ألمانيا: دعوى قضائية ضد «شرطة الشريعة»

تضم المعتقل سفين لاو المتهم بدعم «داعش»

عناصر من  «شرطة الشريعة» في أحد شوارع مدينة فوبرتال الألمانية («الشرق الأوسط»)
عناصر من «شرطة الشريعة» في أحد شوارع مدينة فوبرتال الألمانية («الشرق الأوسط»)
TT

ألمانيا: دعوى قضائية ضد «شرطة الشريعة»

عناصر من  «شرطة الشريعة» في أحد شوارع مدينة فوبرتال الألمانية («الشرق الأوسط»)
عناصر من «شرطة الشريعة» في أحد شوارع مدينة فوبرتال الألمانية («الشرق الأوسط»)

أقامت المحكمة العليا في دسلدورف، ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، دعوى قضائية رسمية ضد ما يسمى بـ«شرطة الشريعة» التي جابت شوارع مدينة فوبرتال في سبتمبر (أيلول) الماضي ونصحت الناس بنبذ الخمور والقمار والمراقص والحانات.
وعممت المحكمة تقريرًا يوم أمس عن تقديم ثمانية شباب مسلمين متشددين، من أعمار تتراوح بين 24 - 35 سنة إلى المحكمة بتهمة خرق قانون التجمعات. وجاء في التقرير أن مجموعة ما يسمى بـ«شرطة الشريعة» خرقت فقرة «لبس الأزياء» في قانون حظر التجمعات. ولبس 6 من أفراد المجموعة صدريات برتقالية مشعة اللون كتب عليها بالإنجليزية «شرطة الشريعة». ويحرم قانون التجمعات لبس قطع الملابس التي تعبر عن شعرات سياسية، ولذلك فقد اعتبرت محكمة دسلدورف لبس هذه الصدريات محاولة لفرض مفاهيم المجموعة الدينية على الآخرين.
كما وعظت المجموعة الناس في حي فوبرتال - البرفيلد بضرورة اتباع «شريعة الله» لأنها البديل الأفضل، كما شبهوا أنفسهم بأي دورية أخرى من دوريات الشرطة أو دائرة فرض النظام. ورأت المحكمة في هذه الطريقة محاولة للالتفاف على النظام. ويبدو أن ما بدا كمحاولة دعائية لنشر الفضيلة بين الألمان، سينتهي أمام قاضي المحكمة العليا في دسلدورف. وجاء في تقرير المحكمة أن ثبوت التهمة على المتهمين سيعني الحكم عليهم بغرامات مالية عالية، أو الحبس لفترة أقصاها سنتين. واستجابت المحكمة في قرارها أمس إلى طلب النيابة العامة في مدينة فوبرتال التي طعنت بقرار محكمة مدينة فوبرتال.
وكانت محكمة مدينة فوبرتال رفضت إقامة الدعوى على المجموعة المتطرفة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بعد أن رأت عدم تعارض لبس المجموعة لصدريات برتقالية تحمل اسم «شرطة الشريعة» مع قانون التجمعات. إلا أنها حظرت المجموعة من تكرار جولاتها لنشر «الفضيلة» بين الألمان. وأثارت «شرطة الشريعة»، التي ترأسها المتشدد سفين لاو وتحدث مع الناس باسمها، الكثير من الامتعاض الممزوج بالخوف بين الناس. ونشر سفين لاو، بعد جولته الوعظية في فوبرتال، صور المجموعة بزي «شرطة الشريعة»، على «فيسبوك». وتكشف الصور وجهه فقط في حين كان ثلاثة من أفراد المجموعة يديرون ظهورهم للكاميرا. حينها، عدّ رالف ييجر، وزير داخلية ولاية الراين الشمالي: «شرطة الشريعة» «إعلان حرب» ضد الديمقراطية. وأعلن ييجر عن أول مشروع «استباقي» يرمي إلى وقاية المسلمين من تأثير المنظمات المتطرفة. وقال الوزير في العاصمة المحلية دسلدورف إن الجمعيات والمساجد ستشارك في المشروع إلى جانب المنظمات الألمانية المتخصصة مثل دوائر الشباب والعمل ورعاية العائلة. وتحدث ييجر عن «خط هاتفي» ساخن لإرشاد العائلات التي تخشى على أولادها من التطرف.
وألقت الشرطة الألمانية القبض على المتشدد سفين لاو (أبو آدم) في أبريل (نيسان) 2015 بتهمة «التحضير لارتكاب جنايات خطيرة». وقالت النيابة العامة إنه تم اعتقال لاو في منشنغلادباخ، وكان متنكرًا بهدف التخلص من رقابة الأمن، بتهمة جمع التبرعات للمجاهدين، والعمل على تجنيد متطرفين للقتال في سوريا.
تحول لاو إلى الإسلام، بينما كان يقضي دورة تدريب مهني بغية إعداده كميكانيكي، وعمل قبل ذلك متطوعًا كرجل إطفاء. أسس منظمة «الدعوة إلى الجنة» المتشددة التي حظرت لاحقًا من قبل السلطات الألمانية بسبب الشكوك حول نشاطها المالي والتعبوي للمتطرفين الألمان الذين انضموا إلى تنظيم داعش. زار لاو مصر قبل ثلاث بنية الانتقال من هناك، حسب رأي دائرة حماية الدستور، إلى سوريا للقتال إلى جانب المتطرفين، لكنه عاد إلى ألمانيا بهدف تنظيم عملية جمع التبرعات وتحشيد المقاتلين للقتال هناك وتتهمه النيابة العامة بتجنيد اثنين من المراهقين الألمان للقتال إلى جانب «داعش» في سوريا والعراق، وبشراء معدات للرؤية في الظلام بمبلغ 1440 يورو لصالح التنظيم الإرهابي. وسفين لاو (35 سنة) من المتشددين المعروفين على مستوى ألمانيا، وولد لأسرة كاثوليكية متزمتة وله تاريخ حافل في مراهقته بتدخين المخدرات. اعتنق الإسلام وهو في سن 15 سنة واختار اسم «أبو آدم» له. وبين أفراد «شرطة الشريعة» التركي المتشدد يلديز س، الذي يظهر دائمًا جنبًا إلى جنب مع قادة المسلمين المتشددين في المظاهرات العامة. وأثار يلديز الكثير من الانتقادات والجدل في ألمانيا حينما كشفت الصحافة عن عمل سابق له في القسم الأمني من مطار دسلدورف.
أكد متحدث رسمي باسم شرطة فوبرتال، ولاية الراين الشمالي فيستفاليا، في أكتوبر (تشرين الأول) 2014 أخبارًا تناقلتها بعض الصحف لألمانية عن عمل المدعو يلديز س (27 سنة) في القسم الأمني الخاص في مطار دسلدورف الدولي. وقال أندريه شفانيكه، إن التركي الأصل عمل في قسم نقل وفحص الحقائب في مطار عاصمة ولاية الراين الشمالي فيستفاليا.
وقال المتحدث إن المتشدد يلديز س معروف لدى شرطة الولاية كأحد أتباع المتطرف المعروف سفين لاو وإنه شارك مطلع سبتمبر مع الأخير، في حملة نظمتها الجماعة باسم «شرطة الشريعة»، في شوارع فوبرتال.
المقلق في الأمر حينذاك هو أن تاريخ توظيف يلديز س لا يعود إلى ماض بعيد، أي قبل سقوط مدينة الموصل العراقية بأيدي ميليشيات «داعش»، وإنما إلى مارس (آذار) الذي أعقب ذلك. وذكر مصدر في المطار أن الرجل تم تجميد عمله بسبب خموله قبل فترة قصيرة، رغم أن عقد عمله ينتهي في أكتوبر من سنة 2014. وقلل المتحدث من شأن الموضوع، مشيرًا إلى أن قسم السيطرة على الحقائب يتبع إجراءات مشددة لا تدع لأي عامل فيها مجالاً لتهريب متفجرات أو ممنوعات.
وأثار خبر عمل المتشدد في القسم الأمني من مطار دسلدورف قلقًا في الشارع الألماني، كما أثار الكثير من التكهنات في الصحافة المحلية حول احتمالات مشاركته في عمليات تخريبية ممكنة. وأشار بعض المسافرين إلى أن مشاهدة الرجل يتجول حرًا في مطار دسلدورف، وهو يحمل هوية العاملين في المطار، كانت كافية لبعث الرجفة في أوصالهم.
جدير بالذكر أن سفين لاو أسس عام 2010 منظمة اسمها «المتطرف النشط» وتنظم عملها في مدينتي مونستر ومنشنغلادباخ (وهما في ولاية الراين الشمالي). وتعتقد النيابة العامة أن هذه المنظمة تنشط كبديل لمنظمة «الدعوة إلى الجنة» المحظورة. وتم تشخيص أحد مؤسسيها، وهو إبراهيم توماس، الذي يلقب بـإبراهيم الألماني، المعروف لدى الشرطة باعتباره الذراع اليمنى للناشط المتشدد بيير فوغل.
على صعيد مكافحة الإرهاب، دعت نقابة الشرطة الألمانية إلى التعاون بين الشرطة وهيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية) لمكافحة الإرهاب. وقال رئيس النقابة راينر فينت في تصريحات لشبكة ألمانيا الإعلامية، التي ضم أكثر من 30 صحيفة، أمس إن الفصل بين الشرطة والأجهزة الاستخباراتية، والذي يتم تبريره بتجارب سابقة مع النظام النازي، لا يلبي متطلبات الواقع. وأضاف فينت: «نعيش منذ عقود في ديمقراطية مستقرة. دولة القانون لن تكون مهددة من الشرطة وهيئة حماية الدستور، بل من الإرهابيين». وزاد القول إنه يتعين لذلك التغلب على المعوقات كافة التي تقف حائلاً أمام تبادل شامل للمعلومات والتعاون الضروري، موضحًا أن إلزام الفصل بين الشرطة والأجهزة الاستخباراتية يضعف من قدرة الدولة على مواجهة مخاطر الإرهاب وقال: «في الواقع نحن بحاجة إلى إلزام بالتعاون بدلاً من إلزام بالفصل».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended