عبد الوهاب عبد المحسن يحاور وجوهه بمحبة الفن والحياة

عبد الوهاب عبد المحسن يحاور وجوهه بمحبة الفن والحياة

عبر 38 لوحة تبحث عن السكينة في معرضه الجديد بالقاهرة
الأحد - 23 رجب 1437 هـ - 01 مايو 2016 مـ

باللون والخط والضوء والظل وحميمية الفن، يحاور الفنان عبد الوهاب عبد المحسن شخوصه في معرضه الجديد «ناس»، الذي افتتح يوم الأربعاء الماضي بقاعة «أفق» بمتحف محمود خليل بالقاهرة، ويستمر حتى 11 من مايو (أيار) الحالي.

يشكل فضاء المعرض 38 لوحة متفاوتة الأحجام، ما بين القطع الكبير والمتوسط، مسكونة بشحنة عاطفية عالية، وقدرة فائقة على التجريب والجرأة والمغامرة، فكل وجه يشكل حالة خاصة تنطوي على أسئلة وأفكار ورؤى فنية وفلسفية، تعكس في الوقت نفسه حقيقة واقعه الإنساني، على شتى المستويات الاجتماعية والسياسية والحضارية، كما يومض في ملامح الوجوه مخزون من تجربة الفنان نفسه، ورموزه وعلاماته الفنية الأثيرة، المستقاة من فضاء بحيرة البرلس ومراكب الصيد والأسماك، وتشققات الطين، ورائحة الأرض والنباتات وعرق البشر، وصراعهم مع الزمن والطبيعة.

يتضافر مع هذا المخزون وعي ثاقب بثقافة الوجه في الموروث الشعبي، وما تنطوي عليه من محمولات تراثية، ودلالات ورموز تشكل تلخيصا لخبرة حياة انعكست في كثير من الحكم والأمثال الشعبية، وأصبحت بمثابة قراءة حية وطازجة في الوجدان العام لطبيعة الوجه نفسه، وكيف يصبح مصدرًا للفرح والبهجة وراحة البال، أو نذيرًا للشؤم وعدم التفاؤل، ناهيك بتراث الوجه نفسه كأيقونة بصرية خاصة، لعب عليها فنانون من شتي المذاهب والمدارس الفنية.

لا تخطيء العين المشاهدة للمعرض، هذا الإرث الحضاري للوجه، فرغم الفرح بمتعة الفرجة الأولى فإنها تظل عالقة بما هو أبعد فيما وراء الوجه نفسه، وما تنطوي علية أشكال الوجوه نفسها من تحويرات في النسب والمنظور والملامح، وكذلك طبيعة التكوينات والعلامات التي تتعايش على سطح الوجه من توريقات نباتية، وغلالات ضوئية، وبقع طفلة تكسر حيادية الفراغ، وتخفف من ثقل خامة الأكريلك، لتنداح الألوان بعفوية وبساطة على مسطح قماشة اللوحة، تشد خيوطها ومسامها إلى الداخل، حيث يكمن الانفعال بالوجه في ذروته دراميا وفنيا، كتلخيص لملامحه الخارجية الطافية على السطح.

تومض هذه العلامات بخفة في زوايا الرسوم، وتقطعها طوليا وعرضيا، سواء بطلشات الفرشاة أو بخطوط حادة واضحة، تمنح الشكل حرية أوسع في الرسم والمغامرة على السطح، وابتكار حلول بصرية جريئة، تكسر الحدود الصلدة بين الوجه كحقيقة واقعية، وواقعه المجرد الجديد الذي يكتسبه من قوة التكوين والوجود والاختزال والتكثيف في اللوحة، لنصبح إزاء قيم إنسانية مغايرة للوجه نفسه، يتضافر فيها الوعي واللاوعي، محققًا نوعًا من التوازن والانسجام الفني بين كل أبعاد اللوحة، وفي الوقت نفسه، يصبح انفعال الفنان بالوجه ومغامرته في ظلاله أداة لمعرفة جديدة بطبيعة الوجه ورمزيته صعودًا وهبوطًا في إيقاع الحياة الأشمل والأكثر عمقًا.

إن الوجه بكل تفاصيله وتضاريسه يسيطر على اللوحة أفقيا ورأسيا، وهو معجون بالخلفية وممتلئ بها، فارضا إيقاعه على منظومة الألوان بتراوحاتها الساطعة والداكنة، المرحة المشرقة، الزاهدة المتقشفة، أيضا يفرض نفسه على طبيعة السكون والحركة في اللوحات، حتى يبدو في أحيان كثيرة وكأنه باب لأثر قديم، ينتظر من يطرقه بقوة وحب، كأنه نبضة وجود منفلتة من جدار الزمن والتاريخ.

وعلى ذلك، فثمة وجوه قرينة العتمة، وثمة أخرى قرينة الضوء، وهناك وجوه بلا ذاكرة، هناك الشاعر، والسلطان ذو القرون، والوجه البقرة، والسمكة، والعانس، وست الحسن، وسيدة الأعمال، وناشطة حقوقية، وعاملات في شركات المحمول، والنصاب، والأكتع، والمذيعة، والمذيع، ورجل طيب، وهناك ملامح الفنان نفسه في بعض الرسوم.. إنها رحلة لوجوه عابرة ومقيمة، يلتقطها الفنان من غربال الحياة، ونثريات الواقع اليومي، يعايش حيواتها الغامضة الواضحة في أفق حلم، يبحث عن صيغة للتعايش، تتعادل فيها قوة المادة والروح، في سياق آخر من السكينة واللاعنف والصفاء.

ومثلما يقول الفنان نفسه في معرض تقديمه لهذا المعرض الشيق «كل هؤلاء الناس أعرفهم، يعيشون معي، في السوق والشارع، في العمل والمواصلات، أتحاور معهم في صمت، كلهم يعيشون في ذاكرتي، في مرسمي يومضون على سطح اللوحة، فقط أنفض الغلالة البيضاء عنهم لتظهر حقيقتهم، كما أراها، وكما أعرفهم.. هي ليست صورا شخصية، لكنها حالات تشبه أصحابها من الداخل، منحتنا الطبيعة فراسة التلقي وفهم الدواخل، وعشت معهم وفي ملامحهم غواية اللعب بالخطوط والألوان، وكانت عمارتنا في هذا المعرض وجوه الناس».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة