مجلس شؤون المسلمين في بلجيكا: الفجوة اتسعت بيننا وبين الأديان الأخرى بعد التفجيرات

عودة حركة القطارات إلى مطار بروكسل.. واستئناف العمل في محطة الأنفاق

أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية في تفجيرات بروكسل يعلنون افتتاح محطة مترو الأنفاق مالبيك وسط العاصمة البلجيكية اليوم (الاثنين) التي سقط فيها 16 ضحية (أ.ف.ب)
أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية في تفجيرات بروكسل يعلنون افتتاح محطة مترو الأنفاق مالبيك وسط العاصمة البلجيكية اليوم (الاثنين) التي سقط فيها 16 ضحية (أ.ف.ب)
TT

مجلس شؤون المسلمين في بلجيكا: الفجوة اتسعت بيننا وبين الأديان الأخرى بعد التفجيرات

أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية في تفجيرات بروكسل يعلنون افتتاح محطة مترو الأنفاق مالبيك وسط العاصمة البلجيكية اليوم (الاثنين) التي سقط فيها 16 ضحية (أ.ف.ب)
أعضاء لجنة التحقيق البرلمانية في تفجيرات بروكسل يعلنون افتتاح محطة مترو الأنفاق مالبيك وسط العاصمة البلجيكية اليوم (الاثنين) التي سقط فيها 16 ضحية (أ.ف.ب)

