شارع المعز.. من متحف تاريخي مفتوح إلى مركز تجاري

شارع المعز.. من متحف تاريخي مفتوح إلى مركز تجاري

أقدم شوارع القاهرة استباحته المقاهي والباعة الجائلون
الأحد - 23 رجب 1437 هـ - 01 مايو 2016 مـ
شارع المعز أقدم شوارع القاهرة قبل تدهوره - صورة حديثة لشارع المعز بعد التعدي عليه

يعد «شارع المعز» من أهم المعالم في مصر بوصفه يمثل متنفسا للتجول بين حنايا التاريخ العريق لقاهرة المعز بعيدا عن التلوث البصري والعشوائية التي تجتاح العاصمة المصرية، لكن يبدو أن العشوائية والإهمال اللذين انقضّا على كثير من المعالم السياحية والتراثية في مصر في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011؛ أبت إلا أن تنال من شارع المعز وتأخذ من بهائه، في ظل اضمحلال السياحة وقلة السائحين.
«المعز» من أقدم الشوارع التاريخية في العالم، وأطلق عليه المستشرقون «الشارع الأعظم»، فهو أطول شوارع القاهرة، حيث يمتد لمسافة 4800 متر. يرجع تاريخ إنشائه إلى أكثر من ألف عالم، حينما استولى الفاطميون على مصر في 17 من شعبان 358هـ الموافق 6 يوليو (تموز) 969م، اختار جوهر الصقلي (قائد جيش المعز لدين الله الفاطمي) القاهرة لتكون عاصمة للدولة الفاطمية، وشيّد في سورها الشمالي بابين، هما: باب النصر وباب الفتوح, وفي السور الجنوبي أنشأ شارعا رئيسيا من باب الفتوح لباب زويلة، هو شارع المعز لدين الله الفاطمي. يقع الشارع في حي الأزهر، في قلب القاهرة الفاطمية، وهو الوجهة الرئيسية لجميع المشاهير الذين يزورون مصر من نجوم هوليوود، وأشهر الفنانين ونجوم الطرب والغناء في العالم.
يمتد الشارع من باب الفتوح وتتقاطع معه منطقة النحاسين، ثم خان الخليلي، والصاغة، ثم يقطعه شارع جوهر القائد أو «الموسكي»، ثم يقطعه شارع الأزهر مرورًا بمنطقة الغورية والفحامين، ثم زقاق المدق والسكرية لينتهي عند باب زويلة.
يضم الشارع 212 أثرا إسلاميا فريدا من نوعه يجمع بين فنون العمارة المصرية والعثمانية والأندلسية والبيزنطية، التي تتجلى في المساجد والأسبلة والكتاتيب والتكايا والبيوت ذات الطابع العتيق التي يعج بها الشارع، من بينها: جامع الحاكم بأمر الله، بيت السحيمي، بيت الهراوي، باب الفتوح، المدرسة الكاملية، قبة الصالح نجم الدين أيوب، مسجد ومدرسة الظاهر برقوق، ومدرسة الناصر محمد، وتقف مجموعة السلطان قلاوون شامخة وشاهدة على عظمة المعمار وروعته في العصر المملوكي، وهي تضم بيمارستان وقبة ومدرسة قلاوون، سبيل محمد علي، ومتحف النسيج... وغيرها من الآثار التي تجذب ناظريك بما تحمله من زخارف المعمار وفنونه. وبلغت تكلفة تطوير آثار الشارع وترميمها، وتحويله إلى متحف مفتوح 83 مليون جنيه في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.
ومنذ تطويره وافتتاحه عام 2008 لم يكن هذا الشارع يخلو من أفواج تضم عشرات السائحين من مختلف أنحاء العالم، يجوبون أنحاءه بأعين مبهورة بالكنوز التي يضمها هذا الشارع، ويلتقطون الصور الفوتوغرافية، إلا أن تأثر السياحة المصرية بثورة يناير (كانون الثاني) 2011 أدت إلى تدهور أحوال الشارع الذي فقد كثيرا من بريقه، وأصبح يئن تحت وطأة التعديات التجارية.
بعد تراجع السياحة غيرت بعض البازارات نشاطها واختفت محال الأنتيكات والتحف، والخيامية والمشغولات النحاسية، ومشغولات الأرابيسك التي كانت تملأ كل ركن في الشارع، والتي كان التجول بينها ورؤية الصناع المهرة وهم يمسكون بأدواتهم متعة كبرى، لتحل محلها محال لبيع الملابس «الكاجوال» والأدوات المنزلية، الأمر الذي يفقد الشارع طابعه التاريخي، بل تعدت المقاهي على الأرصفة.
وشوهت الجدران العتيقة بتعليق الصور والبضائع عليها دون أدنى تقدير لقيمتها التاريخية الفريدة، عروض التنورة الفلكورية وتنضم لحشود من الراقصين.
تسير الألمانية، ألكسندرا فرودنبرج (36 سنة)، مع ابنة عمتها المصرية، باحثة عن المحال السياحية التي اعتادت شراء الهدايا التذكارية منها لتلاحظ تغير معالم الشارع الذي كان من أحب الأماكن التاريخية إلى قلبها، وتقول: «اعتدت التجول هنا سيرا على الأقدام، وكان يمنع مرور السيارات، أما الآن فلا يمكنني التجول بحرية..لقد اعتدت زيارة الشارع منذ عام 2009، وكنت أحب عروض التنورة الفلوكورية التي كانت تعطي للشارع بهجته، والتي أعتقد أنها اختفت الآن».
وبنبرة حزن شديدة، تقول المرشدة السياحية، سالي سليمان، صاحبة مدونة البصارة، لـــ«الشرق الأوسط»: هو أهم شارع في القاهرة التاريخية، وللأسف السياح يستنكرون تعاملنا بهذا الإهمال مع آثارنا، نحن نفعل بآثارنا أكثر مما تفعله (داعش) بآثار سوريا والعراق، وتضيف بأسى «لا أجد مبررا للوضع الذي أصبحت عليه الآثار أمام بعض السياح الأجانب، الذين يسألون عن سبب الإهمال في حماية الآثار».
«للأسف يذهب المصريون للشارع كمتنزه مثله مثل حديقة الحيوان، القمامة انتشرت بشكل غير حضاري». تنتقد سليمان عدم وجود وعي أثري لدى عموم المصريين، لذا تحاول تنظيم عدد من الجولات السياحية سيرا على الأقدام للمصريين؛ تعويضا عن غياب الأفواج السياحية الأجنبية التي كانت لا تفارق الشارع، ولتعريف المصريين بقيمة الشارع، وتلقى تلك الجولات إقبالا كبيرا من قبل الشباب والفتيات. وتقول «توافد الناس باستمرار وإقبالهم على تلك الأماكن ومطالبتهم بالحفاظ عليها يمثل نوعا من الضغط على الوزارات المختصة للاهتمام بها وترميمها».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة