بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

لعب دورًا كبيرًا في صفقة «النووي» الإيراني والتفاوض بشأن استئناف العلاقات الأميركية ـ الكوبية * تقاربه في التفكير مع الرئيس جعل منه صاحب نفوذ هائل

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
TT

بن رودس.. الأديب الذي بات أهم صانع للسياسة الخارجية لأوباما

بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})
بن رودس مع جوش إرنست السكرتير الإعلامي للبيت الأبيض يستمعان إلى الرئيس أوباما ({نيويورك تايمز})

تخيله كرجل شاب، يقف بمواجهة الشاطئ في شمال ويليامسبرغ، عند مركز اقتراع في 11 سبتمبر (أيلول) 2001، الذي كان يصادف يوم الانتخابات في مدينة نيويورك. رأى الطائرات تصطدم بالأبراج، وهي لحظة لا تُنسى من عدم التصديق، المتبوع بالهلع والصدمة، والرعب الدائم، ومشهد ذكره بشكل مخيف، في أعقاب الهجوم، بغلاف رواية دون ديليلو: «العالم السفلي».
تغير كل شيء منذ ذلك اليوم. لكن الطريقة التي غير بها ذلك اليوم حياة بن رودس ما زالت فريدة، وربما غير قابلة للتصديق كشيء من الخيال. كان في عامه الثاني من أطروحته لنيل درجة الماجستير في الآداب في جامعة نيويورك، يسكن الأدوار الأرضية، ويكتب القصص القصيرة عن الخاسرين، ويتخيل أن نشر أعماله قريبا في المجلات الأدبية، وأن يكون له وكيل أعمال ويصدر عملا روائيا عندما يصل عامه الـ26، رأى أول برج يسقط، وبعد ذلك ركض نحو سيدة يعرفها، وعادا إلى شقتها المشتركة في ويليامسبرغ وحاولا العثور على جهاز تلفزيون يعمل، وعندما عادا إلى الخارج، كان الجميع يتحدث عن صور البرجين اللذين تتصاعد منهما ألسنة اللهب. رأى رجلا عربيا يبكي داخل محطة لقطار الأنفاق. يقول: «لقد ظلت هذه الصورة ترافقني على الدوام. لأنني كنت أعتقد أنه كان يعرف أكثر مما نعرفه عما يحدث». وفجأة باتت فكرة كتابته أعمالا تحاكي فريدريك بارثيليم مضيعة للوقت.
أوضح: «تكونت لدي سريعا هذه الفكرة عن أنني ربما أريد أن أكتب عن الشؤون الدولية. وبشكل رجعي، لم تكن لدي أي فكرة عما يعنيه هذا». كانت صديقة مقربة لوالدته منذ أيام الطفولة تدير مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، التي كانت تنشر آنذاك موضوعات تتعلق بالسياسة الخارجية. أرسل إليها برسالة وتضمنت ما صار أول عمل أدبي منشور له، وهي قصة قصيرة ظهرت في «مجلة بلويت الأدبية». كانت بعنوان «السمكة الذهبية تضحك وأنت تضحك لها». يقول إن القصة ما زالت تطارده، لأنها «تنبأت بحياتي بالكامل».
إنه يوم خطاب الرئيس باراك أوباما الأخير عن حالة الاتحاد، في 12 يناير (كانون الثاني)، ولم تكن الأخبار الواردة من داخل البيت الأبيض تبشر بخير. ولحسن الحظ، فإن الصحافيين الجالسين في غرفة الانتظار بالجناح الغربي لم يكونوا قد عرفوا بشأن هذه الأخبار بعد. كانت الخلاصة هنا في هذا الغداء الودي الخاص في وقت مبكر من المساء مع الرئيس الذي سيراجع كلمته السنوية إلى الكونغرس على وجبة يقال إنها ستكون من أفضل ما في جعبة طاهي البيت الأبيض.
ينادي رجل قائلا: «بليتزر!». يستدير رجل يرتدي معطفا طويلا، في دهشة ساخرة.
يرد وولف بليتزر، مذيع «سي إن إن»: «لا تكتب، لا تناد».
يرد زميله السابق رولاند مارتن: «حسنا يمكنك أن تنادي». تنتهي محادثتهما القصيرة، ثم ينتقلان لموضوع الزحام المروي في واشنطن. يقول مارتن: «اعتدت على الوصول إلى سي إن إن عند الساعة 9:30، كان المكتب يبعد 8.2 ميل عن منزلي. كان يستغرق مني 45 دقيقة للوصول». ويحكي سكوت بيلي، مذيع الأخبار في «سي بي إس» حكاية عن كيف أن الصحافيين دمروا الأرضية العشبية خلال فضيحة مونيكا لوينسكي وقيل لهم إنه سيتم السماح لهم بالعودة بمجرد إصلاح العشب. أعادت هيئة الحدائق الوطنية زراعة العشب خارج البيت الأبيض، لكن لم يتم السماح بعودة الصحافيين للمنطقة العشبية.
من دون أن ينته إليه المراسلون، يمشي بين رودس خلال القاعة، خطوة خطوة وراء سيدة ترتدي حذاء بلون فراء النمر. يمسك بهاتف قرب أذنه، ويردد لازمته: «أنا لست شخصا مهما، أنت ذلك الشخص المهم».
يبلغ الولد المعجزة في بيت أوباما الأبيض من العمر 38 عاما الآن. يتجه إلى الطابق الأسفل نحو مكتبه الذي من دون نوافذ في الطابق الأرضي، والمقسم إلى جزأين. في المكتب الأمامي، تجلس مساعدته رومانا أحمد ونائبه نيد برايس، الغارقان وراء مكتبيهما الواقعين في مواجهة شاشة تلفزيونية ضخمة، مضبوطة باستمرار على قناة «سي إن إن». تزين صور كبيرة لأوباما الجدران. هنا يعدل الرئيس رابطة عنق رودس؛ ويهدي ابنته الصغيرة المحببة إيلا، زهرة؛ ويبتسم ابتسامة عريضة بينما يلعب مع إيلا على بساط عملاق يحمل العبارة: «من بين الكثيرين، واحد».
على مدار الكثير من الأسابيع الخمسة الماضية، كان رودس ينقل ما يشعر به الرئيس إلى ما تم تخيله كخطاب حالة اتحاد مغلف بالتفاؤل وبعد النظر. الآن، من هذه الشاشات المسطحة، يبرز تحد للخطاب: استولت إيران على زورقين صغيرين يحملان 10 بحارة أميركيين. عرف رودس بأمر التحرك الإيراني في وقت سابق من ذلك الصباح، لكنه كان يحاول التغطية عليه حتى ينتهي الرئيس من خطابه. يقول رودس: «إنهم لا يستطيعون الحفاظ على سر لساعتين».
باعتباره نائب مستشار الأمن القومي للاتصالات الاستراتيجية، يكتب رودس خطابات الرئيس، ويضع خطط رحلاته الخارجية ويدير استراتيجية الاتصالات عبر البيت الأبيض، وكل منها في حد ذاته تعد مهام تعطي إحساسا بأهمية دوره.
وهو بحسب إجماع أكثر من عشرين من موظفي البيت الأبيض السابقين والحاليين الذين تحدثت إليهم، أهم صوت مؤثر في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، بخلاف رئيس الولايات المتحدة نفسه. يتواصل الرئيس ورودس «بانتظام عدة مرات في اليوم»، وفقا لـدينيس ماكدونو، رئيس موظفي البيت الأبيض، المعروف عنه أنه يدير البيت الأبيض بطريقة منظمة. ويقول ماكدونو: «أرى هذا شخصيا على مدار اليوم»، مضيفا أنه متأكد من أنه بالإضافة إلى الساعتين إلى 3 ساعات التي ربما يقضيها رودس مع الرئيس، فإن الرجلين يتواصلان عن بعد على مدار اليوم عن طريق البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية. وضع رودس استراتيجية حملة التواصل بشأن الاتفاق مع إيران، وأدارها بنجاح، وساهم في التفاوض على بدء علاقات أميركا مع كوبا بعد توقف دام لأكثر من 50 عاما، وكان مشاركا في كتابة كل خطابات أوباما الكبرى حول السياسة الخارجية.
قال لي تيري سوبلات، وهو أطول من عمل ضمن فريق كتابة الخطابات في مجلس الأمن القومي: «يقوم (رودس) بـ12 مهمة كل يوم، وهو يقوم بها جميعا أفضل من الأشخاص الموكلين بهذه المهمات بالأساس». وفي كل القضايا، الكبرى والصغرى، يكون الصوت الذي تتحدث به أميركا إلى العالم، وهو صوت بين رودس.
وشأن أوباما، فإن رودس قاص يستخدم أدوات الكاتب لتعزيز أجندة مغلفة بشكل سياسي لكنها شخصية للغاية في كثير من الأحيان. وهو متمرس على بناء حبكة شاملة تشمل الأبطال والأوغاد، الذين يدعم صراعاتهم ودوافعهم بمجموعة من الصفات والاقتباسات والتسريبات المنتقاة بعناية، من مسؤولين كبار، سواء بذكر أسمائهم أو حجبها.
ومن بين ما يستند عليه نفوذ رودس هو «التقارب في التفكير» مع الرئيس. استخدم تقريبا كل من تحدثت إليهم عبارة «التقارب الفكري» حرفيا، حيث كان بعضهم يستخدمها بثقة عفوية، فيما كان بعضهم الآخر يقولها بنبرة مكتومة عادة ما تنم عن رؤى خاصة.
هو لا يفكر للرئيس، لكنه يعرف ما يفكر فيه الرئيس، وهو مصدر نفوذ هائل. في يوم من الأيام، عندما كنت أنا ورودس جالسين في غرفة اجتماعاته، اعترف بقدر من الحيرة: «لم أعد أعرف من أين أبدأ وأين ينتهي أوباما».
أثناء وقوفه أمام مكتبه قبل خطاب حالة الاتحاد، يحسب رودس سريعا الحسابات السياسية للخبر العاجل عن التحرك الإيراني. يقول متوقعا وهو ينظر إلى شاشة التلفزيون: «الآن سيعرضون صورا مخيفة لأشخاص يتوسلون إلى المرشد الأعلى». وبعد برهة يقوده تفكيره إلى رواية لوقف النزيف السياسي بسبب هذا الخبر. يلتفت إلى نائبه، برايس ويقول: «نحن نعمل على التوصل لحل لهذه المسألة، لأن لدينا علاقات».
عندما أشاهد رودس وهو يعمل، أتذكر أنه لا يزال روائيا بالأساس، إذ يستخدم مجموعة جديدة من الأدوات - إلى جانب فنون الحكاية والحبكة التقليدية - لخلق قصص عن العواقب الرائعة بأوسع نطاق يمكن تخيله. السياق الذي يرسم معالمه، أصوات المسؤولين الكبار، وكتاب الرأي، والمراسلين الذين يشكل عملهم ويتحكم بأصواتهم بمهارة، وحتى خطابات الرئيس ونقاط الحديث، هي مجرد نقاط ملونة في رؤية أوسع بكثير عن من هم الأميركيون والمسار الذين نتجه إليه، وكل ذلك أمر عمل رودس والرئيس على صياغته معا على مدار السنوات الـ7 الماضية.
عندما سألت جون فافرو، كاتب خطابات أوباما الأول في حملة 2008، وهو صديق مقرب لـرودس، عما إذا كان هو أو رودس أو الرئيس، قد فكروا في خطاباتهم الفردية، واتخاذهم للقراءات، كجزء من عملية أكبر لإعادة هيكلة الخطاب الأميركي، أجاب: «كنا نرى هذا باعتباره مهمتنا الكاملة».
كان من النادر أن تجد اسم بين رودس في القصص الإخبارية عن الأحداث الكبرى في السنوات الـ7 الماضية، ما لم تكن تبحث عن تصريح منقول عن مسؤول كبير لم يتم ذكر اسمه، في الفقرة رقم 9، هو غير مرئي لأنه ليس من نوع الشخص المحب لذاته، ولأنه يكرس نفسه من أجل الرئيس. لكن ما إن تصبح معتادا على الصفات المميزة لصوت رودس - المغلف دائما باحتقار عدائي لأي شخص وأي شيء يقف في طريق الرئيس - حتى تستطيع أن تسمع صوته في كل مكان.
والد ووالدة رودس ليسا مهتمين بالحديث عن ابنهما. وكذلك شقيقه الأكبر، ديفيد، الذي يرأس «سي بي سي نيوز»، وهي مؤسسة إعلامية أحيت مؤخرا جهود الكشف عن محتوى الصفحات الـ28 المنقحة من تقرير 11 سبتمبر (أيلول) غداة زيارة أوباما إلى المملكة العربية السعودية، التي رافق رودس الرئيس خلالها، كالمعتاد.
تربط الشقيقين علاقة وثيقة، لكن في كثير من الأحيان تمر شهور من دون أن يقابلا بعضهما البعض. يقول رودس عن شقيقه الذي عمل في «فوكس نيوز» و«بلومبيرغ» قبل الانتقال إلى «سي بي سي»: «كان من نوع الولد الحريص على دراسته. أما أنا فلم أكن متفوقا بهذه الدرجة في المدرسة العليا، لأنني كنت أشرب وأدخن وأخرج في الحديقة المركزية».
ينبغ مزاج رودس المتقد، وإن كان كئيبا، الذي استشعرته من تصريحاته الشاردة ومن غرابة قراره بأن يسمح لي بالتجول في البيت الأبيض، ينبع جزئيا من إحساسه بأنه مثقل بالضغوط؛ فهو يتمنى لو كان لديه وقت أكبر للتفكير والكتابة. والدته يهودية من ضاحية «أبر إيست سايد»، وتعشق الروائي الأميركي جون أبدايك، وتقرأ صحيفة «ذا نيويوركر».
أما والده فهو محام من تكساس، كان يعتاد اصطحاب والديه إلى كنيسة سانت توماس الأسقفية مرة كل شهر، حيث كان رودس يشعر كطفل يهودي في كنيسة، وهو نفس شعوره، عندما كان يحس بأنه «مسيحي يهودي» في عيد الفصح.
تصلح القصة التي نشرها رودس في مجلة «بيلويت الخيالية» أن تكون مبتدأ جيدا ننطلق منه.
فلقد كانت فكرة رواية السمكة الذهبية، كما قيل لي، هي فكرة السيدة ويلبيرغ.
«لماذا؟»، كما سألت. لأنها ذات شعر أشقر، ونحيفة، وصغيرة، وجذابة.
وكان المحرر في دورية السياسة الخارجية الذي قرأ رواية السمكة الذهبية، التي أرفقها رودس بخطابه للاستعلام، قال إن الموظف الصغير في وزارة الخارجية سوف يصاب بالملل من التدقيق في الحقائق. بدلا من ذلك، فإنه اقترح أن يتقدم لطلب الوظيفة لدى لي هاميلتون، عضو الكونغرس لمرة واحدة عن ولاية إنديانا، والذي كان يبحث عن موظف لكتابة الخطابات الرسمية.
يتذكر هاميلتون الأمر فيقول: «لقد فوجئت تماما. لأي شيء جاءني ذلك الشاب الذي يهتم بكتابة الروايات الخيالية؟» ولكنه دائما ما كان يجد فائدة ما في المؤلفين والكتاب، وكانت عينة رودس من الكتابة أفضل العينات في ذلك الاختبار. ومن ثم منحه الوظيفة في مركز ويلسون، وهي مؤسسة بحثية غير حزبية. ورغم أن رودس لم ينبس ببنت شفة خلال الاجتماعات، كما يقول هاميلتون، فإنه كان لديه فهم عميق لما يجري حوله، والموهبة الكافية لوضع مواقف المشاركين الحالية على الورق. وأوضح هاميلتون الأمر بقوله «سرعان ما أدركت أنها من أهم الصفات قاطبة في الموظف، وهي أن يحضر الاجتماع ويصل بمفرده إلى نفس القرارات التي يصل إليها الجميع». وأشرت إلى أن عبارة «يقرر ما قرره الجميع» تحمل قدرا هائلا من القوة التي يمكن أن تتحقق لشخص يملك مواهب رودس. ولقد أومأ هاميلتون موافقا إذ قال: «بكل تأكيد».
