلى إخضاع قوى إقليمية، من وكلاء وأذرع، لفترات من الهدنة، ليست قصيرة.

من الواضح أن استراتيجية خامنئي مزيج من تصوره الديني عن التاريخ، وتكتيك إيران الذي يستند إلى إبقاء المعركة بعيدة عن طهران. حتى بعد وقائع 7 أكتوبر 2023؛ إذ يصفها رجل دين عراقي من النجف بقوله: «كأس سم سقاه يحيى السنوار للمرشد».

أشخاص يسيرون بجوار جدارية تصور المرشد السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران 13 أغسطس 2026 (رويترز)

طوال 4 عقود من وجوده على هرم السلطة، وبينما تجنب المواجهة المباشرة، كان المرشد ينسج خيوط النظام الشبكي من خلال تعيين أشخاص موالين لإدارة ملفات حيوية في الأمن والسياسة والاقتصاد والإعلام.

يشاع في طهران وبغداد وبيروت، بين دوائر مطلعة، أن مكتب المرشد ليس «مؤسسة في مبنى تقليدي لديها حارس وبوابة»، بل شبكة واسعة غير مرئية تضم عدداً غير متوقع من المسؤولين والممثلين والمندوبين والأذرع، تصل حتى إلى مؤسسات تقع تحت إشراف رئيس إيران، وظيفتهم جميعاً التأكد من أن «المرشد يرى ويسمع، ويقرر في كل شيء».

في بغداد، ظهر انعكاس لهذا التمدد، يكشف عنه مسؤول سابق، طلب التحفظ على اسمه، قال إن «رجل دين إيرانياً كان يواظب على تدقيق السياسة النفطية العراقية بشكل يومي، بأوامر شخصية من المرشد». وأضاف: «خامنئي أو مكتبه حريص على أن يحصل على تحديثات يومية بشأن الملفات الاستراتيجية».

الخطوط الحمراء... حمراء

يتجاوز موقع خامنئي حدود الدستور لـ«المرشد». يقول الباحث العراقي علي المدن، إنه «ومن خلال عقود طويلة تمتد إلى ما قبل (الثورة الإسلامية) عام 1979، راكم خامنئي عوامل وموارد تجاوزت الحدود التقليدية للصلاحيات الدستورية للمنصب. جمع، إلى جانب تجربته السياسية، رئاسة الجمهورية، وموقعه الديني، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات والولاءات داخل المؤسسات».

يميل المدن، وهو باحث في «الفلسفة الإسلامية»، راكم خبرته عبر أكثر من 3 عقود من الدراسة والعيش في قم، إلى الاعتقاد بأن «موقع خامنئي الأب ليس نتاجاً لاختصاصاته الدستورية فحسب، إنما أيضاً للخبرة المتراكمة وقدرته على إدارة التوازن بين المؤسسات ومراكز القوة المختلفة».

لكن الطريقة التي بنى فيها خامنئي سلطاته غير التقليدية كانت محمية على الأرجح بفكرة الردع؛ إذ يضخ فيها «بعداً إلهياً»، في كل مرة يظهر فيها إلى العلن، مهما كان السياق.

عام 2018، كان ضيق العيش يطبق على الإيرانيين مع تفاقم العقوبات الأميركية. في أغسطس من ذلك العام، احتشد الآلاف حول منبر خامنئي ليسمعوه يقول: «أشعر بيد الله القوية تتجلى وتتبلور في قوة الشعب». هكذا تسرب إلى جمهور المرشد في إيران، وبلدان ما يسمى بـ«محور المقاومة»، كيف أن الخطوط الحمراء، حمراء لا يمكن كسرها.

مشيعون يتجمعون خلال جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران (رويترز)

يقول سياسي عراقي احتك لسنوات مع سياسيين على صلة وثيقة بمكتب المرشد الأب، إنهم ليسوا أقل ثقة من خامنئي بأن «يد الله» تحميه، وتحمي «الثورة الإسلامية» وتحميهم، بل إن أقصى ما كان يعده من سيناريوهات عن المواجهات، حين تصبح مباشرة، أنها «قد تصيب الرجل الذي يجلس جوار المرشد، وليس المرشد»، على حد تعبير أحدهم.

هل كان خامنئي متيقناً من أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لن يأمرا باغتياله؟ من الصعب الحصول على إجابة حاسمة، لكن المرشد نفسه حتى حين كان يتوقع انقلاب الأمور رأساً على عقب، كان يشير إلى الآخرين. في 10 يونيو (حزيران) 2005، وبمناسبة ذكرى وفاة المرشد الأول، قال خامنئي إن «هذه اليد القوية (يد الله) قد تتحول أحياناً إلى قبضة وتضرب الإنسان على رأسه».

يميل السياسي العراقي إلى أن «خامنئي لم يكن يريد الذهاب إلى المواجهة، بل إطالة الصراع على الأقل إلى نهاية حياته بالطريقة الطبيعية، وليس كما فرضها الإسرائيليون والأميركيون».

ومن وجهة نظره، فإن «بلوغ الصراع حافة قتل المرشد يعني أن مرحلة طويلة من تاريخ إيران وصلت إلى لحظة أفول».

خامنئي الابن... مرشد «الحرس»؟

مع أن كثيرين يرجحون فرضية أن خامنئي عارض توريث مجتبى مرشداً لإيران، إلا أن الأب ترك ابنه في وقت مبكر متوارياً، يتوغل في المجتمع والمؤسسات، من باب «الحرس الثوري». يقول أشخاص عراقيون ولبنانيون عاصروا تحولات إيران خلال التسعينات، طلبوا عدم الإشارة إلى أسمائهم، إن مجتبى استغل «مرونة هاشمي رفسنجاني (كان رئيساً لإيران حين لعب دوراً محورياً في انتخاب الأب مرشداً عام 1989) وانغمس في نسج علاقات مع الجميع، داخل الحرس، الحوزة، السوق، الجيش، الباسيج، والقضاء».

قال أحدهم إن خامنئي الابن هو من زج بـ«مير حسين موسوي» إلى السجن، وقضى على حركات سياسية في مهدها، أو في طور نشوئها، هندس وصول إبراهيم رئيسي إلى الرئاسة، وأسس فلسفة جديدة تتحول الدولة فيها، كمؤسسات، إلى ما يشبه (حزب الله) في قلب الدولة». لقد تعلم الرجل مبكراً مبادئ «الدولة العميقة».

هل كان الأب خامنئي يعارض التوريث، بوصفه مشروعاً يناقض «الثورة الإسلامية» التي جاءت على أنقاض نظام الشاه، لكنه في المقابل سمح للابن بأن يرث الدولة العميقة التي عينته مرشداً، أو «واجهة لها»، كما يصف رجل الدين العراقي من النجف؟

امرأة تمر بجوار ملصق يحمل صور المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

بالنسبة للباحث علي المدن، «مجتبى خامنئي ابن النظام؛ نشأ وكبر داخله (...) إنه منتَج لمؤسساته وليس واحداً من مؤسسيه، ولم يسبق له أن شغل منصباً سياسياً عاماً مماثلاً للمناصب التي شغلها والده قبل توليه القيادة، كما أن حضوره داخل المؤسسة الدينية لا يمتلك، حتى الآن، الامتداد نفسه الذي اكتسبه والده عبر عقود من التكوين العلمي وممارسة السلطة. ومن ثم فإن انتقال المنصب له لا يعني بالضرورة انتقال جميع الموارد الشخصية والسياسية التي كانت متجمعة في شخص والده».

الهوة التي يراها مختصون شاسعة بين الأب والابن تدفع رجل الدين من النجف إلى الجزم بأن «خامنئي الأب هو آخر مرشد يحمل الحد الأدنى من شروط الفقاهة، كما أنه الأخير الذي يمتلك هيمنة حقيقية على (الحرس الثوري)، على عكس خامنئي الابن الذي يهمين عليه الحرس ويدير أموره».

لا يعني ذلك، أيضاً، أن موقع المرشد أصبح رمزياً أو أن صلاحياته انتقلت إلى مؤسسة أخرى؛ إذ يميز علي المدن، بين «السلطة الدستورية للمرشد، وقدرته العملية على تركيز عملية صنع القرار في شخصه».

جمهورية انشطار الخلايا

إذا لم تنتقل السلطة من يد خامنئي الأب إلى ابنه المستتر حتى الآن، فأين استقرت؟ الجواب الجاهز أن «الحرس الثوري» يتحكم بكل شيء. على الأقل فإن هذه المؤسسة التي يمتد نفوذها وشبكاتها الأمنية والاقتصادية إلى عواصم في الشرق الأوسط ومناطق في غرب آسيا وأخرى بعيدة، هي التي أشرفت وأدارت جلسة انتخابه من قبل مجلس الخبراء في 8 مارس 2026. كان «الخبراء» يتوافدون معية أفراد من «الحرس الثوري» إلى مقر الانتخاب في مشهد دراماتيكي يعيد أجواء الحرب العالمية الثانية، يوم كانت الحكومة البريطانية تجتمع في ملاجئ «وستمنستر»، بينما يُمطر الطيران الألماني لندن بالقنابل».

يقول السياسي العراقي إن «الحرب الأخيرة على إيران أكبر مواجهة عسكرية شهدتها المنطقة، وتكاد تتجاوز حرب السنوات الثماني مع العراق».

لكن، وبالمقدار الذي يتحفظ به على تصوير الأمور في إيران بأنها سلسة، وتختزل باستبدال قائد بقائد آخر، فإن علي المدن يتحفظ أيضاً على وصف الوضع الجديد بأنه انتقال من «حكم المرشد» إلى «حكم الحرس الثوري»؛ لأنه يفترض انتقالاً مباشراً لا تسمح به بعدُ طبيعة النظام الداخلية ولا التحديات التي خلقتها أجواء الحرب.

أجواء الحرب نفسها قد تكون الكلمة المفتاحية لفهم ما تغير في إيران. على الأغلب، فإن نظام «الثورة الإسلامية» بالشكل الذي كانت عليه أيام الخميني وخامنئي، تَفَرّقَ دون أن ينفرط إلى جمهورية تنظيمات خيطية. يقول السياسي العراقي إن «إيران اليوم لا تحتاج إلى مرشد، بل إلى قادة علميات يتصرفون كمسؤولي خلايا سرية، مهمتهم الوحيدة هي البقاء».

إيرانية تمر أمام جدارية تحمل صورة المرشد علي خامنئي في شارع آزادي بطهران 29 يوليو 2026 (أ.ب)

كان وزير الخارجية عباس عراقجي وصف استراتيجية إيران خلال الحرب الأخيرة بـ«الدفاع اللامركزي»، في محاولة للقول إنها انتقلت من التركيز على حماية القيادات العليا إلى ضمان البقاء خلال الحرب. يبدو أن ذلك يجري عبر تعددية قتالية يصعب السيطرة عليها أو رصدها بسهولة.

ليس هناك دليل على أن خامنئي الأب كان قد وضع خطة لهذا الانشطار التنظيمي، لكن النتيجة واحدة، إيران اليوم «الدولة والثورة».

يظهر دوماً انعكاس إيراني في بغداد، هذه المرة انعكاس لحالة الانشطار. في مارس 2016، كانت الحكومة العراقية تفاوض فصيلاً من أجل هدنة قصيرة تستغرق يومين. كان الأميركيون قد حصلوا على وعد بوقف الهجمات على سفارتهم في بغداد، لكن المسيرات الملغمة واصلت ضرب منشأتهم.

تقول المصادر إن الاتصالات بين المسؤولين الأميركيين والعراقيين لم تكن ودية حينها، «بسبب إخفاق الحكومة في إبرام اتفاق مع فصيل». ونقلت مصادر موثوقة أن «ضابطاً في (الحرس الثوري) يعمل في العراق لم يرد على استفسارات مسؤول عراقي كبير بشأن: لماذا تواصل الهجوم رغم الاتفاق».

«مركز واحد وخيوط»

من هذه الزاوية الحادة يمكن ملاحظة ما تغير فعلاً. في عهد خامنئي كانت إيران تضم مؤسسات ومراكز قوة متعددة، وكان «الحرس الثوري» أحد أبرزها، لكن وجود مرشد ذي خبرة بمواصفات الأب أتاح له درجة عالية من المركزية في إدارة هذه المؤسسات وفي حسم الخلافات بينها.

بعد غيابه، يقول المدن: «يبدو أن عملية صنع القرار أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التفاعل بين مكتب المرشد، والمجلس الأعلى للأمن القومي، والقيادات العسكرية والأمنية، و(الحرس الثوري)، إلى جانب مؤسسات الدولة الأخرى».

يميل علي المدن إلى أن «الانتقال في إيران نسبي من مركزية شخصية عالية الحضور إلى مركزية مؤسسية أكثر تركيباً، ازدادت داخلها أهمية المؤسسات الأمنية والعسكرية بحكم الحرب والظروف التي جرت فيها عملية الخلافة».

إيرانية تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي خلال مراسم الأربعين في طهران (أ.ب)

بالفعل، تحول «الحرس الثوري» مثلاً إلى أسلوب «القطع» المنفصلة، بقيادات محلية وإقليمية تتمتع بقدر من الاستقلال العملياتي، كما لو أن «القائد الأعلى» مقتول على الدوام.

بات السؤال في إيران اليوم، وفق علي المدن، ليس من يحكم إيران؟ بل كيف يتوزع صنع القرار بعد اختفاء الشخصية التي كانت تمسك جمع الخيوط في مركز واحد؟ إنها «مرحلة إعادة تعريف العلاقة بين مؤسسة القيادة ومراكز القوة، في طور تشكل لم تكتمل فصولها بعد».

لا يخفي الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان القلق من «إيران الخلايا». قال أخيراً إنه «لن يُسمح لمجموعة أن تأخذ إيران إلى شيء ما»، وصحيح أن طيفاً واسعاً من المحللين يصنفون مثل هذه التصريحات على أنها تكتيك إيراني لخلق سردية «الشرطي الجيد والشرطي الشرير»، لكن الوقائع الميدانية مرتبطة بأن إيران تتحرك كأجزاء منفصلة.

هل تستمر إيران على هذا النحو الشبكي، حيث تستطيع أن تعمل بالغموض، بلا رأس مركزي واضح قد يؤدي فقدانه في نصف ساعة إلى شل النظام بالكامل؟ ثمة إجابات مختلفة رائجة في الأوساط المهتمة، لكن ما هو أكثر أهمية اليوم يتعلق بقدرة النظام في طهران على التحكم بإيقاع «القطع» المنفصلة، وما إذا أصبح استقلالها داخل المنظومة مفرطاً ومخيفاً أكثر من الاستهداف الخارجي، أكثر مما كان خامنئي الأب ليحتمل ويتحمل.


نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
TT

نصر الله... الأسطورة التي دُفنت مع صاحبها

كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)
كشافة المهدي يرفعون صور أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

«تخيلي لو أنه لم يمت»، يقول محدِّثي عبر الهاتف من بيروت وهو على معرفة وثيقة بـ«حزب الله» وعلى تماسٍّ يومي بمجتمعه الأوسع.

يطرح سؤالاً افتراضياً: ماذا لو نجا حسن نصر الله، وكان عليه أن يقود المواجهة؟

لا يقصد مواجهة عسكرية مع إسرائيل. «فذلك ما يفعله الحزب وهي ملعبه»، بل «مواجهة نفسه وجمهوره وبيئته بهذه النكبة التي استجلبها لهم».

هل كان سيوقّع اتفاق وقف إطلاق النار؟ هل كان سيوافق على المفاوضات أم سيعارضها كما يفعل اليوم خليفته؟ هل كان يستطيع العودة إلى «لو كنت أعلم»، التي استخدمها بعد «حرب تموز 2006»؟

سيل من الأسئلة التي لن تجد إجابة لها و«فراغ هائل بحجم الحفرة التي ابتلعته ورفاقه في الضاحية الجنوبية» يقول مصدر آخر جنوبي واكب كل الحروب الإسرائيلية على لبنان وخسر أهلاً ورفاقاً ومنازل ويقف على نقيض سياسي من «حزب الله». ويتابع: «مرت سنتان ولا تزال البيئة والمحيط في حالة صدمة ونكران تام... حالة هذيان جماعي. كأن الناس لم يفقدوا قائداً عسكرياً أو زعيماً دينياً، بل خسروا من يمنحهم رواية عن أحوالهم».

ثمة إجماع حول قدرة نصر الله على «مسرحة» الحرب وخسائرها وتحويل أثمانها للمنكوبين والمكلومين والثكلى إلى لحظة ملحمية من النشوة والانتصار، ويبدو أن ذلك أكثر ما يفتقده محازبوه وجمهوره اليوم. فكأن انخراطهم في حرب الإسناد ودفعهم أثمانها، يبقى تفصيلاً مقابل غياب من يملي عليهم سيرتها الحسنة.

مصاب في تفجيرات «بيجر» يحمل هاتفاً عليه صورة أمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله خلال الذكرى السنوية الثانية لاغتياله (أ.ف.ب)

وذلك الفراغ الخطابي ليس مردّه فقط كون أمين عام «حزب الله» الحالي نعيم قاسم، يفتقر لملكته، بل لأن نصر الله نفسه بدأ يخسر حيّزه العام وصورته ومشهديته قبل اغتياله بوقت غير قليل، وبهذا «جاءت لحظة الاغتيال إنقاذاً له من خسائر كثيرة واستحقاقات هائلة».

ويقول المصدر: «مات نصر الله فعلياً قبل لحظة اغتياله... مات مع عملية البيجر وسلسلة الاغتيالات التي توالت. مات حين فقد قدرته على التعبئة والتبرير وحين عجز عن تقديم رواية للناس، وحين لم يعد أحد يكترث بخطاباته وينتظرها كما في السابق».

هنا يضع المصدر يده على وظيفة هي برأيه أهم من الموقع التنظيمي الحزبي الذي شغله نصر الله؛ فهو «لم يكن رجل تكتيك عسكري، ولا رجل دين بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما كان (رجل تعبئة) منح الحزب قوة تتمتع بها الدول وليس الأحزاب أو التنظيمات المسلحة».

ومعلوم أن هذا الحضور الطاغي لا يولد في لحظة.

«كأنه لم يكن»

سوسيولوجي وكاتب يرصد تحولات الحزب وبيئته الاجتماعية يتذكر نصر الله بين عامي 2000 و2006، ويصفه بأنه كان أقرب إلى «الناشط الحزبي»، قبل أن يبني تدريجياً حضوراً تكرس، في رأيه، مع اغتيال رفيق الحريري، حين أصبح لكلامه وزن إقليمي.

فمنذ التحرير عام 2000، ونصر الله يرعى هذه الهالة و«اشتغل عليها شغلاً حثيثاً»، مستنداً إلى آلة إعلامية كاملة للحزب لتكريس صورة «أقرب إلى الأسطورة وأنصاف الآلهة، مبرراً بذلك استمرارية حمل السلاح».

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في الذكرى السنوية الثانية لاغتيال أمينيه العامين السابقين حسن نصر الله وهاشم صفي الدين (د.ب.أ)

وحتى أمس قريب كانت إطلالاته التلفزيونية أشبه بـ«سهرات أم كلثوم. تفرغ الشوارع ويتسمر الناس أمام الشاشات ويطربون لما يسمعون».

وللمفارقة لم يكن المستمعون أعضاء في «حزب الله»، ولا حتى جميعهم جزءاً من بيئته المباشرة. كان نصر الله، في مراحل مختلفة، حدثاً عاماً: «يستمع إليه المؤيد، والخصم، ودول الجوار، وكل من ينتظر معرفة ما سيحدث في اليوم التالي».

أما اليوم، بعد سنتين، «فكأنه لم يكن».

سيدة جنوبية تنتمي إلى إحدى العائلات ذات الثقل الاجتماعي والديني توجهت إلى صور والنبطية قبل يوم واحد من إحياء ذكرى السنتين، تقول: «لم أرَ صوره في الشوارع أو على الأبنية كما جرت العادة. ولولا أن لمحت صورة صغيرة وجانبية له في دكان صغير لما تنبّهت أصلاً إلى غيابه التام عن المشهد العام».

وتضيف: «حتى في الجلسات الضيقة، ما عاد أحد يتحدث عنه، وبدا لي ذلك أكثر غرابةً أنه تزامن مع توقيت الذكرى... قد يبدو لوهلة أن ثمة عدم اكتراث به، لكنني أعتقد أنه أصبح ذلك الغائب (المسكوت عنه). إنه اليوم (التابو) الشيعي بامتياز».

وحسب السيدة، وهي القريبة من بيئة الحزب وتحظى بثقة داخل مجتمعه الضيق، من دون أن تكون جزءاً منه يبدو أنه «لم يعد من محبين لـ(السيد) من خارج نواة المحازبين الصلبة ومن هم على لائحة الرواتب الحزبية».

فحتى جمهوره العريض السابق لم يذهب إلى دور العزاء وهي «طقس محوري بالنسبة للشيعة».

مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلام الحزب وصور أمينه العام السابق حسن نصر الله في الذكرى الثانية لاغتياله (د.ب.أ)

لم يبق إلا «الحرس»

يعيدني محدّثي الجنوبي إلى إرث نصر الله ليقول إنه «لم يبقَ من يرثه... حتى (حزب الله) كما نعرفه مات بموته».

ولشرح وجهة النظر تلك، يفنّدها صاحبها بالقول «في السياسة، تسبب نصر الله بإحراجٍ سياسيٍّ غير مسبوق لأقرب حلفائه، لجهة إعلانه حرب الإسناد بعدما تعهد شخصياً لرئيس مجل النواب نبيه برّي بعكس ذلك. ثم بعد إطلاق الصواريخ الستة، أجرى بري اتصالاته وحاول إقناع الحزب بعدم إصدار بيان يتبنى فيه الصواريخ، وأخذ تعهداً صريحاً آخر لم يعش سويعات حتى تم نقضه أيضاً».

وحتى 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لعب نصر الله دوراً إقليمياً مع هامش مناورة مريح نسبياً فكان «الوسيط الأمين بين إيران ولبنان؛ حكومةً وطوائف وشعباً ومؤسسات، وأدى أدواراً في العلاقة مع المحيط والخارج، مُعفياً طهران من كثير من المواجهات المباشرة مع دول الجوار؛ فيمرر القرارات ويتلقى الصدمات عوضاً عنها».

لكن ذلك، يقول المصدر، بدأ يتغير تدريجياً بعد «7 أكتوبر»، ثم جذرياً بعد مقتل نصر الله، بحيث «لم يبقَ اليوم إلا (الحرس الثوري). فقط لا غير. (الحرس) يتحكم مباشرةً بكل مفاصل الحزب؛ قيادةً ومقاتلين واستراتيجياً. ونعيم قاسم غير قادر على لعب دور الوسيط أو المرسال».

مشهد من الذكرى الثانية لاغتيال أمين عام حزب الله السابق حسن نصر الله في ضاحية بيروت الجنوبية (رويترز)

أما بالنسبة إلى الهيكلية الحزبية، يتابع المصدر: «فإن حسن نصر الله هو آخر العمامات السوداء في الأمانة العامة. نعيم قاسم صاحب عمامة بيضاء وفي ذلك تراتبية دينية مختلفة، أما نائبه (المتداول) فهو محمد رعد. نائب في البرلمان وليس حتى رجل دين».

وإذا لم نحتسب مَن كان مرشحاً للأمانة العامة قبل قاسم وتم استبعاده (أو هو أبعد نفسه على ما يقول البعض)، أي إبراهيم السيد أمين، وكان الأقرب للمنصب بعد هاشم صفي الدين، فقد يذهب التفكير إلى ابن نصر الله محمد مهدي. رجل دين شاب ومعمم، وكادر حزبي فاعل.

«لكنه لم يؤهَّل لذلك الدور ولم ينضج بعد» على ما يتفق أكثر من مصدر.

أبناء نصر الله... محنة التركة

يشرح أحد المصادر: «بعد مقتله ومن حوله، نتبين أهمية الروابط العائلية في دائرة الثقة التي أحاط نفسه بها والتي تبين أن قيادة الحزب تقوم عليها». وحسب المصدر، فإن «ما نسفه نصر الله في اختياره البقاء في موقعه محاطاً بهؤلاء القادة المقربين منه، وانتظاره الموت الذي كان قادماً إليه لا محالة، هو نسيج العائلة والعشيرة والحزب معاً، وهو ما يصعب، إن لم يكن مستحيلاً، ترميمه».

واللافت أنه في ذلك كله، لم يشمل أبناءه ولم يعمل على تحضير أحدهم لوراثته.

وحسب الكاتب السوسيولوجي، فإن «قادة تاريخيين بهذا الحجم لا يفكرون في التوريث، ربما لنرجسيةٍ ما فيهم، مما يترك الأبناء متخبطين في هويتهم وفي إدارة ثقل التركة على كاهلهم».

والأبناء، وتحديداً جواد ومحمد مهدي اللذان كثّفا من حضورهما في الفترة الأخيرة «ظاهرة تستحق التوقف لا سيما مع محاولة كل منهما أنسنة الأب ومحاكاة صورته... لكن حقيقةً دون كثير جدوى».

وبمتابعة دقيقة لمواقع التواصل الاجتماعي التي يتوسّلها الشابان مؤخراً، ثمة جهد حثيث لديهما باقتباس سلوكيات الأب من تقليد حركة يده، أو طريقة كلامه، إلى شيء من توزيع أدوار، كأن يحاكي الأول قاعدة دينية بعمامته، ويستعين الآخر بغيفارا وتحرر الشعوب حيناً ثم الشهداء والأبرار ويقينه بعودة والده معهم حيناً آخر.

الطفل علي عبّاس (14 عاماً) الذي خسر عينه وأصيب بتشوهات في تفجيرات «بيجر» التي نفذتها إسرائيل في سبتمبر 2024 وهو لا يزال يحاول التعافي (رويترز)

«سحر العيون»... مجرد فقاعة

اليوم، وعوضاً عن البناء على تلك «الأسطورة»، «هزلت رواية نصر الله... وباتت في مهب الريح» يقول أحد المصادر. ويتابع: «بعد سنتين على موته، يكفي أن ننظر إلى الاستسهال في التصرف بسيرته من دائرته المباشرة لندرك أنه ليس هناك مِن قيِّم على هذا الإرث... كل تلك السرديات عن الكاريزما القيادية والشخصية الحاضرة وسحر العيون (التشبيه الشائع عن نصر الله والمستمد من وصف عبد الناصر)، كلها تلاشت فجأة. كأنها كانت مجرد فقاعة. فيكفي أن يزعم سياسي هامشي على شاشات التلفزة أنه كان يجالسه نحو 7 ساعات! أيُّ مبالغة تلك؟ أو مثلاً ابنه (مهدي) الذي راح يتحدث كيف يحضّر له الفطور، أو الفيديو الذي ظهر له وهو يتجول في السيارة في الضاحية ولا نعرف له سياقاً أو تاريخاً أو مصدراً. هل هو الإعلام الحزبي؟ تلفزيون المنار؟ مَن قرَّر أن هذه القصص يجب أن تخرج اليوم إلى العلن؟».

فقدان الصوت والصورة

مزيد من الأسئلة التي تصب كلها في إطار استباحة الرواية التي كان نصر الله يحتكرها. روايته عن نفسه وعن حزبه، ويضبط إيقاعها عبر آلة إعلامية ملتزمة لا تخرج عن سياق ما يمليه عليها.

فهل لهذا كان شعار الذكرى «على العهد باقون»؟ وهل لهذا أطلق قاسم مؤسسة لحفظ ونشر تراث نصر الله؟

فتاة من كشافة المهدي تحمل صورة أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله وقريبه هاشم صفي الدين الذي كان مرشحاً لخلافته في الذكرى الثانية لاغتيالهما (أ.ب)

لعل هدف هؤلاء كان «أنسنة» الرجل وجعله شخصاً في المتناول لإيصال رسالة للحاضنة الشعبية الثكلى، أنه مثلهم وبينهم رغم الغياب.

لكن عملياً، النتيجة جاءت عكسية تماماً.

«الفراغ الذي بحجم الحفرة» وأزمة القيادة يقرأها السوسيولوجي من زاوية الكتلة البشرية التي كانت حاضرة بقوة، وأصبحت «غامضة ومغلقة أكثر من أي وقت مضى»، و«مجهولة تماماً لغير أبنائها المقربين».

ويقول: «كأن الشيعة كلهم انكفأوا وتركوا فراغاً في مفاصل الحياة اليومية، في علاقتهم بالأحزاب الأخرى والطوائف والمجال اللبناني الأوسع». وباستثناء القلة التي تظهر على وسائل التواصل الاجتماعي وتستبسل في الدفاع عن حرب الإسناد، تبدو له الكتلة الاجتماعية التي كان نصر الله صوتها، أقل ظهوراً وحضوراً.

ويقول: «كأنهم بفقدان نصر الله فقدوا الصوت والصورة».

لكن ما يبدو من الخارج ضمور يتكشف في دوائر الثقة الضيقة عن محنة أخرى.

صاحب دكان في بيروت يجلس خارجاً بينما يبث التلفزيون إحدى خطب أمين عام حزب الله السابق حسن نصرالله (أ.ب)

هل «الإيواء» قادم لا محالة؟

تقول السيدة الجنوبية إن «فراغ القيادة الحزبية يبدو اليوم ترفاً مقابل فراغ محركات الحياة اليومية للجنوبيين». وتتابع: «كأن (أمل) ورثت الشارع والمشهد في صور تحديداً عوضاً عن الحزب، وما كان يشكله الحزبيون من رادع للحركيين، ما عاد اليوم موجوداً، فأصبح هؤلاء سلطة أمر واقع يتحكمون بكل شيء... وفي ذلك مرار كثير».

واليوم يريد كثير من الجنوبين تصديق كلام أمينهم العام الجديد بأن «الإيواء» قادم لا محالة، وأن إيران لن تتخلى عنهم وعن دعمعهم بالمال والسلاح والنفوذ، لكنهم يصمتون عن أن المال لن يأتي وأن مجرد استخدام كلمة إيواء بدل «سكن لائق وفرش لائق» التي وعدهم بها نصر الله بعد «حرب تموز 2006»، يقول الكثير عن أحوالهم.

مواطن لبناني من سكان الضاحية يجلس على أنقاض منزله الذي دمّر بالقصف الإسرائيلي الذي استهدف مقرّ الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله في حارة حريك في بيروت في سبتمبر 2024 (أ.ف.ب)

وبين المكابرة والحداد العميق الذي يقاسيه مجتمع الحزب، يبقى أن أكبر صدمة «هي فقدان السلطة و(فائض القوة) الذي تمتعوا به لأكثر من عقدين وأشهروه سلاحاً يومياً في وجه بقية اللبنانيين... لذلك يبدو أن عقدهم الاجتماعي اليوم يقوم على مداواة ذلك الجرح النرجسي بأن يصبّوا جام غضبهم على العملاء».

كأن الحديث المفرط عن الخونة والعملاء يعوّضهم عن ذلك الصمت المطبق عن كل ما عداهم. وهؤلاء بحسبهم هم اللبنانيون، كل اللبنانيين من خارجهم، وكل من لم يساندهم في إسنادهم... فتراهم يستشيطون غضباً في ذكرهم ويستعينون على الشقاء بمزيد من الشتم والوعيد.