قال صلاح الشلاوي رئيس الهيئة التنفيذية للجالية المسلمة في بلجيكا، إن الفجوة اتسعت بين المسلمين وغير المسلمين منذ هجمات مارس (آذار) الماضي. وأضاف في تصريحات للإعلام البلجيكي، أن الجزء الأكبر من المجتمع يمكن أن يفرق بين الأمور، ولكن هناك حقيقة يجب أن نعترف بها. وألمح الشلاوي إلى أن الاهتمام الديني في تزايد ولكن لا يجب أن ننظر إلى ذلك على أنه تطرف. وفي نفس الوقت يشير الشلاوي إلى أنه في بعض الأحيان هناك تراخٍ في التعامل مع الخطاب المتشدد في بلجيكا. ولكن الشلاوي رفض الحديث عن سقوط مجتمع متعدد الثقافات. وقال إن المجتمع متعدد الثقافات يبني نفسه من خلال ما يمر به من لحظات صعبة أو خصبة. وتتولى الهيئة التنفيذية تسيير شؤون الجالية المسلمة في بلجيكا وتضم مجلسًا للجامع العام، يمثل كل مساجد وجمعيات المسلمين في بلجيكا ويقوم باختيار أعضاء الهيئة من خلال عملية انتخابية. من جهة أخرى عادت حركة القطارات من جديد أول من أمس السبت إلى مطار زافنتم ببروكسل، بعد توقف استمر أكثر من شهر في أعقاب تفجيرات 22 مارس الماضي، أما فيما يتعلق بعودة العمل من جديد في محطة مالبيك للقطارات الداخلية «المترو»، فمن المقرر أن تعود الأمور إلى طبيعتها اليوم (الاثنين)، بحسب ما أعلنت هيئة السكك الحديدية «إن إم بي إس».
وقال المتحدث ديمتري تيمرمان إن الحركة بدأت أول من أمس تعود إلى طبيعتها بالنسبة لحركة القطارات ويتم استخدام المحطة القديمة أسفل مبنى المطار بدلاً من المحطة الجديدة التي تعرض الممر المؤدي منها إلى مبنى صالة المغادرة لبعض الأضرار، والآن يمكن استخدام أحد المصاعد أو السلالم للتوجه إلى صالة المغادرة.
أما بالنسبة لحركة القطارات الداخلية في مالبيك القريبة من مقار مؤسسات الاتحاد الأوروبي، فسوف تنطلق السادسة صباح اليوم، وتستمر حتى الساعة العاشرة مساءً. جاء ذلك بعد الحصول على الإشارة الخضراء من السلطات الأمنية، وإجراء بعض الإصلاحات الضرورية عقب الأضرار التي لحقت بالمحطة من الداخل، على أن يتم استئناف الإصلاحات في أوقات المساء، بعد الساعة العاشرة ليلاً.
وعلى صعيد التحقيقات، لم يضع اعتقال إرهابيي المترو الثاني يوم 9 أبريل (نيسان) الحالي حدًا للقلق بشأن حقيبة المتفجرات التي كان يحملها وقت مشاهدته في محطة مترو بتيلون، إلى جانب خالد البكراوي الذي فجر نفسه في مالبيك. فهذه الحقيبة لا تزال بالخارج مما يثير قلقًا كبيرًا لدى السلطات القضائية. فما الذي وقع للحقيبة منذ ذلك الحين؟ استطاعت صحيفة «درنيير أور» أن تكشف عن أن الحقيبة أفرغت من محتواها. وللتذكير، فبعد العثور على مخبأ إرهابيي المترو بإيتربيك، قامت الشرطة بالقبض على الشقيقين إسماعيل وإبراهيم فارسي.
وكان الأول إسماعيل البالغ 31 سنة هو المستأجر الرسمي للشقة. واتهم شقيقه الأصغر إبراهيم البالغ 27 سنة، بالمشاركة في «تنظيف» شقة إيتربيك، في اليوم الموالي لهجمات بروكسل. وفي صور كاميرات المراقبة الخاصة بالمبنى، شوهد إسماعيل وإبراهيم وهما يقومان بنقل عدد من الحقائب وبعض الأثاث. ولا يزال إبراهيم يؤكد أنه كان يقدم المساعدة لشقيقه الأكبر. وساعده بشكل خاص في نقل بلاي ستيشن وبعض الملابس والحقيبة الشهيرة التي كان الإرهابي أسامة كْرَيم يحملها. ويصر إبراهيم على أن الحقيبة التي حملها بيد واحدة كانت فارغة في ذلك اليوم. وإلى جانب ذلك، فقد قام إبراهيم بمنح الملابس التي كانت موجودة بمخبأ إيتربيك وكذلك الحقيبة الشهيرة للأعمال الخيرية، ووضعها في حاوية بمولنبيك يوجه محتواها على الأشخاص الفقراء. وبعد أن ترك شريكه البكراوي بمحطة مترو بتيلون، عاد أسامة كريم بحقيبة الظهر إلى مخبأ إيتربيك. وقال إبراهيم فارسي إنه نقل حقيبة فارغة. وفي هذه المرحلة من المستحيل معرفة المزيد بشأن ما حدث لمحتويات الحقيبة.
ولا يزال التحقيق بشأن هجمات بروكسل مستمرًا، ونشرت صحيفة «درنيير أور» البلجيكية معلومات تفيد بأن عبريني لم يفجر نفسه لأنه فشل في ذلك. وهي النظرية التي فندتها صحيفة «لوسوار». وبعد مرور شهر على هجمات بروكسل، تقدم التحقيق بشكل جيد. إلا أن بعض الأسئلة لا تزال معلقة.
ويقول الخبراء في مكافحة الإرهاب: «لقد كانت هناك أكثر من 100 عملية مداهمة، التي أدت بالخصوص إلى تحديد مخبأين للإرهابيين. الأول بشارع ماكس رووس بسكاربيك، والثاني بشارع لوكازرن بإيتربيك». وبخصوص الأشخاص المعتقلين، فقد كان عددهم 6 في إطار التحقيق بهجمات بروكسل. منهم اثنان يتعاونان مع المحققين.
ويضيف الخبراء: «اليوم يوجد ستة أشخاص رهن الاعتقال في إطار هجمات بروكسل، من بينهم شخصان رئيسيان هما محمد عبريني الرجل صاحب القبعة، وأسامة كْرَيم، الرجل الثاني بالمترو. وهذان الشخصان يتعاونان مع التحقيق. وهذا يعني أيضًا أنه من المفروض أن تكون هناك محاكمة، وهو الأمر المهم أيضًا بالنسبة للضحايا». ونشرت صحيفة «درنيير أور» معلومات تفيد بأن صور كاميرات المراقبة بمطار بروكسل، التي أخذت يوم الهجمات، مكنت من فهم تصرف محمد عبريني، الرجل صاحب القبعة. ووفقًا للصحيفة فقد تفاجأ عبريني بشدة الانفجار الأول وتم دفعه لعدة أمتار. وحاول الوصول إلى عربته لإطلاق المتفجرات، لكنه لم يتمكن من ذلك، بسبب حركة الحشود المتتالية عند أول انفجار.غير أن صحيفة «لوسوار» فندت هذه النظرة استنادًا إلى مصدر في الشرطة. ووفقًا للصحيفة كان عبريني يتجه نحو باب الخروج منذ الانفجار الأول، قبل مغادرة المطار بصفة نهائية عند الانفجار الثاني. من جهته قال كريستيان ديكوبيك مدير فريق التعرف على الضحايا إنه من المنتظر أن تنتهي آخر تحاليل الحمض النووي الأسبوع الحالي، مضيفًا أن الهجمات الأخيرة شكلت عبئًا في العمل أثقل بكثير مما مضى وإجمالاً عمل نحو أربعين شخصًا على تحديد هوية 32 ضحية. ويتكون الفريق يوميًا من سبعة موظفين دائمين. ومع أن المهام محددة للغاية، إلا أن فريق التعرف على الضحايا لا يستخدم المتطوعين. ويعمل الفريق الآن مع الصليب الأحمر، المسؤول عن جمع البيانات عن فترة ما قبل الوفاة، وخصوصًا لدى أقارب وأسر الضحايا. كما يضمن الدعم النفسي لهم.
وفي نفس الصدد تظاهر بضع مئات من أنصار الحركة المعادية للإسلام «بيغيدا» بعد ظهر أول من أمس بأنتويرب (شمال البلاد)، وبعد وقت قصير من انطلاق الموكب، اندلع اشتباك بوسط المدينة. وفي نفس الوقت، شارك العشرات من أنصار حركة «القلب فوق العنف» بمظاهرة مضادة. واجتمع أنصار حركة «بيغيدا» الذين يقدمون أنفسهم على أنهم «وطنيون أوروبيون ضد أسلمة الغرب» بساحة كبيرة في وسط أنتويرب للمطالبة بشكل خاص بإعادة المراقبة الدائمة للحدود.
وبعد عدد من الخطابات، غادر الموكب في شوارع أنتويرب، حيث سرعان ما اندلعت معركة، على ما يبدو، مع أشخاص يوجدون في صالون لتصفيف الشعر. وتم تكسير إحدى الواجهات الزجاجية، فيما انتشر عدد من فرق الشرطة في الحي. وبالموازاة مع ذلك، وفي حديقة «سبور نورد»، دعا العشرات من حركة القلب فوق العنف إلى مجتمع متضامن وأعربوا جميعًا عن رفضهم لأفكار حركة بيغيدا.
في غضون ذلك، أفادت صحيفة «درنيير أور» البلجيكية أمس، بأن مواطنًا فرنسيًا أوقف في حي مولنبيك ببروكسل لدى محاولته الاتصال بشبكة تجنيد «المتشددين» للقتال في سوريا. وبحسب الصحيفة فإن شابًا كان يسأل المارة عن الطريق إلى مسجد، موضحًا أنه من فرنسا ويريد التوجه إلى سوريا للقتال هناك دفاعًا عن «القضية العادلة». ووافق أحد المارة على إيصاله إلى المسجد، لكنه أسرع بعدها إلى إبلاغ الشرطة بتصرفات هذا «السائح المتطرف».
وأوردت الصحيفة أن الشرطة نقلته إلى مركز احتجاز قبل أن يتم تسليمه إلى أجهزة الأمن الفرنسية. ويُعتقد أن شبكة سرية لتجنيد الشباب المسلمين للقتال في سوريا والعراق تعمل بنشاط في حي مولنبيك، الذي انحدر منه عدد من الانتحاريين الذين نفذوا تفجيرات إرهابية دموية في باريس وبروكسل.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.