خدم رودس كموظف لدى هاميلتون في لجنة هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، وهناك التقى مع دنيس ماكدونو، وهو من موظفي هاميلتون الآخرين، والذي انتقل للعمل لدى توم داشل في مجلس الشيوخ. ثم أصبح رودس بعد ذلك كبير مدوني الملاحظات لمجموعة الدراسات العراقية، وهي اللجنة المؤلفة من الحزبين الكبيرين والتي انتقدت حرب جورج بوش المعلنة في العراق. ولقد ترافق مع هاميلتون ونظيره الجمهوري في المجموعة، وزير الخارجية الأسبق والصديق المقرب من عائلة بوش، جيمس بيكر، إلى الاجتماعات مع كولن باول، وكوندوليزا رايس، وستيفن هادلي، وديفيد بترايوس، وغيرهم الكثير (ولقد التقى نائب الرئيس ديك تشيني غير أنه لم ينطق بكلمة). وفقا لكل من هاميلتون وإدوارد جرجيان، رجل بيكر الثاني في مجموعة الدراسات العراقية، ولقد كانت آراء رودس مهمة من زاوية صياغة استنتاجات المجموعة - وهي لائحة اتهام لاذعة بحق صناع السياسة المسؤولين عن غزو العراق. وبالنسبة إلى رودس، والذي كتب بنفسه أكثر محتويات تقرير مجموعة الدراسات العراقية، كانت حرب العراق دليلا بالأسود والأبيض، وليست تعقيدا للعلاقات الدولية أو ما يصاحب ذلك من الكثير من المخاطر على صناعة القرار السياسي ولكن من واقع حقيقة أن صناع القرار السياسي وقتئذ كانوا مجموعة من البلهاء.
وإحدى نتائج هذه التجربة أنه عندما انضم رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007، كان يعلم الكثير عن حرب العراق من المرشح الرئاسي نفسه، أو أي من مستشاريه. ولقد تكون لديه ازدراء صحي حيال مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك المحررين والمراسلين في صحيفة «نيويورك تايمز»، و«واشنطن بوست»، و«نيويوركر»، وغيرها من الصحف، التي أشادت في بادئ الأمر بالحرب على العراق ثم تحولت إلى إلحاق اللوم الكامل بالسيد بوش وفرقته المرحة من المحافظين الجدد عندما ساءت الأوضاع على الأرض لمستويات غير مسبوقة. وإذا كان هناك أي شيء، فلقد ازدادت حدة وشراسة هذا الغضب لدى رودس داخل البيت الأبيض. فلقد أشار إلى مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية باسم «الفقاعة». ووفقا إلى رودس، فإن تلك الفقاعة ضمت السيدة هيلاري كلينتون، وروبرت غيتس، وغيرهم من المروجين للحرب على العراق من كلا الحزبين الكبيرين، الذين يتألمون بأنين شديد على انهيار النظام الأمني الأميركي في أوروبا والشرق الأوسط.
شعر جون فافرو، كبير كتاب الخطب الرئاسية، بأنه قد يستخدم أحد خبراء الشؤون الخارجية والذي يمكنه كتابة الخطب الرئاسية. ويتذكر ذلك الأمر فيقول: «داوم مستشارو السياسة الخارجية على تغيير اللغة الرئاسية التي جعلت أوباما يبدو وكأنه ليس جزءا أصيلا من مؤسسة السياسة الخارجية الديمقراطية. وفكرة تعيين شخصية تحمل درجة الماجستير في أدب الروايات وشارك كذلك في صياغة تقرير الحرب على العراق وتقرير لجنة الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) كانت فكرة مثالية للمرشح الرئاسي الذي يضع الكثير من التركيز على رواية الأقاصيص على الجماهير». ووجد كاتبا الخطابات الشابان نفسيهما في وضع متزامن، «قد كان يجرد أغلب الناس في واشنطن من قيمة أفكارهم تماما»، كما يقول فافرو بإعجاب شديد حول رودس. وأضاف يقول: «أعتقد أنه دائما ما كان يعتبر الوقت الذي يقضيه هناك وقتا موجزا، ولن يعبأ إن لم يدعه أحد مرة أخرى إلى حفل استقبال رسمي، أو يطلب منه أحد الظهور في برنامج (جو الصباحي)، أو وضع اسمه على قائمة المشاهير في مجلس العلاقات الخارجية، أو أيا ما كان يفعلونه هناك».
وتتذكر سامانثا باور وصول رودس إلى حملة أوباما الانتخابية في عام 2007 حيث تقول: «كان يقلل من شأن الجميع بصورة ملحوظة». وهي نفسها كانت كاتبة، وحاز مؤلفها بعنوان «مشكلة من الجحيم» ويدور حول تاريخ الاستجابة الأميركية لعمليات الإبادة الجماعية، على جائزة بوليتزر الأدبية الأميركية، ثم انطلقت للعمل في مكتب مجلس الشيوخ للسيناتور أوباما في عام 2005، والسيدة باور الآن هي سفيرة الولايات المتحدة لدى منظمة الأمم المتحدة.
وفي وقت مبكر، ما الذي لفت انتباهها حول رودس كانت النزعة الاستراتيجية في شخصيته. وقالت عن ذلك: «كان يقود في هدوء وصمت، في البداية وبالأساس من خلال متابعة التغييرات، مثالا بما يمكن قبوله أو رفضه».
وفي أول يوم له في الجناح الغربي، يتذكر رودس التفكير في مدى صخر حجم الفضاء الفعلي، ولاحظ أن نفس الفئة من الأشخاص الذين عمل معهم في مقر الحملة الانتخابية في شيكاغو صاروا الآن يرتدون السترات الرسمية بدلا من سراويل الجينز. وغرقت ضخامة المساعي المبذولة في اليوم الأول من العمل، ثم أدرك أنه بالنسبة لكافة الأعمال التحضيرية هنا، لم يكن هناك دليل واحد يرشدك لكيفية أن تكون موظفا في طاقم الموظفين التابعين للرجل الذي يدير شؤون البلاد، ولا سيما في الوقت الذي كان الاقتصاد العالمي فيه على شفا السقوط الحر، وهناك 180 ألف جندي أميركي يقاتلون في العراق وأفغانستان. ثم أدرك أمرين مهمين في آن واحد: قيمة القضايا التي تواجه الرئيس، والاهتمام العالمي الكبير حتى بأدنى درجات الاتصالات الرئاسية الآسيوية.
وكانت الوظيفة التي تعاقد عليها هي مساعدة رئيس الولايات المتحدة على التواصل مع الجمهور، تتغير بأساليب مهمة على حد سواء، وذلك يرجع إلى تأثير التكنولوجيا الرقمية التي كان الناس في العاصمة واشنطن يبدأون في إدراكها والتعامل معها. وكان من الصعب على الكثيرين استيعاب الحجم الحقيقي للتغيير في عالم الأخبار - 40 في المائة من المحترفين في صناعة الصحف فقدوا وظائفهم خلال العشر سنوات الماضية - ويرجع ذلك في جزء منه إلى أن القراء يمكنهم استيعاب كافة الأخبار التي يريدونها من منصات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك»، والتي تبلغ قيمتها السوقية بعشرات بل ومئات البلايين من الدولارات ولا تدفع شيئا قط في مقابل المحتوى الذي توفره للقراء. عليك تغيير جلدك لتتمكن من المواصلة والمنافسة - حتى تكون في عالم الأخبار، أو الاعتماد بأسلوب الحياة أو الموت على المنتجات الإخبارية - ولتتفهم الأساليب الراديكالية والنوعية التي تتغير بها الكلمات التي تظهر على أطقم الحروف المطبعية. ولقد ضرب رودس مثالا في أحد الأيام، حيث كان الازدراء الشديد هو السمة المميزة لحديثه الخاص. ولقد قال: «اعتادت كافة هذه الصحف أن يكون لديها مكاتب خارجية. ولم تعد تستخدمها الآن. وأصبحوا ستصلون بنا لنوضح لهم ما الذي يجري في موسكو وفي القاهرة. وأغلب هذه المنافذ الصحافية تخرج بتقاريرها حول الأحداث العالمية من واشنطن. ومتوسط عمر المراسل الصحافي الذي نستقبله لا يتجاوز 27 عاما، ولا تتألف خبراتهم الصحافية من أكثر من تغطية الحملات الانتخابية العامة. هذا تغيير كبير فعلا. إنهم لا يعرفون شيئا على الإطلاق».
في هكذا بيئة، أصبح رودس بارعا في ازدراء الكثير من الناس في آن واحد. ولقد منحني نيد برايس، مساعد رودس، مثالا صادقا حول كيفية القيام بذلك. كانت أسرع طريقة للبيت الأبيض في صياغة الأخبار، كما أوضح لي، كانت من المنابر الإعلامية، ولكل منها مجموعته الصحافية الخاصة. ولكن كان هناك نوع من مضاعفات القوة، ولدينا كذلك أصدقاؤنا المقربون، وكل ما علي فعله هو التواصل مع مجموعة معينة من الأشخاص وأن بكل تأكيد تدرك أنني لا أريد أن أذكر أسمائهم إليك.
قلت: «أستطيع أن أذكر أسماءهم»، واستعرضت أمامه بعض الأسماء من صحافيي واشنطن البارزين وكتاب الأعمدة الصحافية الثابتة الذين يغردون في غالب الأمر بالتزامن مع رسائل البيت الأبيض.
فضحك برايس بشدة وقال: «انظر، إن بعض الناس يلوون عنق الكلام ويقولون إن هذا من علامات الضعف الأميركية. ولكن، في واقع الأمر، إنها إشارة من إشارات القوة». واستمر برايس يقول: «ولسوف أعطيهم بعض الألوان. والأمر التالي الذي أعلمه، أن الكثير من هؤلاء الناس يعملون في مجال الصحافة الإلكترونية، ولديهم متابعون كثيرون على تويتر، ولسوف يقتبسون كلماتي هذه وينشرونها في عبارات من صياغتهم».
من المرجح لحملة رودس المبتكرة لبيع الاتفاق الإيراني أن تكون أنموذجا للكيفية التي تفسر بها الإدارات الأميركية القادمة قضايا السياسة الخارجية أمام الكونغرس وأمام الناس. والطريقة التي سمع بها معظم الشعب الأميركي عن قصة الاتفاق الإيراني تجسد - أن إدارة الرئيس أوباما بدأت التفاعل وبجدية مع المسؤولين الإيرانيين منذ عام 2013 حتى يتسنى لها الاستفادة من الواقع السياسي الجديد في طهران، الذي جاء إثر الانتخابات التي دفعت بالمعتدلين إلى صدارة السلطة هناك - وأن قصة الاتفاق الإيراني قد صيغت بالكامل من أجل بيع الاتفاق إلى الكونغرس والجمهور. وحتى مع العلم بأن تفاصيل هذه القصة فعلا صحيحة، فإن الآثار التي استمدها القراء والمشاهدون من تلك التفاصيل كانت في غالب الأمر مضللة أو كاذبة. أدرك أقرب مستشاري الرئيس أوباما أنه شديد الحرص بصورة شخصية على التوصل إلى الاتفاق النووي مع إيران بقدر ما يعود الأمر لعام 2012، وحتى منذ بداية أولى فتراته الرئاسية في البيت الأبيض. وأوضح رودس الأمر بعد يومين من إبرام الاتفاق حيث قال: «إن ذلك الاتفاق هو مركز الاهتمام والتركيز»، وهو المعروف رسميا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة، التي نفذت حرفيا. ثم عمد رودس إلى التحقق من الأساليب التي تمكنت بها أهداف وأولويات السياسة الخارجية الأميركية من الالتئام في إيران. وقال رودس عن ذلك «لا يجب علينا أن نستمر في دورات الصراع الفارغة إذا ما كنا نستطيع البحث عن طرق أخرى لتسوية هذه القضايا. يمكننا فعل أشياء تصارع أو تتحدى أساليب التفكير التقليدية التي، كما تعرف، أن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (آيباك) لا تفضل هذا، أو أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تفضل ذاك، أو أن دول الخليج العربي لا تفضل الأمر برمته». إنها إمكانية تحسين العلاقات مع الخصوم. إنها تتعلق بحظر انتشار الأسلحة النووية. ومن ثم فإن كافة تلك الفقرات التي كان يتابعها السيد الرئيس - وأعني تلك التي ليست بالمعني الصحافي للكلمة - ولمدة عشر سنوات تقريبا، قد تجمعت كلها في وقت واحد حول إيران.
* خدمة {نيويورك تايمز}



القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني